«إنها لحظة رائعة، سنشهد منذ الآن عصراً جديداً نخطو فيه نحو فهم أفضل لنشأة الكون وتطوره»، هذا ما قاله لين إيفانس مدير برنامج «سيرن» لحظة بدء الحدث البارز الذي انشدت إليه أنظار معظم من يهتم بالخطوات الكبيرة في مسيرة الإنسان نحو التعرف إلى أسرار الكون.

الحدث البارز يُعرف بمكانه وزمنه، المكان هو موقع مُصادم الهادرونات الكبير في مركز سيرن زخ تحت الأرض قرب مدينة جنيف السويسرية وعلى الحدود الفرنسية، والزمن هو العاشر من سبتمبر الجاري (2008). والحدث هو البدء بإحدى أهم التجارب للكشف عن البنية الأساسية التي تتكون منها المادة، حيث اجتازت حزمة من البروتونات الدورة الأولى من مسارها الدائري في الساعة العاشرة وثماني وعشرين دقيقة صباح العاشر من سبتمبر حسب التوقيت المحلي لمدينة جنيف.التجربة بكل اختصار هي رحلة قصيرة للبروتونات، إلا أنها خطوة جبارة يخطوها الإنسان في مجال الكشف عن أحد أبرز أسرار الكون. الفيزياء في تعاملها مع الواقع الموضوعي على مستوى الأجسام الكبيرة تحتاج إلى أبعاد أربعة لتحليل الحالة الفيزيائية لجسم معين، وهي الأبعاد الفضائية الثلاثة إضافة إلى البعد الزمني. أما في حالة العالم الصغير جداً، عالم الجسيمات الأساسية، فالموضوع مختلف احتاج فيه العلماء إلى إضافة أبعاد جديدة، فهل سيؤيد مختبر «سيرن» بعض ما ذهب إليه علماء الفيزياء أم سيفتح آفاقاً جديدة لهم لم يطرقوها من قبل؟

البروتونات في تعجيلها داخل هذا المعجل ستصبح سرعاتها مقاربة جداً إلى سرعة الضوء، وذلك لاستحالة وصول جسيم مادي إلى هذه السرعة لأنه يتعارض مع النظرية النسبية الخاصة التي وضعها ألبرت آينشتاين عام 1905، لأن حالة كهذه تتطلب تجهير البروتون بطاقة لا نهائية، وهذا أمر غير ممكن فالفيزياء لا تتحدث عن اللانهاية.

وقد أطلقت حزمة من البروتونات في اتجاه عقرب الساعات بنجاح، ثم أطلقت حزمة أخرى في الاتجاه المعاكس كمقدمة لإطلاق حزمتين في وقت واحد وفي اتجاهين متعاكسين. وحين وصولهما إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء سيتم تصادمهما، حيث ستنشأ حالة فيزيائية مشابهة لما حدث في الكون خلال الثانية الأولى من ميلاده.

ما هو «سيرن»؟

سيرن (Centre Européen de Recherche Nucléaire) هو احدى ثمرات الاستقرار السياسي واستتباب الأمن في القارة الأوروبية التي دمرتها حروب عديدة في النصف الأول من القرن العشرين، وهو أحد أبرز الأمثلة على التعاون المثمر بين الدول، بعيداً عن حساسيات الانتماءات العرقية والدينية، كما أنه مثال بارز على أهمية الدور الذي تلعبه العلوم في تقريب الأمم إلى بعضها.

سيرن CERN هو اللفظة المكونة من الأحرف الأولى باللغة الفرنسية للمركز الأوروبي للأبحاث النووية الذي يتخذ من جنيف مقراً له، حيث يوجد أهم مختبر للبحث في فيزياء الطاقة العالية أو فيزياء الجسيمات الأساسية، ويضم هذا المختبر مُصادم الهادرونات الكبير LHC. أعضاء هذا المركز يبلغ عددهم العشرين في الوقت الحاضر، أي معظم دول أوروبا، وقد حصلت كل من روسيا وتركيا والولايات المتحدة على وضع المراقب فيه.

وتبلغ ميزانية المركز السنوية مليار فرنك سويسري، ويعمل فيه زهاء 2400 شخص من ذوي الكفاءات العالية من دول متعددة، إضافة إلى وجود ما يقرب من 6000 عالم بصفة زائر من ثمانين بلداً.

الغرض من إنشاء هذا المركز هو تبادل المعلومات والخبرات بين العلماء العاملين في حقل فيزياء الطاقة العالية. ولعل الطريف في هذا المجال أن استراتيجية تبادل المعلومات في «سيرن» هي التي قادت إلى تأسيس الإنترنت على اعتبار أنها الوسيلة الأسرع والأمثل للتواصل اللحظي بين العلماء عبر المسافات البعيدة.

فقد كان Tim Berners-Lee أحد الباحثين البريطانيين العاملين في هذا المركز هو أول من وضع بروتوكولات التواصل المستخدمة في الإنترنت عام 1989 حين كتب على لوحة كبيرة داخل المركز www.

مُصادم الهادرونات الكبير

مُصادم الهادرونات الكبير هو في الحقيقة أداة للاكتشاف قبل أي شيء آخر، فهذا الجهاز لديه القدرة على اكتشاف حقائق غير معروفة عن البنية الأساسية للمادة لأنه قادر على خلق أجواء مشابهة لما كان عليه الكون في الأجزاء الصغيرة جداً جداً من الثانية الأولى من عمره، مما قد يوفر معلومات جديدة قد نجد فيها معولاً لهدم بعض قناعاتنا وأداة لبناء قناعات جديدة عن نشأة الكون وتطوره.

وقد تم اتخاذ القرار بإنشاء هذا المُصادم في عام 1995، حيث أسهم في إنشائه علماء ومهندسون بلغ عددهم الآلاف من دول متعددة في العالم، وقد بلغت كلفة الإنشاء ما يقارب خمسة مليارات دولار أميركي، ساهم فيها الأعضاء العشرون في المركز وأسهم بعض الأعضاء المراقبين في دعم المشروع بمبالغ كبيرة.

مُصادم الهادرونات الكبير قادر على تعجيل جسيمات إلى طاقات تزيد مرات عديدة على طاقة الجسيمات التي يولدها أي جهاز آخر في العالم، وبكثافة تزيد على ثلاثين ضعفاً لما تولده الأجهزة الأخرى. وقد أنشئ النفق الدائري الذي يضم المصادم تحت الأرض في منطقة جبلية بعمق يتراوح بين 50 متراً و175 مترا، في الفترة الواقعة بين عامي 1983- 1988. أما المباني الواقعة على سطح الأرض فتضم الإدارة ومكاتب الباحثين والوحدات الفنية التي تشمل مختلف المعدات التي تولد الطاقة الكهربائية والضغط والتهوية اللازمة والسيطرة الإلكترونية وأجهزة التبريد.

ويبلغ عرض النفق الدائري الذي يضم المُصادم 8,3 مترات، وهو محاط بطبقة كونكريتية واقية، وتعمل الصخور التي تحيطه على منع تسرب الإشعاعات التي تنتج أثناء التجربة إلى الخارج.

ويتم تعجيل الجسيمات في مسار دائري يبلغ طوله 27 كيلومتراً، والتكنولوجيا المستخدمة في بنائه هي آخر ما توصلت إليه العلوم الحديثة من دقة، مما يجعل هذا الجهاز نموذجاً قائماً بذاته.

تصل سرعة البروتونات لحظة التصادم 999999 ,99% من سرعة الضوء، حيث تقوم وهي بهذه السرعة بالدوران 11000 مرة في الثانية الواحدة. أما الطاقة فتبلغ 7 تيرا إلكترون فولت، وهي طاقة لم يسبق الحصول عليها في أي مختبر في العالم، وعند اصطدامها بالجسيمات القادمة من الاتجاه المعاكس والتي تمتلك نفس الطاقة، تصبح الحالة كما لو أن جسيماً طاقته 14 تيرا إلكترون فولت اصطدم بحاجز ساكن.

وعند الرجوع إلى نظرية الانفجار العظيم، وهي أبرز النظريات في العلوم الكونية، نجد أن الجسيمات التي نتجت عن الانفجار كانت لديها هذه الطاقة حين كان عمر الكون لا يزيد على (30- 10) من الثانية (جزء واحد من مليون من مليون من مليون من مليون من مليون)، وحين كانت درجة الحرارة (1025) درجة سيليزية (عشرة ملايين ملايين ملايين ملايين).

ويُشغِل مُصادم الهادرونات الكبير موقع جهاز آخر ضخم عرف باسم مُصادم الإلكترونات والبوزترونات الكبير Large Electron - Positron Collider (LEP)، والذي استخدم في الفترة الواقعة بين عامي 1989 - 2000. وقد كان لذلك المُصادم الفضل في اكتشاف عدد من الجسيمات التي تنبأ بها كل من عبد السلام وواينبرغر وكلاشو في سعيهم لتوحيد القوى النووية الضعيفة مع القوى الكهربائية المغناطيسية، والتي حصلوا في ضوئها على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979.

د. محمد عاكف جمال