نظر العالم إلى ما حدث في برلين يوم الثالث من أكتوبر قبل ثمانية عشر عاماً بكثيرٍ من الإعجاب وبشيءٍ من الرومانسية، وهم يرون جموع المواطنين الألمان يحتفلون بوحدتهم التي سلبت منهم جراء نزاع أيديولوجي لم يكن لهم فيه لا ناقة ولا جمل، أبعد الأخ عن أخيه إلى ما وراء سورٍ، لطالما جسد معاناة الهاربين من مجتمع المحظورات المسخر لجهود مواطنيه بغية بناء مجتمعٍ مثاليٍ منشود لم ولن يرى النور.

وبذل الشطر الغربي مجهوداتٍ جبارة لاستيعاب أخيه وتحمل أعباء جمة ترتبت على محاولات الدمج بدءاً من إنهاء مظاهر العسكرة في البنية المجتمعية لمدن الشرق، مروراً بتحويل اقتصادها من حالة التوجيه إلى كينونة السوق وليس انتهاء بصهر جيش العاطلين عن العمل في بوتقة الوحدة، برغم كل العقبات التي أوجدتها سني التفرقة الطوال حتى استغرق منهم الأمر قرابة الخمسة عشر عاماً لتعتلي في نهاية المطاف امرأة ترعرعت في الجزء الشرقي منصة حكم ألمانيا الموحدة. وفي النهاية، لم يستطع وصول المستشارة أنغيلا ميركل إلى سدة الحكم تخفيف مشاعر الغبن والتحفظ لدى العديد من سكان الشرق مما جرى في الماضي وآثاره عليهم في الحاضر. ويقيني أن رجل الشارع العربي البسيط وجد في وحدة أحفاد بسمارك آنذاك، حافزاً له وقد أحس بمشاعر الوحدة وقد عادت الحياة في أوصاله بعدما كانت رميماً.

ومع كل ما قيل ويقال عن الفروقات بين أبناء الوطن الألماني الواحد، وهي حقيقية، انه وبينما كان سكان برلين يتبادلون حجارة الجدار الفاصل كتذكارٍ على ماضٍ ولى إلى غير رجعة، كان العالم العربي يدخل بدوره حرب داحسٍ والغبراء فريدةٍ تمثلت في ثالثة أثافي احتلال العراق للكويت، لتشيد بذلك جدراناً وتهدم جسوراً بين أبناء الأمة الواحدة وتقسم نفسها إلى أجزاءٍ اصطفافية.

يقال ان التاريخ لا يرحم من يسمح له بأن يكرر نفسه، أو ذاك الذي لا يتعظ من تجارب الآخرين. ولقد كان مثال ألمانيا التي برعت في تدمير نفسها أيام الرايخ الثالث جلياً دون أن يحاول أياً منا قراءة عناوين الفشل الحتمي لسياسات العسكرتاريا والتوتاليتارية الانتحارية.

توحدت ألمانيا إذن فاسحةً الدرب للقارة الأوروبية في أن تلملم جراحها وتتعالى على آلام الماضي وتمد يدها إلى أعدائها السابقين في وارسو وبودابست وبوخارست معلنين سوقاً مشتركة واتحاداً أوروبياً تضامنياً وضع ألمانيا نفسها على قمته دون منازع مكافئاً إياها على حكمتها.

وبالأمس، وطأت قدما المستشارة الألمانية أرض مدينة سانت بطرسبرغ الروسية التي كانت تدعى في يومٍ من الأيام لينينغراد نسبةً إلى اسم مؤسس الاتحاد السوفيتي الذي قصم عاصمة الشعب الألماني إلى نصفين في ديناميكةٍ ذكية شهد لها الكثيرون ألقت بألمانيا في قلب المشهد السياسي الدولي كقوةٍ ضاربة يحسب لها الحساب.

فيما نواصل نحن إثخان حالة التشظي في جسد الشعب العربي بأمراض العصبية والتطرف بأشكاله كافة وليبقى أمر استنساخ ما حصل في مثل هذا اليوم في ألمانيا حلماً بعيد المنال لأمةٍ يجمع بينها ما يكفي لإيقاد شمعة الوحدة.

«السيد غورباتشوف: تعال إلى هنا وافتح هذه البوابة. حطم هذا الجدار». لم تكن تلك سوى كلمات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، التي قالها في 12 يونيو 1987 وهو يقف على عتبات بوابة براندنبرغ التاريخية فيما كان يعرف وقتها ببرلين الغربية.

من برلين، انطلقت الحرب الباردة. ومنها وأد الستار الحديدي الذي كانت الكتلة الشيوعية شيدته في نفوس وعقول شعوب دولها قبل أن تعلنه كإشارة البدء لحربٍ أممية مقدسة لمواجهة طواحين الرأسمالية في معركتها الدنكيشوتية الفاصلة.

في مثل هذا اليوم قبل ثمانية عشر عاماً، أبصرت جمهورية ألمانيا الاتحادية النور إثر زواجٍ تاريخي بين غرب ألمانيا وجارته الشرقية مؤذنةً بانطلاق عصرٍ أوروبي جديد غير مجرى التاريخ وقلب موازين الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، الذي دشن زعيمه ميخائيل غورباتشوف إصلاحات «البروسترويكا» و«الغلاسنوست»، التي دقت الإسفين الأول في نعش جدار برلين، وتبعته المجر التي فتحت في مايو العام 1989 الحدود أمام الآلاف من مواطني برلين الشرقية للهرب نحو القسم الغربي منها !!، وفتحت معها بذلك ثقباً واسعاً في عين الانقسام.

تداعي الجدار

مثل جدار برلين الذي بناه الاتحاد السوفيتي في 13 أغسطس العام 1961 شاطراً عاصمة الرايخ الثالث السابقة إلى نصفين، العقدة الأبرز في صراع الحرب الباردة التي ألهبت صفيح الكرة الأرضية الساخن والرمز الأمثل لانقسام القارة العجوز بين شرق شيوعي الهوى وغربٍ رأسمالي التوجه.

وانهار الجدار ليسرق معه أحلام الشيوعيين الطوباوية بعد أن تتالت هزائمهم ونكساتهم على الصعيدين السياسي والاقتصادي طيلة أكثر من أربعة عقود. أتى انهياره كنتيجةٍ حتمية لتآكل مصداقية فكرة التقسيم بين أبناء الوطن الواحد إثر المظاهرات العارمة التي عمت شوارع مدينة لايبزغ الشرقية تحت شعار «نحن الشعب» مطالبةً بإجراء إصلاحات على الطريقة الغورباتشوفية .

وهدم الجدار الفاصل بالرفيق أيريخ هونيكر زعيم ألمانيا الشرقية إلى تقديم استقالته في 18 أكتوبر 1989 على وقع الاحتجاجات وهو الذي كان يتهيأ للاحتفال بالذكرى الأربعين لقيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية كما كانت تسمى في أدبيات الحزب الشيوعي آنذاك والتي لطالما تندر معارضيها بأن لا شيء ديمقراطياً فيها سوى اسمها !!.

وفي 8 نوفمبر وقبل ليلةً من انهيار الجدار، قدم أعضاء المكتب السياسي للحزب استقالاتهم بشكل جماعي وقرروا رفع القيود على سفر الألمان الشرقيين إلى الغرب ما مهد الطرق أمام انحلال الحزب تدريجياً وتفتت الدولة بشكل تلقائي.

وكانت ليلة ال9 من نوفمبر 1989 التي تلاقت فيها أيدي سكان برلين الغربية مع أيدي أشقائهم وأقربائهم في الشطر الشرقي بعد فراق قسري استمر لأكثر من ربع قرنٍ وسارعوا يعملون معاولهم هدماً في ما تبقى من أيديولوجيا الجدار.

تبعات الانهيار

تقاطر الألمان الشرقيون في 18 مارس العام 1990 إلى صناديق الاقتراع ليصوتوا في غالبيةٍ ساحقة لصالح الحزب الناشئ «التحالف من أجل ألمانيا» الذي رفع شعار الوحدة مع برلين الغربية في أول وآخر انتخابات ديمقراطية في ألمانيا الديمقراطية !! انبثق عنها حكومة كان همها الأوحد هو كيف تحل نفسها ودولتها !!.

وفور تولي الحكومة الجديدة برئاسة لوثار دي مايزير مهامها شرعت في التفاوض مع جيرانهم بشأن تهيئة الأرضية الملائمة لتوحيد الألمانيتين. وكانت أولى الخطوات الملموسة توقيع اتفاقية في مايو من ذلك العام وحدت القوانين الاقتصادية والعملة النقدية وقوانين الضمان الاجتماعي واعتبر بموجبها النظام الاقتصادي لألمانيا الغربية نظاماً موحداً لكلا البلدين.

وفي 23 أغسطس، أقر برلمان ألمانيا الشرقية المسمى «فولكسكامر» اعتبار دستور ألمانيا الغربية دستوراً لها على أن يبدأ العمل به رسمياً في 3 أكتوبر 1990 وذلك قبل أن يعقد البلدان في 12 سبتمبر في العاصمة السوفيتية موسكو اتفاقيةً سميت ب«اتفاقية الاثنين والأربعة» بين الألمانيتين من جهة وبين ما عرف وقتها ب«القوى الأربعة المحتلة» أي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أعلنت ألمانيا الشرقية دولةً ذات سيادة وأزالت مظاهر التواجد العسكري للاتحاد السوفيتي وخففت من عديد جيش ألمانيا الغربية.

مهندس الوحدة

توقف التاريخ منتصف ليلة الثلاثاء 2 أكتوبر العام 1990 عند بوابات براندنبرغ في برلين التي أضحت موحدة واجتاحت الفرحة عشرات الآلاف من الألمان الذين احتفلوا بكيانهم الجديد في الشوارع بعدما انضمت خمس ولايات في الشرق لجاراتها الغربيات هي براندنبرغ، ساكسونيا، ساكسونيا أنهالت، ميكلينبرغ وثيرينغيا لتشكل ألمانيا الاتحادية.

وفي اليوم التالي عقد البرلمان الألماني الموحد «البوندستاغ» جلسته الأولى جامعاً تحت سقفه 613 نائباً لتجري بعدها بشهرين أول انتخابات حرة على كامل الأراضي الألمانية منذ عام 1933 التي حملت النازيين إلى السلطة آنذاك وليكتسح الحزب المسيحي الديمقراطي تلك الانتخابات.

حيث أعلن تنصيب مستشار ألمانيا الغربية هلموت كول مستشاراً لألمانيا الاتحادية مقتحماً التاريخ عبر بوابات براندنبرغ بلقب «مستشار الوحدة» بفضل سياساته المحنكة التي تمثلت في زيارته المشهودة إلى الاتحاد السوفيتي في فبراير 1990 لطلب تأييد موسكو للوحدة، فبقي في قلوب مواطنيه ومبنى المستشارية معاً 16 عاماً حتى خسارته الانتخابات العام 1998.

اعتبرها البعض ليلة طلاق ألمانيا الغربية من الهيمنة الأميركية المباشرة فيما اعتبرها آخرون تضخماً في مساحة السيطرة الأميركية على الأراضي الألمانية منذ تطبيق «خطة مارشال» الشهيرة في أربعينات القرن الماضي.

أعباء اقتصادية وفروق اجتماعية تقصم تقارب الألمان

شكل إعادة التوحيد عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الألماني الغربي، وأبطأ من عملية نموه بسبب تحمله الجزء الأكبر في محاولته إعادة إعمار البنى التحتية للمدن الشرقية.

وتأهيل اقتصادها الذي كان عاجزاً عن مجاراة أرانب المصانع الألمانية الغربية ما أدى إلى إفلاس العديد من المصانع وارتفاع معدلات البطالة في المدن الشرقية عنها في الغربية بنسب وصلت إلى الضعف أي 14 في المئة، فاستمرت الهجرة نحو جنة الرفاهية في ألمانيا الغربية رغم اختفاء مبررات الهروب ببزوغ فجر الوحدة ووفاة السور ظاهرياً على الأقل.

وعجز صانع الوحدة هيلموت كول عن الإيفاء بوعوده بتحقيق «معجزة اقتصادية» في الشرق كما فعلها أسلافه في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. ويقدر خبراء اقتصاديون فاتورة التوحيد بنحو 5,1 تريليون يورو التهمت خزينة ألمانيا الغربية فيما تتواصل جهود ردم هوة التطور بمبالغ وصلت في السنوات الأخيرة إلى 156 مليار يورو ستضخ في السنوات العشر المقبلة.

ويشير كثير من المراقبين الألمان إلى أن الشطر الشرقي بحاجة إلى ما لا يقل عن 25 سنة من التخطيط الاستراتيجي لكي يستطيع النهوض بمستويات معيشة قاطني مدنه التي تتدنى إلى حدٍ بعيد كلما أوغلنا شرقاً.

وكغيرهم من مواطني دول الأنظمة الاشتراكية، انتابت سكان مناطق الشرق مشاعر بعقدة نقصٍ اجتماعية من نظرائهم الغربيين المتمتعين بميزاتٍ اقتصادية وخدمية كثيرة مشوبة بنوع من الخوف من المستقبل المجهول في ظل مجتمع اقتصاد السوق في وقتٍ كانت فيه معظم احتياجاتهم من سكن وعمل وغذاء ملباة بالمجان في كنف نظام الأخ الأكبر الشيوعي.

وينظر معظمهم بحسرة على ماضيهم التليد وهم يرون قيمهم العليا تقع أسيرة المجتمع الاستهلاكي الذي بني على أنقاضها. فباتت العديد من الشركات السياحية تقدم خدماتٍ للزوار تبدأ من أخذ جولةٍ في سيارة «ترابي» التي كان على الألمان الشرقيون الانتظار لسنوات للحصول عليها، أو الإقامة في شقةٍ صغيرةٍ مبنيةٍ على الطراز البروليتاري لإحياء ذكريات الثمانينات أو التقاط صورة بجانب ضابطٍ ببزته المزركشة بنياشين النصر الشيوعي.

ويمكن القول على الوجهة الأخرى بأن الوحدة ساهمت في زيادة ثقل ألمانيا على الساحة السياسية الدولية وجعلت منها أقوى اقتصاد في الاتحاد الأوروبي وحررتها من الكثير من القيود التي فرضتها التزامات محاور حقبة الحرب الباردة.

وتجلى ذلك في معارضة برلين للحرب الأميركية في العراق قبل خمس سنوات وابتعادها عن منهج سياسات واشنطن تجاه إيران وترشحها لشغل مقعدٍ دائم في مجلس الأمن، فيما كانت برلين الغربية متخوفةً على الدوام من فقدان مساندة البيت الأبيض لها إن هي شقت عصا الطاعة عنه.

وتبقى في هذه الأثناء آثار الجدار راسخةً في نفوس سكان ما كان يعرف بألمانيا الشرقية منوهين في أكثريتهم إلى أن لا سبباً يدعوهم للاحتفال بيوم الثالث من أكتوبر كما تفيد الكثير من استطلاعات الرأي التي أجريت طيلة السنوات الماضية. في وقتٍ ما زالت فيه الهوة كبيرة في نظرة سكان الشطرين نحو بعضهما البعض.

حيث أشارت دراسة إحصائية أعدت مؤخراً إلى أن قرابة نصف الألمان الشرقيون لا يفكرون في اتخاذ أصدقاءٍ أو أزواجٍ لهم من المناطق الغربية السابقة. وليس من المستغرب والحال كذلك بأن يطالب ألماني من بين أربعة في الغرب وآخر من بين خمسة في الشرق بإلغاء حالة الوحدة والعودة إلى خطوط ما قبل الثالث من أكتوبر 1990.

ويتساءل الألمان الغربيون بدورهم: هل تحققت الوحدة الوطنية فعلاً، وهل يتجه النسيج الاجتماعي نحو الاندماج بحق مع الاستمرار في استخدام مصطلحات «غربيون» و«شرقيون» ؟. أم أن انهيار جدار برلين وإعلان الوحدة وسع الفروق وزاد في التناقضات أكثر فأكثر بين فكرين متضادين كانا وسيبقيان كخطين متوازيين... لا يلتقيان أبداً.

سيرة

برز المستشار الأسبق هلموت كول، 78 عاماً، كواحدٍ من أبرز السياسيين في ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

تولى منصب المستشارية في ألمانيا الغربية العام 1982 إثر إقصائه لخصمه الاشتراكي الديمقراطي هلموت شميت ليستمر في منصبه إلى ما بعد الوحدة قبل أن يبعده الاشتراكي غيرهارد شرودر قبل نحو عقدٍ. عرف عنه ولعه بالطبخ، ولعل هذا ما يفسر وزنه الزائد في وقتٍ وصفه فيه مؤيدوه بأنه «طباخ سياسي بامتياز».

طبعت حياته فضائح مختلفة كرفعه دعوى في المحاكم الألمانية هدفت إلى وضع يده على ملفه الشخصي المحفوظ في سجلات مخابرات ألمانيا الشرقية «ستازي» لم يعرف محتواه قط وتورطه في فضيحة تمويل حزبية غير شرعية عدا عن إعلانه لزواجه للمرة الثانية في مايو الماضي من امرأة تصغره ب35 عاماً.

رؤوف بكر