يكشف لنا المؤلف في الفصول التالية من كتابه الذي نعرض له ملامح من شعور الأميركيين على مستويات مختلفة بحجم المأزق الذي يواجهونه في العراق، على نحو تركز معه الجهد الرئيسي في كيفية الخروج منه بأدنى قدر من الخسائر.
وفي هذا الصدد يعرض لنا جانبا من لقاء عقده بوش مع السفير الأميركي وقائد القوات الأميركية عبر الفيديو كونفرانس وهو اللقاء الذي أكد على صعوبة الأوضاع على الأرض ما دعا بوش إلى التأكيد على ضرورة العمل على تهيئة الظروف لإنجاح جهود المالكي للإمساك بزمام الأمور الأمر الذي كان لرايس رؤية مختلفة بشأنه على نحو ما نتابع في السطور المقبلة. من الغريب حسب سياق الكتاب، أنه رغم هذه الصورة بالغة القتامة أن الرئيس بوش كان يركز على سرعة تحقيق النصر في العراق الأمر الذي بدأ بمثابة حلم للكثيرين من الأميركيين وهو ما يظهر واضحا في رد فعل مجموعات من الموفدين تحت شعار الإعمار إلى العراق وكذا بعض الدبلوماسيين.
41 فصلاً يضمها هذا الكتاب بخلاف الخاتمة. الفصل السابع والعشرون بالذات ينقل القارئ مباشرة إلى الوضع الداخلي في أرض العراق. يبدأ المؤلف سطور الفصل بالإشارة إلى اجتماع عن طريق الفيديو (الذي تتولى الاستخبارات تأمينه) تم في 14 ديسمبر 2006 ويضم الاجتماع طرفين من العراق هما زلماي خليل زاده السفير الأميركي في بغداد والجنرال كيسي وكان يتولى منصب قائد القوات الأميركية الميداني في العراق. قال الجنرال والسفير أنهما يتوقعان أن يطلب المالكي، رئيس وزراء العراق، زيادة القوات الأميركية العاملة في العراق وخاصة من عناصر القوات الخاصة. ومن واشنطن جاء صوت الرئيس بوش في مجلس الأمن القومي يسأل عبر اجتماع الفيديو: أليس من بنود الاتفاق أن يتحرك المالكي لمطاردة مقتدى الصدر. الأمر يقتضي منه ذلك بل أن يعلنه للآخرين.
رد المسؤولان من بغداد: لا يا سيادة الرئيس المالكي يقول انه يتحرك لمطاردة الميليشيات والخارجين على القانون.. (ومعنى هذا) أنه لن يخص الصدر وحده بالمطاردة فما بالك والصدر له وزراء في التشكيلة الوزارية وكان مشاركا في حوار مع المالكي شخصياً. يعلق مؤلف الكتاب قائلاً (ص 270): كان الصدر وجيش المهدي التابع له في غاية القوة، لكن المالكي كان سيطارد الجيش المذكور تحت شعار أنه يطارد الميليشيات. وهذا من شأنه أيضاً أن يتيح لأميركا نفسها أن تلاحق جيش المهدي والميليشيات على السواء.
عاود الرئيس بوش أسئلته: كيف سيختلف هذا الوضع عما نحن فيه الآن؟
أجاب الجنرال كيسي: الفرق هو أن ننفِّذ خطة عمليات في إطار جدول زمني محدد ومن جانبه سيعلن المالكي في يوم 18 ديسمبر تاريخا محددا إذا لم تلتزم فيه الميليشيات بعدم حمل السلاح وإيقاف ممارسة العنف ضد المدنيين وقبول خطة نزع الأسلحة وتسريح المقاتلين، فحينئذ تنفذ عملية مشتركة في يناير نعكف من الآن على التخطيط لها.
وتمضي وقائع الاجتماع المشترك بين مجلس الأمن القومي في واشنطن وبين السفير والقائد العسكري الأميركي في بغداد.. ويلاحظ بالطبع أن المؤلف يحيل في سرد وقائع الاجتماع إلى نص محاضر مثل هذه الاجتماعات الرئاسية المسجلة صوتا وصورة ويحفظها أرشيف الدولة الرسمية كوثائق تسجل الوقائع والمواقف المختلفة.. ولهذا فهو يلجأ إلى علامات التنصيص التي تدل على أنه ينقل حرفيا ما تفوه به هذا المسؤول أو ذاك الجنرال خلال سير الاجتماع.
يعود المؤلف في نفس السياق ليسجل سؤال الرئيس بوش: ماذا لو أحجم جيش المهدي عن شنّ القتال؟
ماذا لو اتبعوا نموذج حزب الله (اللبناني) في إعلان معارضة الحكومة. نحن لا نريد أن تتولى قواتنا مهام مكافحة الشغب «بمعنى مهام الشرطة» تلك مهمة العراقيين.. وماذا أيضاً لو عمدوا إلى التواري أصلا عن الأنظار.. ساعتها تعلن قائمة مطلوبين (للعدالة) ولكن كيف يتيسر لك أن تحارب جماعات غير نظامية متواجدة هنا وهناك؟
من بغداد رد الجنرال كيسي قائلا: سوف نستعيد سيطرة العراقيين على مدينة الصدر وسوف يتضح بجلاء أمر الذين يخالفون القانون.. (بمعنى) أنك حين ترى قوما يحملون السلاح تقبض عليهم. هنا قال مستشار الأمن القومي هادلي ان الأمر سيكون محك اختبار كبير لرئيس الوزراء المالكي وخاصة إذا ما نفذ إلى أعماق مدينة الصدر وهي المعقل الأساسي لجيش المهدي.
قال الرئيس بوش: حسنا، لو دخلنا مدينة الصدر. فمن الذي سيدخلها من صفوفنا؟ وكيف؟ وهل لدينا ما يكفي من القوات لهذه العملية؟ إننا لن ندخلها لنبقى فيها. فمن سيبقى فيها.. نحن؟ أم العراقيون؟
عند هذا المنعطف من العرض يوضح المؤلف أن الرئيس بوش ظل في حال من التركيز إلى حد التثبيت كما نتصور على حكاية مدينة الصدر من أحياء بغداد.. لهذا ظل يطرح تساؤلاته على التوالي: من سيرابط بعد أن ندخل المدينة. هل هي القوات العراقية؟ أم الشرطة.. أم الجيش؟
كانت الإجابة أن الذي سيرابط في المدينة خليط من القوات الشرطة العراقية الوطنية والمحلية. بعدها ظل الرئيس يركز على أهمية النجاح وأهمية الإنجاز بنسبة مئة في المئة.. وضرورة أن تتخذ الاستعدادات من أجل إنجاز له طابع دراماتيكي غاية في الإثارة.
كان الرئيس على نحو ما يوضح سير هذا الاجتماع مؤيدا كل التأييد لنوري المالكي.. لكن وزيرة خارجيته كوندوليزا لم تكن من هذا الرأي ولهذا بادرت تقول:
- المسألة هنا لا تقتصر على نوري المالكي. وعلينا أن نتذكر أن القضية لا تتعلق برجل واحد بل علينا أن نخاطب منظومة الاعتدال «في العراق» بأكملها قائلين إذا لم تكونوا على استعداد لملاحقة المتطرفين، فلسوف نترككم بينما يحارب بعضكم بعضا ونمضي نحن إلى ملاحقة القاعدة وتأمين الحدود. من هنا إذا كنتم على استعداد للعمل ساعدناكم.. وإذا تقاعستم فلسوف نمضي لنحمي مصالحنا.
ما هي إذن هذه المصالح الأميركية؟
أجابت رايس على سبيل التعريف أنها تشمل الحيلولة بين العراق وبين أن تتداعى أركانه إلى أجزاء متناثرة، وهي أيضاً مواصلة حرب أميركا ضد القاعدة. هنا أيضاً يضم محضر الاجتماع عبارات لواحد من المجتمعين تلفت النظر إلى ما اطلعوا عليه من تقارير حساسة للاستخبارات وهي توضح أن قوات الأمن العراقية لم تكن على مستوى المهمة التي تؤهلها للاضطلاع بمسؤولية وقف العنف الطائفي.
من ناحيته علق الرئيس بوش موضحا أن المالكي كثيرا ما شكا - ومعه الحق - من مستوى المعدات التي أتيحت للجيش العراقي وفي هذا قال المالكي للأميركان: أنتم تتعاملون مع المدرعات والدبابات ونحن لا نتعامل سوى مع الشاحنات الصغيرة - ونحن نواجه أشرارا مزودين بقاذفات صاروخية بينما لا يملك جيشنا سوى مدافع كلاشنكوف.
بعدها تساءل الرئيس بوش معلقا: وإذن فكيف لجيش أن يبعث الخوف في النفوس بينما يتشابه مع الميليشيات التي يتصدى لقتالها؟ وعليه، فلا بد أن نبلغ المالكي أننا سنعطي لجيشه معدات كثيرة. وقال ديك تشيني: المداخلة الوحيدة التي أوردها كتابنا - من واقع محضر هذا الاجتماع للسيد تشيني قال فيها نائب الرئيس الأميركي ما يلي (ص 274): نحن بحاجة إلى ردع كل من إيران وسورية.. وهذا أمر مهم لا بالنسبة للعراق وحده ولكن بالنسبة للمنطقة وللبنان أيضا.
في كل حال ظل الهاجس الذي يلح دوما على خاطر الرئيس بوش هو تحقيق شيء إيجابي.. بمعنى تحقيق فوز أو انتصار في العراق. عبر الرئيس عن هذا المعنى بالذات في لقاء صباحي جمعه في وزارة الخارجية مع مجموعات من المدنيين الموفدين تحت شعار الإعمار إلى العراق. قال الرئيس بوش: أريد أن أعرف كيف نفوز؟ سرت همهمة بين الدبلوماسيين الحاضرين بينما قال واحد منهم: يا إلهي.. عم يتحدث؟ وكأنما كان يتكلم بلسانهم جميعا حيث تساءلوا: إلى هذا الحد كان الرئيس بعيد الصلة عما يجري في أرض الواقع؟
كان الرئيس بوش يخطط لإلقاء خطاب إلى الأمة حول استراتيجية جديدة في العراق. تعمد تأجيل هذا الخطاب إلى أن يتم إبعاد رامسفيلد وزير الدفاع وتسمية وزير دفاع جديد هو روبرت جيتس. وكان ذلك يوم 18 ديسمبر عام 2006.
في هذه الأيام الباردة من أواخر ديسمبر.. وبينما كان عيد الكريسماس يقترب كانت واشنطن تستعد لتصعيد الموقف في العراق بإضافة المزيد من القوات وإنفاق المزيد من الأموال وإتاحة المزيد من الأسلحة، ارتقابا لإذاعة المزيد من أخبار تعكس روحا إيجابية وقد تجدد أو تستعيد ثقة الرأي العام في حسن تقدير الإدارة الحاكمة لعواقب الأمور.
في 15 ديسمبر تمت المحادثة عبر الدائرة التليفزيونية المؤمَّنة.. طلب الرئيس بوش من رئيس الوزراء العراقي أن يوافق على زيادة حجم القوات الأميركية العاملة في العراق. قال بوش مخاطبا المالكي:
- انظر إلى قواتنا المتحالفة على أنها قوات تستطيع مساعدتك على إنجاز المشاق ريثما يكتمل لقواتك استعدادها. استخدم قواتنا لإشاعة الهدوء في بغداد. ذكر المالكي (ص 291) أنه سوف يخاطب مؤتمرا للمصالحة الوطنية في اليوم التالي وسوف يعلن موافقته على رؤوس الأشهاد.
ومن عجب - يلاحظ مؤلف الكتاب (نفس الصفحة) أنه عندما وصلت في اليوم التالي ترجمة نص خطاب المالكي إلى المؤتمر المذكور لم يرد في الخطاب أي ذكر للموافقة. لهذا استشاط الرئيس بوش غضبا.
وجاءت تقارير الاستخبارات لتفيد بأن المالكي كان قد فقد الثقة في قوات الولايات المتحدة - فهي لم تستطع حل مشكلة العنف.. وفي هذا كان المالكي يقول: ما حاجتي إذن إلى المزيد من قوات عديمة الكفاءة.. وهي التي سوف تسبب لي مزيدا من المشكلات؟
وعندما جاء يوم 19 ديسمبر كان وزير الدفاع الجديد جيتس يداوم لأول مرة في مكتبه.. وكان في مقدمة الإجراءات التي اتخذها استدعاء الجنرال ديفيد بتراوس لمقابلته في مكتبه الجديد.. كان الوزير قد قرر السفر إلى العراق في مساء اليوم نفسه.. ودار بين الوزير والجنرال الحوار:
- مرحبا يا جنرال.. أنا ذاهب إلى العراق.. فماذا يجب أن أشاهده هناك؟
- هل الاستراتيجية (الجديدة فعالة؟
وكان يقصد أن يعاين الوزير على أرض الواقع مدى ما حققته استراتيجية التصعيد.. في بغداد اجتمع الوزير المستجد إلى الجنرال كيسي الذي أمضى 30 شهرا قائدا للقوات الأميركية بالعراق - شهدت كما رأينا في حلقات سابقة خلافات شديدة بينه وبين القائد الأعلى - الرئيس جورج بوش.. كانت واشنطن قد قررت إزاحة كيسي من الصورة من خلال تكريمه وتعيينه في منصب رئيس الأركان. فهم كيسي مغزى البادرة.. وشكر «هذه الثقة الغالية» التي أعفته من موقعه بالعراق.
سأله الوزير جيتس: ترى من يخلفك في المنصب؟
- بترايوس.. وإذا كان هناك فرد قادر على أن ينظر إلى الأمور بشكل مختلف فهو بترايوس. أخيرا يقول مؤلف الكتاب: في أول مؤتمر صحافي يعقده وزير الدفاع الجديد في ساحة مفتوحة بالعراق.. دارت في خلفية المكان معركة بطلقات الرصاص.. هتف الوزير في سخرية ممرورة «اللعنة.. هذا مسلّ للغاية. كان يدرك أن الولايات المتحدة تواجه مأزقا خطيرا في أرض العراق.
إضاءة
يورد المؤلف نصا تسجيليا لمضمون لقاء دار بين بوش ومسؤوليه في العراق يشير من خلاله إلى التقييم الحقيقي للموقف الأمر الذي بدأ الرئيس الأميركي رافضا الإقرار به. وفي ذلك قال الجنرال كيسي والسفير زاده أنهما يتوقعان أن يطلب المالكي، رئيس وزراء العراق، زيادة القوات الأميركية العاملة في العراق وخاصة من عناصر القوات الخاصة.
ومن واشنطن جاء صوت الرئيس بوش في مجلس الأمن القومي يسأل عبر اجتماع الفيديو:أليس من بنود الاتفاق أن يتحرك المالكي لمطاردة مقتدى الصدر. الأمر يقتضي منه ذلك بل أن يعلنه للآخرين. رد المسؤولان من بغداد: لا يا سيادة الرئيس المالكي يقول انه يتحرك لمطاردة الميليشيات والخارجين على القانون.. (ومعنى هذا) أنه لن يخص الصدر وحده بالمطاردة فما بالك والصدر له وزراء في التشكيلة الوزارية وكان مشاركا في حوار مع المالكي شخصيا.
يعلق مؤلف الكتاب قائلا (ص 270): كان الصدر وجيش المهدي التابع له في غاية القوة، لكن المالكي كان سيطارد الجيش المذكور تحت شعار أنه يطارد الميليشيات. وهذا من شأنه أيضاً أن يتيح لأميركا نفسها أن تلاحق جيش المهدي والميليشيات على السواء.
الصفحات: 488
الكتاب: الحرب الداخلية ..تاريخ سري للبيت الابيض
تأليف: بوب وودوارد عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: سيمون اند شوستر



