كشفت الحرب الجورجية الروسية الأخيرة التي تفجرت عقب الهجوم الجورجي على أوسيتيا الجنوبية عن الدور الذي لعبته إسرائيل في هذه المنطقة الحساسة من العالم وبالذات في جورجيا، حيث قامت بتدريب الجيش الجورجي قبل إرسال وحدات منه إلى القتال في العراق إلى جانب القوات الأميركية وإمداد القوات العسكرية الجورجية بالأسلحة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة مثل طائرات التجسس بلا طيار التي اسقط الروس بعضها فوق أراضي أوسيتيا، هذا بالإضافة إلى أعمال التجسس التي قامت بها على البلدان المجاورة لجورجيا كروسيا وغيرها.
إن هذا الأمر ليس بجديد على إسرائيل. فهذه الدولة منذ تأسيسها كياناً غاصباً على أرض فلسطين وهي تقوم بأدوار قذرة خدمة لمصالحها ومصالح راعيتها الولايات المتحدة الأميركية. فقد استغلت انهيار المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا في مطلع تسعينيات القرن الماضي والمصاعب التي رافقت هذا الانهيار في استقدام عشرات الألوف من اليهود أولا.
وفي تعزيز النفوذ الصهيوني في المؤسسات الحكومية الجديدة لهذه الدول وخاصة الاقتصادية والإعلامية ثانياً، كذلك فعلت مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بعد تفككه، وخاصة روسيا وعملت على استجلاب أكثر من مليون ونصف المليون يهودي. وهناك أمثلة كثيرة على تدخلات إسرائيلية في أماكن عدة من العالم بهدف بيع الأسلحة لأنظمة قمعية أو محاولة تفجير الصراعات والأزمات لصالحها ولضرب خصومها.
اللافت في الأمر هو أن إسرائيل تبرع في قتل القتيل والسير في جنازته، فهي من درب القوات الجورجية على تنفيذ الهجوم على أوسيتيا الجنوبية وساعد الجورجيين بالسلاح والمشورة، ولكنها عندما ارتأت أن المسألة أصبحت جدية بدخول روسيا الحرب، سارعت إلى نفي أي صلة لها بالهجوم الجورجي وإلى تطمين القيادة الروسية بأنه لا داع للخوف من إسرائيل، وبالتالي ليس هناك من مبرر لبيع أسلحة إلى سوريا أو إيران أو حزب الله أو أي جهة أخرى معادية لإسرائيل.
قد يؤدي التغيير السريع في الموقف الإسرائيلي في جورجيا إلى حدوث حساسية لدى الولايات المتحدة، ولكن العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية لم تعد كما كانت في السابق، ومن المتوقع أن تشهد تغيراً كبيراً في السنوات المقبلة لأن المواطن الأميركي بات يشعر بثقل العبء الإسرائيلي الملقى على كاهل بلاده.
وحتى إسرائيل نفسها تستشعر مثل ذاك التغيير، حيث يعتبر البعض من المراقبين الإسرائيليين أن التغيير، الذي كثر الحديث عنه في أميركا وبات شعاراً انتخابياً للحزب الديمقراطي بل وحتى الحزب الجمهوري، ليس المقصود منه سوى تغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل.
وقد يكتسب هذا الرأي مزيداً من المصداقية في ظل تراجع المكانة الأميركية في العالم وما يراه البعض ميلاً مستقبلياً في واشنطن إلى الابتعاد عن أسباب الفشل الأميركي، والتي تعتبر العلاقات مع إسرائيل أحدها.
والمهم في الأمر هو أن الروس باتوا واعين تماماً للدور الذي تمارسه إسرائيل في مناطق نفوذهم السابقة وهم اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى لتلقين إسرائيل وبالطبع من يقف وراءها درساً لن ينسوه أبداً. وعلينا نحن العرب أن نستغل هذا الظرف لصالح قضايانا وأمتنا بشكل يخدم أهدافنا في هذا العالم الذي تتصارع أقطابه على السيادة.
ضرار عمير