يختتم المؤلف كتابه بما يمكن اعتباره جردة تفصيلية لفترة حكم الرئيس بوش وما سيتركه للوافد الجديد إلى البيت الأبيض أيا كان سواء باراك اوباما أو جون ماكين. وفي هذا الخصوص ومن واقع لقاءاته المتعددة مع الرئيس الأميركي يذكر المؤلف أن بوش لم يكن صريحا بما فيه الكفاية بشأن التكاليف والوقت والتحديات التي تفرضها حرب العراق، مؤكدا أن الولايات المتحدة أصابتها أضرار في المنطقة ولكن القاعدة أصابتها أضرار أفدح.
ويقرر أن الرئيس في لقاءاته الأخيرة معه بدا وكأنه بات مدركا لضآلة ما كان يمكن أن ينجزه من تغيير في الأشهر الثمانية المتبقية من ولايته الأخيرة. ويضيف المؤلف في مجال استعراض المستقبل: سيخطو هذا الرئيس على عتبة المكتب البيضاوي يوم 20 يناير 2009 ليجد أمامه خارطة طريق شديدة الوعورة في مقدمتها وجود أكبر جيش بري لأميركا مرابط خارج حدودها وفي منطقة الشرق الأوسط الحافلة بشتى الاحتمالات، مضيفا أنه لدى استعراضه التركة التي ورثها فإنه لن يكون سعيدا بحال إزاء ما خلفه سابقوه. في الفصل الختامي من كتابه.. يسجل المؤلف، بوب ودوارد رأي الجنرال بترايوس الذي ظل قائدا ميدانيا لقوات التحالف في العراق حتى منتصف سبتمبر 2008.
وبعدها تولى المسئولية الجنرال رايموند أوديرنغ يقول بترايوس: أي نجاحات تتحقق في العراق تتسم بأنها هشة وقابلة للتراجع. ويعلق المؤلف قائلا: إن محصلة حرب العراق. وهي الآن تجتاز عامها السادس ما زالت أمرا محفوفا بالشكوك. هل انخفض العنف حقا؟ مع هذا يعرض ودوارد إلى ما يراه إيجابيات تحققت في الميدان العراقي ويضرب لذلك مثلا من واقع انخفاض حوادث تفجير السيارات من 130 حادثة في مارس عام 2007 إلى 30 حادثة في مايو 2008 وإن كان يضيف متحفظا أن العدد ما زال كبيرا.. ويلاحظ أيضا - ص 426- أن مستوى العنف انخفض وخاصة من جانب جيش المهدي.
وأن إيران، في نظر الاستخبارات الأميركية بدت وكأنها عنصر غير مقبول في ساحة العراق حيث تدل استطلاعات للرأي على أن نسبة تتراوح بين 65 و 70 في المئة من العراقيين تنظر إلى إيران في إطار سلبي. يحيل المؤلف في هذا السياق إلى ديريك هارفي خبير الاستخبارات العسكرية الأميركية الذي يرى أن ثمة جوا من الإرهاق يسود أرجاء العراق وأن أعدادا متزايدة من مواطنيه استبد بها التعب والإجهاد بعد خمس سنوات من الحرب.
لكن المؤلف يعترف أيضا مع رجل الاستخبارات المذكور بأن مشاعر معاداة أميركا ما زالت متقدة.. والشكوك التي تراود الناس إزاء نواياها ومخططاتها ما زالت على حالها.. حتى برغم ما لوحظ من انخفاض كبير في تأييد تنظيم القاعدة وفي هذا السياق أيضا يضيف الخبير الاستخبارات الأميركي قائلا: إن الولايات المتحدة أصابتها أضرار في المنطقة ولكن القاعدة أصابتها أضرار أفدح.
ومن ثم يتصور أن بالإمكان أن يتحول منشقو العراق إلى حالة أقرب إلى وضع الجيش الجمهوري الأيرلندي بمعنى القدرة على تدبير تفجيرات في المدن ولكن مع العجز عن أن يصيبوا بالشلل الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية.
يعرض المؤلف لهذه الآراء والتصورات في ضوء ما هو متوقع من تغييرات يمكن أن تكون جذرية أو واسعة النطاق بعد الانتخابات المقرر أن يشهدها العراق في نهاية عام 2008. مع هذا كله يحذر المؤلف من أن يشهد الوضع أحداثا خطيرة تقع على غير انتظار ومنها مثلا حوادث اغتيال يقع ضحيتها مسؤولون عراقيون كبار أو يتعرض لها الأميركيون بأعداد كثيفة سواء في القواعد الأميركية أو حتى في المنطقة الخضراء نفسها.
هنا يتصور الخبير الأميركي أنه ما زال يتعين إنجاز مهمة بالغة الخطر والخطورة وهي مهمة إعادة بناء المجتمعات المحلية في العراق وهزيمة العناصر المعادية معترفا في هذا السياق بأنها مهمة جسيمة وأبعد ما تكون عن الإنجاز أو الاكتمال..فالحياة في بلاد الرافدين ما زالت بعيدة بدورها عن أن تكون اعتيادية أو طبيعية.
ويوضح المؤلف أيضا أن أهم دائرتين في الحكومة العراقية وهما وزارتا الداخلية والدفاع تضمان 2500 من المستشارين الأميركان «الذين يمسكون في أيديهم مقاليد الأمور» وحين يتطلع الخبير المذكور إلى الساحة الدولية الأوسع والأبعد.
يشير إلى أطراف عالمية مثل الهند والصين وروسيا وإلى شركاء الولايات المتحدة في أوروبا يقصد الاتحاد الأوروبي قائلا: إنهم يبلعون ريقهم ارتياحا إزاء ما بدا وكأنه إجهاد أميركا وتصاعد التزاماتها في العراق.. وهذه الأقطار تبدو متلهفة نحو استغلال الفرص في الشرق الأوسط الغني بالبترول.. بل تتطلع إلى المزيد من أضعاف أميركا في العالم.
ينقلنا المؤلف مع الصفحات الأخيرة إلى ما نشرته الواشنطن بوست يوم 14 يونيه عام 2008 على صدر صفحتها الأولى حيث قالت: الزعماء العراقيون الكبار يتسببون في نكسات للولايات المتحدة. وجاء في التفاصيل أن رئيس الوزراء العراقي أعلن يومها أن المفاوضات بين الطرفين قد وصلت إلى طريق مسدود.. وأن مقتدى الصدر يعمل على تشكيل وحدة شبة عسكرية لمهاجمة القوات الأميركية.
ويعلق ديريك هارفي على هذه الأنباء قائلا: حتى ولو انتهى الأمر في العراق على ما يرام فلن تؤدي هذه النتيجة إلى إنقاذ تاريخ الرئيس بوش.. وهنا يضيف المؤلف من جانبه: على مدار السنوات من عام 2003 إلى عام 2006 لم يكن الرئيس بوش صريحا بشأن التكاليف والوقت والتحديات التي واجهت أميركا في حرب العراق وفيما كان ينتقل أكثر من مرة بين واشنطون وبغداد كان يثير تساؤلات من قبيل: ترى ماذا كان يراه الرئيس في الواقع؟ ولماذا استغرق الأمر طويلا حتى يفهم ما كان يدور؟
الصفحات العشر الأخيرة من هذا الكتاب الحافل تحمل في سطورها تأملات من جانب المؤلف وكأنما كان يبوح لقارئه بخواطره أو هواجسه وخاصة وأن هذا الكتاب يشكل الحلقة الأخيرة في الرباعية التي نذر لها نفسه لكي يكتبها عن رئاسة جورج بوش من هواجس المؤلف مثلا السؤال المركب التالي: هل أحسن جورج بوش اختيار القرار السليم؟ وهل جاءت خياراته في الوقت المناسب؟ وهل كانت إدارة بوش مجالا لمحاسبة المسؤولين عما قرروه أو نفذوه؟
هذه التساؤلات - طرحها في الكتاب الذي سبق أن أصدره عام 2002 بعنوان «بوش في حالة الحرب» ودارت معظم مقولات هذا الكتاب حول ملابسات الأشهر التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. يومها أوضح ودوارد أنه أجرى مقابلته الصحافية الأولى مع الرئيس الأميركي يوم 20 ديسمبر عام 2001: كان بوش في الخامسة والخمسين.
منطلقا بقوة اندفاع وما أسرع ما أمر بصور فوتوغرافية لزعماء تنظيم القاعدة وطرحها أمام ضيفه الصحافي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض وعمد إلى كل صورة يضع على سطحها علامة (*) كبيرة دليلا على مصير القتل أو الأسر لصاحبها..
هنا يعلق مؤلفنا قائلا: كانت لديه أهداف عظمى مؤداها كما قال إننا سوف نستأصل شأفة الإرهاب في كل مكان.. أما في الداخل فإن مهمة الرئيس هي أن يوحّد صفوف الأمة. يرصد المؤلف أيضا كيف تحدث الرئيس بوش عن نوازعه الغريزية وكرر عشرات المرات الحديث عن إجراءاته العفوية المدفوعة بالغريزة.
ثم يقول المؤلف: بعد صدور الكتاب جاءت كتابات المعلقين والمحللين فرسمت للرئيس بوش صورة قائد قوي ملهم.. لكن كتابي أوضح من ناحية أخرى أنه لا يريد الانخراط في حوار كامل مفتوح بحيث يتدارس المشاكل المحتملة وينظر في أمر الخيارات البديلة... إن نوازعه الغريزية تكاد تمثل ديانته الثانية.
الخطورة أيضا أن الرئيس بوش أوضح بجلاء أنه لا يهتم كثيرا بالدبلوماسية.. لدرجة أن وصفه الناس بأنه انفرادي النزعة بمعنى التصرف من جانب واحد. وفي رباعية المؤلف.. كتاب آخر بعنوان «خطة الهجوم» لاحظ فيه بوب ودوارد أن الاجتماعات التي كان يعقدها الرئيس بوش مع وزير دفاعه رامسفيلد ومع رئيس أركان القوات المسلحة قبيل حرب العراق كانت تجيب على سؤال محوري واحد هو: كيف نخوض الحرب؟
ولم يحدث أن ناقشوا مسألة ما إذا كنا نخوض الحرب أصلا أو لا نخوضها..ومرة أخرى يضيف المؤلف قائلا: لم يراودني الشك يوما في إخلاص الرئيس بوش لقناعاته بيد أن القناعات وحدها لا تكفي.. فقرار خوض الحرب قرار هائل فما بالك بقرار خوضها منفردين.. إنه هول مضاعف وينطوي من ثم على قدر فادح من المسئولية.
ويبين أنه عرض هذه الأوضاع في كتابه الثالث من الرباعية إياها بعنوان «حالة إنكار» الصادر في سبتمبر عام 2006 وجاء سطره الأخير في العبارات التالية: لم يبلغ الرئيس الجمهور الأميركي بالحقيقة التي آلت إليها الأمور في العراق. بل يضيف المؤلف أن المسألة كانت أخطر من مجرد الإنكار بكثير.
إن البحوث والاستعدادات التي اتخذها المؤلف لتأليف كتابنا اقتضت بداهة عقد أكثر من لقاء مع الرئيس بوش اجتمع إليه مؤلفنا في مكتبه بالبيت الأبيض وفي مزرعته في كراوفورد ـ تكساس.. بلغ الرئيس الحادي والستين وبدت معالم الإرهاق على وجهه إلى جانب تغييرات الزمن.
ورمادية الشعر وخطوط التجاعيد. بل تعدت التغيرات إلى استخدام التعابير والألفاظ.. كان دائما يتحدث عن «النصر في العراق.. استعاض عنها بحديث عن «النجاح» معبرا عن تراجع دقيق وحثيث ولكنه واضح ومفهوم، خاصة وأن أميركا تضع على أرض العراق حشدا من جنودها وصل عددهم في أوائل صيف عام 2008 إلى 140 ألف جندي.
يقول المؤلف: في آخر لقاءاتنا ساد جو من الرضوخ أو الاستسلام للمقادير وكأن الرئيس بات مدركا لضآلة ما كان يمكن أن ينجزه من تغيير في الأشهر الثمانية المتبقية من ولايته الأخيرة.. كان يطمح ـ كما سبق وأن قال إلى توحيد الأمة ولكنه لم يوحدها بل أضاف إلى انقساماتها بل كان بوش ذاته أكثر شخصية تجسد هذا الانقسام. وها هو يعترف بأنه فشل في تغيير النغمة السائدة في واشنطون ولم يتوصل إلى أي انتصار في الحربين اللتين خاضهما «أفغانستان والعراق».
بعد هذا كله يتطلع مؤلف الكتاب إلى المستقبل.. إلى الرئاسة المقبلة وشيكا للولايات المتحدة وفي حديث مع الإذاعة القومية الأميركية «صباح الاثنين 15 سبتمبر» قال بوب وودوارد إن الرئيس الأميركي المرتقب ـ ديمقراطيا كان أم جمهوريا ـ سوف يجد أمامه «خارطة طريق شديدة الوعورة» في مقدمتها وجود أكبر جيش بري لأميركا مرابط خارج حدودها وفي منطقة الشرق الأوسط الحافلة بشتى الاحتمالات.
وعلى الصفحة الأخيرة يستعرض المؤلف شبكة المشاكل المعقدة التي سيواجهها رئيس أميركا الجديد ثم يضيف في آخر السطور قائلا: سيخطو هذا الرئيس على عتبة المكتب البيضاوي يوم 20 يناير 2009.. يستعرض التركة التي ورثها وأتصور أنه لن يكون سعيدا بحال إزاء ما خلفه سابقوه.
المؤلف في سطور
بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت.
وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا. اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار» .
الصفحات: 488
الكتاب: الحرب الداخلية ..تاريخ سري للبيت الابيض
تأليف: بوب وودوارد عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: سيمون اند شوستر


