لا يزال صدى الحرب الروسية الجورجية يتردد في الأجواء، ولا يزال المحللون يحاولون تحديد الطرف الرابح في تلك الحرب والجهات التي كانت متورطة فيها. ولا شك أن اللاعبين الرئيسيين في جورجيا، بخلاف الجورجيين أنفسهم، هما الروس والأميركيون. وعلى هامش هؤلاء هناك الأوروبيون الذين تكفلوا بتقديم النصيحة ومساعي وقف إطلاق النار بين الطرفين المتنازعين. أما اللاعب الذي مارس دوراً خطيراً لم تتضح تفاصيله في الأيام الأولى من الحرب، فهو إسرائيل.

لقد بات من المعروف أن مستشارين إسرائيليين كانوا موجودين في جورجيا إلى جانب المستشارين الأميركيين، وكان هناك رجال أعمال إسرائيليين يمارسون نشاطهم في هذا البلد القوقازي الصغير. لكن المثير للاهتمام حقاً هو القرار الذي أعلنه الإسرائيليون بوقف مبيعات السلاح إلى جورجيا قبل أسبوع من قيام الأخيرة بمهاجمة أوسيتيا الجنوبية. من الواضح أن إسرائيل كانت على علم بما سيحدث ولم تكن تريد أن تكون جزءاً منه. وبخلاف ما فعل الأميركيون بعد الحرب، بذل الإسرائيليون كل ما في وسعهم لاسترضاء الروس، بما في ذلك الإعلان عن نية رئيس الوزراء إيهود أولمرت السفر إلى موسكو لتقديم تطمينات إلى الروس حول الدور الإسرائيلي في جورجيا. وبصرف النظر عما كان يقوم به الإسرائيليون في جورجيا، فإنهم ما كانوا يريدون مواجهة مع روسيا.

من الصعب تفسير المنطق الإسرائيلي بالتواجد في جورجيا خارج سياق المراجعة الواعية والدقيقة للاستراتيجية الإسرائيلية بوجه عام. وعندها يمكننا أن نبدأ بفهم السبب الذي جعل الإسرائيليين يتورطون في قضايا بعيدة عن اهتمامهم التقليدي وفي مكان بعيد عن حدودهم والسبب الذي جعلهم يردون بهذه الطريقة التي تمت في جورجيا.وهنا من الضروري تقسيم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية إلى أربع نقاط منفصلة ولكنها مترابطة وهي : 1- الفلسطينيون الذين يعيشون داخل حدود 1967. - ما يسمى بـ «دول المواجهة» التي تحد إسرائيل وهي لبنان وسوريا والأردن ومصر. - العالم الإسلامي خارج هذه المنطقة.4- القوى العظمى القادرة على التأثير في هذه المناطق الثلاث الأولى.

الجانب الفلسطيني

الأمر المهم فهمه فيما يتعلق بالمصلحة الإسرائيلية الأولى، وهي القضية الفلسطينية، هو أن الفلسطينيين لا يشكلون، في المدى القريب على الأقل، تهديداً استراتيجياً لإسرائيل. فقدرتهم على إلحاق خسائر بشرية بالمجتمع الإسرائيلي تشكل عامل إزعاج للإسرائيليين، ولكنهم لا يستطيعون أن يهددوا وجود إسرائيل كدولة.

صحيح أن الفلسطينيين بمقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي يستطيعون أن يؤثروا على الروح المعنوية للإسرائيليين، وبالتالي حمل إسرائيل على تقديم تنازلات، ولكن ذلك التأثير لا يشكل تهديداً لوجود الكيان الإسرائيلي. ولهذا السبب نجد إسرائيل مترددة في تقديم أي تنازلات كبيرة للجانب الفلسطيني في مفاوضات السلام.

ومما يزيد من تعقيد الوضع الفلسطيني حالة الانقسام العميق التي يعيشها الفلسطينيون بين سلطة حماس في غزة وسلطة فتح في الضفة الغربية. وهذا الوضع يخدم إسرائيل، لأنه يوجد اقتتالاً داخلياً بين الفلسطينيين ويضعف من خطرهم على إسرائيل. ولكنه في الوقت نفسه يقلل فرص التوصل إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

فإسرائيل تماطل في الإقرار بالحقوق الفلسطينية أو في تقديم تنازلات حقيقية لأنها تعتبر أنه لا يوجد شريك فلسطيني يستطيع أن يتكلم باسم الفلسطينيين جميعاً. ولأن السلام في نظرها هو ضمان أمنها من أي اعتداء أو تنغيص لعيش اليهود على أرض فلسطين، فإن أي تسوية سلام مع الفلسطينيين في الوقت الحاضر لن تضمن لها الأمن والسلام اللذين تنشدهما.

دول المواجهة

المصلحة الاستراتيجية الثانية لإسرائيل تكمن فيما يعرف بـ «دول المواجهة». وإسرائيل هنا لديها معاهدات سلام رسمية مع مصر والأردن. أما فيما يتعلق بسوريا، فقد كانت هناك بعض التفاهمات الإسرائيلية غير المباشرة مع دمشق فيما يخص الوضع في لبنان في وقت من الأوقات، ولكن العلاقة الرسمية هي علاقة عداء، حيث لا تزال إسرائيل تحتل الجولان السوري منذ العام 1967.

والبلد الرابع لبنان لا يستطيع أن يقيم علاقات مع إسرائيل نظراً للانقسامات الطائفية داخله وللتأثير السوري عليه. ولا يستطيع السوريون أن يذهبوا للحرب مع إسرائيل لوحدهم، وكما كان يقول العرب سابقاً، فإنه لا حرب بدون مصر ولا سلام من دون سوريا.

وبالتالي، فإن ما تستطيع دمشق فعله في الوقت الراهن هو الحديث عن سلام عادل يعيد لها الجولان وفي الوقت نفسه العمل على مقارعة إسرائيل من خلال أطراف ثالثة كما هو الحال مع حزب الله اللبناني وقوى المقاومة الفلسطينية. والخطر الذي تمثله سوريا لإسرائيل هو من خلال هذه القوى المقاومة أو من خلال امتلاك سوريا لأسلحة تشكل تهديداً لإسرائيل كالأسلحة الكيميائية والنووية.

العالم الإسلامي

تعتبر علاقة إسرائيل بدول العالم الإسلامي مريحة لها بشكل عام، فهي تقيم علاقات وثيقة واستراتيجية مع تركيا وبدرجة أقل مع المغرب. وإن حقيقة العلاقة الوثيقة لإسرائيل مع تركيا ومصر، عملاقا المنطقة، توفر لتل أبيب أسس الأمن الإقليمي. ولا ننسى طبعاً علاقاتها الممتازة غير المعلنة مع دول في المنطقة العربية والإسلامية.

تتمتع إسرائيل بوضع جيد للغاية على الصعيد الدولي، فلها الكثير من الدول الحليفة التي تمدها بالسلاح والمعونات وعلى رأسها الولايات المتحدة، فهذه الدولة الأقوى في العالم تقدم منذ عام 1967 دعماً متواصلاً لإسرائيل سواء الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

ولكن هذه العلاقة التي تربط الدولتين تراجعت أهميتها في السنوات الأخيرة بالنسبة للإسرائيليين. فعلى مر السنين ظلت المعونة السنوية الأميركية المقدمة لإسرائيل ثابتة بصورة نسبية عند 5. 2 مليار دولار ولم تتم زيادتها تصاعدياً لتواكب الارتفاع في التضخم، وبالتالي تقلصت نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي من 20% في 1974 إلى ما دون 2% اليوم.

وهكذا تراجع الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة وأصبح هامشياً. وإسرائيل متمسكة اليوم بالمعونة الأميركية لا لأسباب اقتصادية وإنما من أجل الإبقاء على فكرة الاعتماد الإسرائيلي على أميركا ومسؤولية الولايات المتحدة عن أمن إسرائيل. وبعبارة أخرى، فإن هذه المعونة تخدم أهدافاً نفسية وسياسية أكثر مما تخدم أهدافاً اقتصادية أو أمنية.

خلال الحرب الباردة، عمل السوفييت على تطبيق استراتيجية ترمي إلى تقويض المصالح الأميركية في المنطقة. وفي سياق ذلك، عمل السوفييت على دعم دول وجماعات من شأنها تهديد إسرائيل بصورة مباشرة. ولن يكون هناك تهديد عسكري تقليدي كبير لإسرائيل على حدودها في غياب مصر المستعدة للحرب مع إسرائيل نفسياً وعسكرياً.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لم يكن هناك قوة مستعدة للتدخل في الشرق الأوسط كما فعل الاتحاد السوفييتي. فالصينيون ليست لديهم مصلحة بمقارعة الأميركيين في الشرق الأوسط الذي يستحوذ على نسبة مماثلة من استهلاك النفط الصيني والأميركي.

وسيكون من الأرخص على الصين أن تشتري النفط من الشرق الأوسط على أن تتورط في صراع جيوسياسي مع الولايات المتحدة، الشريك التجاري الأكبر لها. وأوروبا بالطبع عاجزة عن أن تفعل ذلك كدول متفرقة والاتحاد الأوروبي ككل هو أسطورة من الناحية الجيوسياسية. وبالتالي، فإن الدولة الوحيدة التي يمكنها تهديد توازن القوى في المحيط الجيوسياسي الإسرائيلي هي روسيا.

وتتخوف إسرائيل من أنه إذا انخرطت روسيا في صراع مع الولايات المتحدة، فإن موسكو ستقدم الدعم للأنظمة المعادية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بدءاً بسوريا وإيران. بل إن ما يخيفها أكثر هو سيناريو تغير نظام الحكم في مصر ومحاولة الروس استغلال الوضع بتسليح النظام الجديد ودعمه. فمصدر الخوف الرئيسي لإسرائيل لا يتمثل في إيران كما يعتقد البعض وإنما في مصر معادية لإسرائيل ومدعومة بقوة عظمى تعيد تسليحها.

إن الروس لا يسعون وراء إسرائيل، رغم الدور الذي لعبته في جورجيا، لأنها أمر ثانوي بالنسبة لهم. ولكن في سياق البحث عن طرق لتهديد مصالح أميركا في الشرق الأوسط لحملها على الخروج من مناطق النفوذ الروسي التقليدية في القوقاز، فإن الروس بمقدورهم أن يقوضوا ما يبدو في الوقت الراهن وضعاً آمناً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

خطران

في ضوء تحليل الوقائع على الأرض، نجد أن إسرائيل لا تواجه تهديدات جدية إلا من مسألتين. الأولى حيازة أسلحة نووية من قبل دولة لا يمكن ردعها، بمعنى أنها مستعدة للانتحار من أجل تدمير إسرائيل. وقد يرى البعض أن هذه الأوصاف تنطبق على إيران.

ولكن بالنظر إلى حقيقة أن الإيرانيين ما زالوا بعيدين عن امتلاك تقنية نووية وأن لغة الخطابات الرنانة ينبغي أن لا تؤخذ على محمل الجد في الشرق الأوسط، فإن التهديد الإيراني ليس من النوع الذي يتعين على إسرائيل التعامل معه في الوقت الحاضر.

أما التهديد الآخر فيكمن في بروز قوة عظمى مستعدة للتدخل سراً أو علناً في المنطقة من أجل حماية مصالحها، فتعيد خلط معادلة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. والدولة المرشحة للعب ذلك الدور هي روسيا لأنها تملك من القوة ما يؤهلها لقلب الموازين في المنطقة.

حقائق

بخلاف ما تداولته وسائل الإعلام من أن الهدف الإسرائيلي من الوجود في جورجيا كان التجسس على إيران والحصول على قواعد جوية لضرب أهداف نووية إيرانية، فإن حقيقة الوضع غير ذلك. والسبب هو أن إسرائيل كانت ستحتاج إلى ألوف الجنود في جورجيا من أجل القيام بإدارة العملية كلها، كما أن تنفيذ مخطط كالذي تناقلته وسائل الإعلام يقتضي موافقة تركيا على السماح باستخدام أجوائها لضرب إيران، وهو أمر من المستبعد أن توافق عليه أنقرة.

ولو كانت تلك هي الخطة لكان من المنطقي لإسرائيل أن تعمل على إقناع الجورجيين بعدم مهاجمة أوسيتيا الجنوبية.الحقيقة هي أن الإسرائيليين كانوا في جورجيا، بالموازاة مع الولايات المتحدة، في محاولة لمنع عودة ظهور روسيا كقوة عظمى. وتفاصيل تلك المحاولة تتضمن دعم دول من الجمهوريات السوفييتية السابقة المعادية لروسيا وكذلك دعم الأشخاص في روسيا الذين يعارضون توجه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين.