لعلي لا أبالغ إذا قلت بأن جعفر أبوالتمن هو من الشخصيات العراقية التي تجتمع فيها العناصر الأساسية للشخصية الوطنية العراقية بكل مميزاتها، وهو رأي استخلصته من المتابعة الدقيقة لسيرة هذا الزعيم الكبير، منذ بدايات شبابه، حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

كما استخلصته مما قرأت وسمعت عنه، ممن عاصروه وممن اهتموا بدراسة شخصيته، وبقراءة مواقفه السياسية والاجتماعية، في العهود المختلفة من تاريخ العراق، منذ مطالع القرن العشرين، سواء في المرحلة العثمانية، أم في مرحلة الانتداب البريطاني، أم في المرحلة التي قادت العراق إلى استقلال نسبي عن الإمبراطورية البريطانية في عهد الملك فيصل وشقيقه الملك غازي.

بداية تعرفي على شخصية هذا الزعيم كانت في العام 1947، عندما تعرفت إلى ابنه عزيز ونشأت بيني وبينه صداقة عميقة وحميمة استمرت حتى سقوطه شهيداً في الانقلاب البعثي الدموي على حكم عبد الكريم قاسم في مطلع العام 1963. فقد كان لتلك العلاقة مع عزيز أبو التمن دور تمهيدي وأساسي في تعميق معرفتي بوالده جعفر، وبالأساسي من الخصال الوطنية والإنسانية التي اتسمت بها شخصيته، وطبعت سيرته بطابعها.

معروف في تاريخ العراق الحديث أن جعفر أبوالتمن كان من أبرز أبطال ثورة العشرين الشهيرة، التي واجه بها العراقيون الاحتلال البريطاني لبلدهم، بقيادة زعامات وطنية مدنية ودينية، وزعماء عشائر.

وكان أبو التمن من أكثر زعماء تلك الثورة صلابة في مواجهة الاحتلال البريطاني، وكان، في الوقت عينه، من أكثرهم استقلالية في مواقفه السياسية عن كل المحاولات التي كانت ترمي، بصيغ مختلفة، إلى تكبيل العراق بمعاهدات عسكرية وأمنية وسوى ذلك من مشاريع كانت تفقد العراق سيادته.

وهي مواقف لأبي التمن برزت في تمايزه باسم حزبه، الحزب الوطني العراقي، عن مواقف بعض التنظيمات السياسية وبعض السياسيين، وفي تمايزه عن المشاريع السياسية المختلفة التي كان للإنجليز دور مباشر، أو ضمني، في صنعها.

وهي المواقف التي قادته إلى الاختلاف مع بعض أصدقائه من السياسيين، وإلى الخروج من التنظيمات والتجمعات السياسية التي كان يلتقي فيها معهم، بعد أن كان يكتشف المخاطر التي تنطوي عليها سياساتهم بالنسبة إلى العراق.

ورغم أنه وافق، في نهاية المطاف، على تولي الأمير فيصل بن الحسين الملك على العراق، إلا أنه ظل يعتبر نفسه في صف المعارضة لسياسات فيصل. لكنه في معارضته لفيصل لم يكن قاطعاً في كل الظروف، بل هو كان يفرق بين ما كان يراه في سياسة الملك من صحة في بعض المواقف وفي بعض المبادرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبين السياسة العامة للملك، التي كان يرى أبو التمن أنها أقرب إلى التعاون والتواصل مع السياسة البريطانية.

وكان في القرار الذي اتخذه بتشكيل الحزب الوطني العراقي يريد إعطاء المعنى الحقيقي لانتمائه الصادق إلى الوطن من دون الالتباسات التي سادت في مواقف معظم الأحزاب والقيادات السياسية في زمانه.

ولد جعفر أبوالتمن في بغداد في العام 1881 في محلة صبابيغ الآل من أسرة عراقية قديمة. بلغ جده الحاج داوود في أواخر العهد العثماني شأناً كبيراً، في الجاه والثراء والتقوى.

نشأ جعفر في كنف جده وتعلم في الكتاتيب، ثم درس اللغة العربية والدين على أيدي مدرسين خصوصيين شأنه شأن أقرانه من أبناء البيوتات الذين كانوا يتحرجون من إدخال أبنائهم في المدارس العثمانية، ثم اعتمد على نفسه بتعميق ثقافته، فنشأ ذا ثقافة عربية دينية، وساهمت مجالس الأدب والشعر في بيت جده في تكوين شخصيته الاجتماعية والتجارية، ثم السياسية فيما بعد، فقد أثار انتباه الحاضرين منذ صغر سنه، فأعجبوا بمنطقه السليم وبطريقة تفكيره التي برز فيها ميله نحو التجديد في كثير من القضايا الاجتماعية والدينية.

عندما أنشئت المدارس الحديثة لم يكن للشيعة نصيب فيها بسبب الموقف المعادي للشيعة لدى السلطات العثمانية، إذ كان العثمانيون يخشون من صعود الشيعة إلى المراكز الحكومية الأساسية، علماً بأن الشيعة كانوا معادين للسلطنة العثمانية من موقع وطني في الأساس، ومن موقع ديني ومذهبي كذلك.

ولم يكونوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من تلك السلطنة، يضاف إلى ذلك أن المرجعيات الدينية الشيعية كانت تحرم دخول أبنائها في المدارس باعتبار هذه المدارس، في نظرهم، مفسدة للدين، لذلك اقتصر تعليم أبناء الطائفة على مدارس النجف وكربلاء والكاظمية لتعليم اللغة العربية والعلوم الدينية.

في أعقاب الانقلاب الذي قاده حزب الإتحاد والترقي التركي في السلطنة العثمانية، وإعلان الدستور العثماني الجديد في العام 1908، تبدلت نظرة الدولة العثمانية للشيعة، فسعت مجموعة متنورة من الزعماء الشيعة للحصول على إجازة لتأسيس مدرسة حديثة. وكان في مقدمة تلك المجموعة جعفر أبو التمن، وكانت دار جده الحاج داوود، كالعادة، مركزاً لتجمع الشباب والشيوخ للبحث في جميع شؤون المجتمع، ومن بينها تأسيس المدرسة.

اهتم جعفر أبوالتمن ومجموعته بجعل المدرسة التي أنشأوها تقوم بتعليم اللغات الأجنبية. وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى التنافس مع مدرسة الاليانس اليهودية التي كانت تخرج كتاباً يعملون لدى التجار المسلمين، نظراً لمعرفة هؤلاء باللغات الأجنبية. وكان بعض هؤلاء اليهود يشاركون التجار المسلمين في أعمالهم التجارية، وكانوا يشاركونهم في السعي للسيطرة على السوق التجاري بشكل عام.

كان تأسيس المدرسة الجعفرية بداية نشاط أبو التمن الاجتماعي، فقد تحولت المدرسة، في فترة لاحقة، إلى منتدى وطني سري للعناصر الوطنية، وظل أبو التمن يتولى أمانة الصندوق في المدرسة حتى العام 1920، ثم أناطت به الثورة التي قامت في ذلك التاريخ ضد الإنكليز، مهمة الاستمرار في دوره في المدرسة كعضو في هيئتها الإدارية حتى العام 1927. وقد ساعدته مهماته في المدرسة، إضافة إلى مزاياه الشخصية، في التحول تدريجياً إلى شخصية مرموقة في المجتمع وفي البلاد.

وفي المرحلة التي سبقت قيام ثورة العشرين، كان لأبي التمن دور في المعارك الوطنية ضد العثمانيين أحياناً، ثم ضد الإنكليز، ابتداء من 1914 حتى 1920. وكان واحداً من قادة تلك الثورة، التي كان كبير مجتهدي الشيعة الشيرازي أبرز أبطالها، وتعرض بسبب مواقفه لمطاردة سلطات الاحتلال، فلجأ إلى الحجاز مع عدد من زعماء الثورة.

استمرت الثورة عاماً كاملاً بين كرّ وفرّ، وانتهت بالبحث عن حل يقضي باختيار ملك للعراق. وتم ذلك في مؤتمر عقد في القاهرة في العام 1921 تقرر فيه اختيار الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، بالاتفاق مع الإنكليز. ولم يكن أبوالتمن راضياً عن ذلك الاختيار، وهكذا انتقل العراق إلى عهد جديد بتتويج فيصل ملكاً. فعاد أبو التمن من الحجاز إلى العراق. واستقبل لدى عودته استقبالاً حاشداً.

وشرع فور عودته بتأسيس الحزب الوطني العراقي لإعلان تمايزه عن الأحزاب والحركات التي كانت قد نشأت، وبعضها كان قد تم تأسيسه بإيحاء من الإنكليز. في تلك الفترة بالذات نشب خلاف في السعودية بين عبد العزيز بن سعود وآل رشيد انتهى بانتصار ابن سعود.. في ظل بوادر تمدد في اتجاه الحدود العراقية، الأمر الذي استنفر القوى السياسية، وأبناء العشائر، والمرجعيات.

تمت الدعوة إلى مؤتمر في كربلاء تجمع للاشتراك فيه حوالي 200 ألف نسمة تحت شعار الدفاع عن حدود العراق وعن استقلاله، ولعب جعفر أبوالتمن دوراً فعالاً في الاجتماعات التمهيدية للمؤتمر الذي هدف من بين أهدافه الكثيرة إلى تنبيه الرأي العام العراقي إلى الخطر المتمثل بالمعاهدة العراقية البريطانية.

ومعروف أن المعاهدة كانت ترمي إلى وضع صيغة قانونية للانتداب البريطاني على العراق. إلا أن الحكومة العراقية كانت تعتبر هذه المعاهدة تنظيماً للعلاقة بين دولتين متكافئتين. أما قادة الحركة الوطنية فكانوا ضد المعاهدة من حيث المبدأ.

وأعد جعفر أبوالتمن، ومعه بعض زعماء تلك الحركة قائمة بالمطالب الوطنية، مع ذكر احتمال إعلان خلع الملك إذا لم يتم تحقيقها، وبعد المفاوضات الطويلة بين الحكومة والملك والزعماء الوطنيين تم الاتفاق على عدم ذكر الانتداب في المعاهدة. فعادت العلاقات، إثر ذلك، إلى طبيعتها بين أبي التمن والملك فيصل، وتم تعيينه وزيراً.

إلا أن معارضة المعاهدة ظلت، برغم ذلك، أمراً أساسياً في سياسة أبي التمن وفي سياسة عدد من زعماء الحركة الوطنية. وقادت أبا التمن مواقفه المتشددة من المعاهدة إلى الاعتقال والنفي مع بعض زعماء الحركة الوطنية إلى الخارج، لكنه عاد بعد فترة وعاد معه أولئك الزعماء، واستأنفوا نضالهم، كل منهم من موقعه، وعلى طريقته.

وكان الحزب الوطني العراقي، حزب أبوالتمن، يتوقف أحياناً ثم يعود إلى النشاط من جديد، ليس فقط بفعل الضغوط التي كان يواجهها من السلطات، بل كذلك بفعل ما كان يحصل من خلافات داخل صفوف قيادته.

لكن أبا التمن عمد، في العام 1928، حين أعيد تشكيل الحزب في واحدة من المرات التي عاد فيها إلى النشاط ودخول عناصر جديدة إليه، عمد إلى تطوير مواقفه في الخطاب الذي ألقاه في افتتاح أعمال الحزب، بإضافة بنود جديدة إليه ، تجمع بين المطالبة بالاستقلال، وبين برنامج يتضمن عدداً من الإصلاحات تشمل التعليم والزراعة وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وتأسيس النقابات التي تسعى لتحسين شروط عمل وحياة العمال.

واعتبر أبوالتمن، في أساس برنامجه، أن من شروط بناء الوطن تكوين جيش وطني قادر على حماية استقلال البلاد. غير أن أبا التمن، إثر الخلاف الذي نشأ بينه وبين زملائه في الحزب الوطني في عام 1933، أعلن اعتزاله العمل السياسي. لكن اعتزاله هذا لم يكن ثابتاً وقاطعاً. فحين تأسست «جماعة الأهالي» انضم إليها، بعد تردد طويل، تلبية لرغبة عدد من أصدقائه الوطنيين الشباب.

وكان في مقدمتهم أحد المؤسسين لتلك الجماعة صديقه عبدالقادر إسماعيل، الذي انتهى به المطاف للدخول في الحزب الشيوعي العراقي في المرحلة التي أعقبت تأسيس الحزب في العام 1934. كما كان من بين أولئك الأصدقاء عبدالفتاح إبراهيم ومحمد حديد اللذان أصبحا فيما بعد من كبار الوجوه الوطنية والديمقراطية في العراق.

وانضم في وقت لاحق إلى الجماعة كامل الجادرجي، الذي سرعان ما تحول إلى الزعيم الأساسي للجماعة، لدى تشكيل «الحزب الوطني الديمقراطي»، الذي رأسه الجادرجي على مدى حياته. وكان من مفارقات حياة أبي التمن السياسية أنه دخل، أو أدخل، في مغامرات سياسية، كان من بينها انقلاب بكر صدقي العسكري في أواسط ثلاثينات القرن الماضي، وهو انقلاب لم يعش طويلاً.

كما شارك أبوالتمن في نشاطات سياسية، وفي تحالفات مع بعض السياسيين، بمن فيهم رؤساء حكومات، سرعان ما كان يخرج منها جميعها بخيبات، جعلته أكثر من مرة يعود إلى اعتزاله العمل السياسي.

وأحدثت وفاته في العام 1945 ضجة سياسية في العراق وخارج العراق، لما كانت تتميز به شخصيته وسيرته من تعبير حي عن الموقف الوطني الثابت والراسخ في الانتماء إلى وطنه العراق، وفي نضاله الثابت من أجل تحقيق الاستقلال الكامل لبلده، وتأمين كل شروط السيادة والحرية له والسيادة لشعبه.

كريم مروة