لطالما دعت إيران إلى نقل ملفها النووي من مجلس الأمن إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية المفترض أنها المعنية بملف كهذا.
الحجة الإيرانية التي ترى في احتكار مجلس الأمن لملفها النووي بعيداً عن الوكالة مخالفة للقانون الدولي تبدو مقبولة، فهذا الخلط بين مسؤوليات المجلس والوكالة سيؤدي في النهاية إلى تضييع هيبة الوكالة التي يقر مديرها العام محمد البرادعي بأن السلطة القانونية لها «محدودة جداً»، وأن «الأمور ليست كلها على ما يرام».
والبرادعي يعرف أكثر من غيره أن الوكالة مرتهنة وتستغل لتحقيق أهداف سياسية وأن يدها تبقى مغلولة تجاه ملفات عدة تثير القلق، بينما يطلب منها فوق ما تستطيع في ملفات أخرى.. وإذا توصلت إلى نتيجة غير ما هو مطلوب لا يعتد برأيها ولا بتقاريرها. وهنا لا يمكن أن نتجاهل قول البرادعي إن هناك «شرخا» بين ما يطلب من الوكالة و«السلطة القانونية والموارد المتوفرة».
هذا التحذير يبدو واضحاً للعيان ولا يحتاج أي جهد للتبيان، فها هو البروتوكول الإضافي الذي أقر في العام 1997 والذي يمنح مفتشيها سلطات إضافية للبحث عن أسلحة ونشاطات نووية غير معلنة لا يزال مرفوضاً من قبل 100 دولة، في حين تبدو الوكالة عاجزة عن التعامل مع الدول النووية الكبرى، ويبدو أن عصاها لا تطال إلا الدول الصغيرة.
ويبدو أن الكيل طفح بالبرادعي الذي لم يتبق أمامه في المنصب سوى عام فقرر أن يفصح بما يؤمن ويدعو إلى تعديل نظام الوكالة التي أكد على أنها في خطر.
ورغم أن الملف النووي الإيراني ومن قبله الملف الكوري الشمالي يظهر أن العالم موحد في طريقة التعامل معهما، إلا أن الخلافات التي تبرز في كل مراجعة لملف العقوبات على إيران لجهة تشديدها بين المعسكرين الغربي والشرقي تؤكد أن القرارات تخضع لمعايير سياسية مصلحية لا علاقة لها بمعايير قانونية.
والحقيقة التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان أن البلد الوحيد الذي استخدم القنبلة النووية في حرب ضد شعب آخر هو من يرفع العصا ضد أي اشتباه، مجرد اشتباه، في أن دولة ما تطور برنامجاً نووياً، لتتالى العقوبات والحصارات، بينما في المقابل تبقى منشآتها النووية، هي والدول الكبرى الأعضاء في النادي النووي، خارج أي رقابة للوكالة الذرية.
والأنكى من ذلك، أن أميركا توفر الدروع الصاروخية للمفاعل النووي الإسرائيلي في صحراء النقب، وهي تقف بالمرصاد لأي مطالبات، من الدول العربية أو غيرها، بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل لأن في ذلك قبولاً بنزعه أسلحة التدمير الإسرائيلية.
قيل الكثير عن سياسة المكيالين، ولكن المطلوب من القوى الكبرى في الوقت الذي تتزايد فيه محاولات الدول النامية امتلاك التقنية النووية أن تعطي الوكالة الدولية ما لها من صلاحيات وأن لا تجعلها بلا حول ولا قوة في بعض البقاع بينما تريد منها في بقاع أخرى، بحسب المزاج، ان تقوم بما يقوم به مجلس الأمن.. والخطوة الأولى مطلوبة، بالتأكيد، من كبار مجلس الأمن.
على جبهة أخرى بعيدة عن العنصر الأمني الذي ضغط على الحكم السوري خلال الأسبوع الماضي كانت الدبلوماسية السورية تخوض معركة ضارية في فيينا لتأمين التأييد للفوز بعضوية الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وهذه العضوية تعني للسوريين الكثير، فهم يخوضون هذه الأيام ومنذ سبتمبر 2007 معركة لتبرئة ساحتها من مزاعم أميركية إسرائيلية عن تأسيسها برنامجاً نووياً.. كما أنها تعني الكثير لحلفها الاستراتيجي مع إيران التي تخوض هي الأخرى معركة «نووية» تحاول نقلها إلى الوكالة الذرية بعيداً عن كواليس مجلس الأمن الدولي وهو ما يبرر الدعم الكبير الذي قدمته طهران للطلب السوري إلى حد الانسحاب من المنافسة على المقعد الآسيوي لصالح سوريا.
ولكن المسعى السوري لا يسير على ما يرام فهناك العقدة الأميركية التي تضغط لوقف الطموح السوري، والأسباب مختلفة:
فسوريا تتنافس على مقعد مجموعة دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجلس محافظي الوكالة مع أفغانستان حليفة الولايات المتحدة.
تقود الولايات المتحدة حملة قوية لإجبار الوكالة الذرية على إجراء تحقيقات بشأن وجود أنشطة نووية سورية سرية.
والكل يعرف أن الوكالة الذرية تحقق منذ شهر مايو الماضي في مزاعم للاستخبارات الأميركية، مدعمة بتقارير استخباراتية إسرائيلية، بأن سوريا أوشكت على بناء مفاعل نووي ينتج البولوتونيوم قبل أن تدمر إسرائيل الموقع منذ عام.
إجماع وسط اختلاف
ويتعين أن توافق مجموعة دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا على مرشح واحد بالإجماع كي يحصل على موافقة تلقائية في المؤتمر العام للوكالة الذي بدأ أعماله يوم الاثنين.
ويبدو، بحسب دبلوماسيين عرب، إن أفغانستان متمسكة بالترشيح بتشجيع أميركي رغم قلة التأييد في الوكالة، فيما يتزايد التأييد لسوريا ضمن المجموعة التي تهيمن عليها دول الجامعة العربية. ولكن هذا المشهد يتضارب مع ما ينقله دبلوماسي غربي كبير من أن المشاورات غير الرسمية التي كانت على أشدها طوال أربعة أيام تظهر أن 89 عضوا في المؤتمر العام (وهي أغلبية تشمل دول الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وأستراليا وبعض الدول الإفريقية والآسيوية والأميركية اللاتينية) سيعارضون شغل سوريا للمقعد.
وبحسب التسريبات الغربية فإن الدعم الذي تحظى به سوريا داخل مجموعة الشرق الأوسط وجنوب آسيا «ليس متينا كما هو باد»، مع توقعات بأن «تنقلب» بعض الدول في المجموعة على دمشق خلال الاقتراع السري المتوقع حدوثه خلال الساعات المقبلة بانتظار مساومات ربع الساعة الأخيرة.
ورغم هذا الضغط النفسي، تتمسك سوريا بترشيحها، وأكدت غير مرة أنها لا ترى سببا يدعوها للانسحاب من المنافسة لأن جميع أعضاء المجموعة يؤيدون انضمامها إلى عضوية الوكالة فيما عدا أفغانستان التي تنافسها.
«إنهم بمفردهم».. هكذا كان رأي السفير السوري لدى الوكالة محمد خطاب في تعليقه على موقف أفغانستان معتبراً ان «لأمر لم يحسم بعد» وأن لا أحد في المجموعة يدعم أفغانستان.
وهو موقف معاكس تراه أفغانستان التي أكدت على أن بمقدورها الاعتماد على دعم الأغلبية في المؤتمر العام. وقال سفيرها لدى الوكالة وحيد مناور إن بلاده «المرشح الأفضل لأنها ستمثل المصالح الإسلامية وستحسن التفاهم بين العالم الإسلامي والغرب ووجود أفغانستان في المجلس سيسهم في تقدم الديمقراطية فيها».
سوريا في مرمى النار
هذا الاستقطاب بين سوريا وأميركا لايمكن أن يقف عند حدود المقعد الشاغر في مجلس الوكالة الذرية:
فإذا فازت سوريا فأمامها توفير ما تستطيع من غطاء للمصالح الإيرانية، ولمصالحها أيضاً في ضوء الاستهداف الواضح لها منذ منتصف العام 2007.
وإذا خسرت فالعلاقة بينها وبين الوكالة ماضية لا محالة نحو مواجهة.وهذه المواجهة هي الترجمة المتوقعة لقول وزير الخارجية السوري وليد المعلم إن سوريا لن تسمح بزيارة أخرى للمفتشين.
وهو أيضاً ما عبرت عنه سوريا أمس أنها لن تواصل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان كان هذا التعاون على حساب أمنها القومي.
وهذه المرة فالأمور تختلف عما كان عليه الحال في العام 2006 عندما تمكنت سوريا من حشد التأييد والفوز بمقعد آسيا في الوكالة رغم المعارضة الأميركية، إذ أن «الشك النووي» لم يكن حينها موجوداً في المعادلة.
فالولايات المتحدة تقول إن سوريا كانت تبني منشأة نووية سرية في صحراء نائية في موقع الكبر إلى أن قصفته إسرائيل في سبتمبر 2007.. رغم أن تقريراً أولياً لوكالة الدولية للطاقة الذرية صدر قبل شهر نفى الادعاءات الإسرائيلية بأن الموقع السوري الذي تعرض للقصف منشأة نووية.
وقال دبلوماسيون في الوكالة أن المبنى كان قيد الإنشاء لذلك لا يمكن التحديد بأنه كان يستخدم لأغراض نووية. وكان الرأي أن العينات التي جمعت من موقع كبر السوري الذي تعرض للهجوم الإسرائيلي لا تعزز ادعاءات واشنطن بأن الحديث يدور عن منشأة نووية سرية تطورها دمشق بالتعاون مع كوريا الشمالية.
وأمام استبعاد وصول التحقيقات إلى نتائج تناقض ما خلص إليه التقرير الأولي، لايبدو في الأفق مجال لأن تحذو سوريا حذو الأنموذج الليبي لعوامل عدة، أولها عدم وجود مستمسكات مادية عن امتلاك سوريا، او حتى سعيها، لامتلاك برنامج نووي سلمي أو عسكري.. وإلى جانب ذلك فسوريا تمسك بالعديد من الأوراق السياسية التي لا تستطيع الإدارة الأميركية التغاضي عنها.
نضال حمدان
