من مسلمات الوضع الفلسطيني الصعب والمعقد أن الفلسطينيين اعتبروا لعقود العلم سلاحاً مع غياب السلاح الحقيقي، واختلال موازين القوى العسكرية. ولكن الإسرائيليين الباحثين عن نزع كل أسلحة القيامة، والمقاومة، الفلسطينية باتوا الآن، بعدما كبلوا الفلسطينيين في اتفاقية أوسلو وأدخلوهم في متاهة المفاوضات وفرضوا عليهم حصاراً يتحكم في الغذاء والدواء والوقود وربما الهواء، يركزون على حرب الأدمغة والحصار التعليمي.
والأرقام التي تنشرها الهيئات والشهادات التي ترد من الداخل الفلسطيني تعطي صورة سوداء لمستقبل هذا الشعب الذي كان مضرب المثل في التحصيل والعلم والثقافة، فأن تكون الأمية بين 7 و10 في المئة أمر خطير ويجب التنبه له، إن على مستوى السلطة الوطنية الفلسطينية أو جامعة الدول العربية أو الهيئات والمنظمات التي تضطلع بمهمة نشر المعرفة في العالم.
فما تضمره سلطات الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين، صغاراً وكباراً، بات مفضوحاً.. فالبداية كانت في فتح سوق العمل لهم في الداخل المحتل في العام 1948 وبأجور عالية بات معها استكمال التعليم الجامعي مضيعة للوقت وضرباً من الجنون والعبث وقلة الحيلة فعامل البناء (الطوبرجي) يكسب يومية تضاهي ما يتقاضاه مهندس أو طبيب في دول الاغتراب والشتات.
وهناك فرض حظر التجول الذي كان يتتالى خلال عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ليزداد توحشاً مع مطلع الألفية الجديدة حيث استعرت موجة الحصار لتصل إلى الذروة في العام 2006 حيث بات فتح المدارس أبوابها وانتظام الدراسة فيها لشهر مدعاة للتسجيل في موسوعة غينيس، والمصيبة أن حقل التعليم بات ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
أما الكبار فممنوع الخروج لخريجي الثانوية العامة. والمشهد الكارثي لا يقتصر على الفلسطينيين في الداخل، ففي الخارج الوضع أسوأ بدرجات، فهناك فعلاً حصار على تعليم الفلسطينيين.. ولا حاجة لضرب الأمثلة.
هل هناك تورط عربي في سياسة التجهيل التي تستهدف الفلسطينيين؟ ربما، وربما هناك تحامل في هذا الرأي يحمل الأمور أكثر من أحجامها. ولكن ما يواجهه الفلسطينيون في الأماكن التي يستقرون فيها يؤكد أن هناك هاجس خوف، حتى من العرب، من مضي الفلسطينيين قدماً في امتلاك هذا السلاح.
صحيح أن التعليم في ظل ارتفاع الأسعار وطغيان العقيدة الرأسمالية التي ارتهنته وحوّلته سلعة لا يقدر على امتلاكها إلا من امتلك الثروة بات صعب المنال على ملايين الأشخاص في شرق الكون وغربه، ولكن الأمر للفلسطينيين شيء آخر.. فالمسألة قضية.
نضال حمدان : nidal@albayan.ae