في هذه الحلقة من كتاب بوب وودوارد الذي أثار ضجة كبرى في الولايات المتحدة على خلفية كشفه العديد من الأسرار بشأن تعامل إدارة بوش مع الأوضاع في العراق نتابع مع المؤلف جهود مجموعة دراسة أوضاع العراق.

ونظرا لأهمية ما توصلت إليه اللجنة جراء اللقاءات التي عقدتها مع فعاليات سياسية داخلية وخارجية مختلفة الأمر الذي انعكس في توصياتها نعرض هنا لجانب من تفاصيل هذه اللقاءات خاصة ذلك الذي أجرته مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. ويبدو واضحا من خلال مواقف كلينتون التحفظات الكبيرة التي يبديها على سياسات إدارة الرئيس بوش وما أسفرت عنه من خلل إلى حد ذهب معه إلى التأكيد على أن حرب العراق تؤدي لإضعاف صورة أميركا في عيون العالم. س مع تأكيده في الوقت ذاته على ضرورة خوض حوار مباشر مع سوريا وإيران دون شروط مسبقة باعتبارهما مفتاحين أساسيين للتعاطي مع الأوضاع هناك وهو الأمر الذي انعكس بشكل كبير وملموس في توصيات المجموعة. كما يسلط المؤلف الضوء على دور الشخصية المستجدة على مسرح الأحداث الراهنة وهو مستشار الأمن القومي الحالي ستيفن هادلي الذي سلم إليه بوش مقاليد الحرب حسب رواية المؤلف.

وقائع اللقاء المهم بين : على مدار صفحات عديدة من هذا الكتاب يحرص المؤلف على تكرار الإشارة إلى أهمية التعاطي مع دمشق في إطار محاولات الإدارة الأميركية - وحلفائها في أوروبا تناول أبعاد الموقف المعقد في أرض العراق بشكل خاص وفي قضايا الشرق الأوسط الجوهرية على نحو أشمل. يتجلى هذا الجانب بالذات من خلال العرض المسهب لنشاط مجموعة دراسة العراق التي ضمت شخصيات مرموقة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي كما ترأسها - على نحو ما ألمحنا سابقا - قيادة سياسية جمهورية جيمس بيكر وقيادة سياسية ديمقراطية لي هاملتون.

في يوم 14 نوفمبر 2006 أجرت المجموعة لقاء خاصا عبر دائرة تلفزيونية مؤَّمنة مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير. يقول مؤلف كتابنا: من واشنطن سأل بيكر رئيس الوزراء البريطاني في لندن عما إذا كان يحبذ عقد مؤتمر دولي كبير آخر على غرار مؤتمر مدريد في عام 1991 الذي كان جيمس بيكر شخصيا هو مهندسه الأساسي خلال ولاية الرئيس بوش - الأب على أن يخصص المؤتمر الثاني المقترح - مثل سابقه - لبحث قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها القضايا الإسرائيلية - الفلسطينية. من لندن رد توني بلير قائلا: سيكون هذا أمرا عظيما.. وبقدر ما يسارع الناس إلى فهم تصميمنا على المضي قدما في هذا المجال بقدر ما يكون الأمر مفيدا.. نحن بحاجة إلى تعبير واضح وعميق عما يدفعنا من عزم وتصميم.

المقابلة الأهم في هذا السياق تمت بعد ظهر نفس اليوم 14 نوفمبر.. في الموعد المحدد تماما - جاء بيل كلينتون.. وفي اعطافه - كما يشير المؤلف (ص 225) هالة الكاريزما وعمق التأثير.. كانت مجموعة العراق قد فرغت لتوها من الحوار مع كبار مساعدي كلينتون في إدارته السابقة للشؤون الخارجية: الوزيرين وارين كريستوفر.. مادلين أولبرايت وريتشارد هولبروك مندوب أميركا لدى الأمم المتحدة. دعاهم الرئيس السابق إلى البقاء مشاركين في أطراف الحوار المرتقب فكان في ذلك تراكم في التجارب والخبرات. استهل بيل كلينتون (ص 226) الحوار قائلا: لا توجد خيارات طيبة. فإذا كنتم تريدون تغيير المسار يظل أمامكم ثلاثة مسارات للعمل.. فقد تعتمدون وجود 100 ألف جندي وقد تقررون البقاء حيث تدمى جراحاتكم حتى الموت أو أن تعيدوا توزيع القوات (لتعود إلى الوطن). فماذا عساكم فاعلون؟

رد المجتمعون قائلين: لا سيطرة لنا الآن على الموقف.. وسوف تقل سيطرتنا أكثر إذا ما خفضنا حجم القوات.. فالقوم لا يتعبون من أن يقتل بعضهم بعضا. هنالك حثهم الرئيس كلينتون على ألا يخفوا أي آثار سلبية جانبية يمكن أن تنجم عن تلك الخيارات المفروضة مؤكدا قوله ان ليس هناك حل سهل، ومضيفا ما يلي: الموقف لن يجد حلا على المدى القريب في العراق.

بعدها استرسل بيل كلينتون (ص 226) في حديث مسهب حول أفغانستان قائلا: إذا لم تتصرفوا بحزم في العراق.. فستزداد فرص ضياع أفغانستان فتصبح نتائجها كارثية على أميركا بأكثر من الأوضاع في العراق.. إن طالبان تشق مسارات جديدة.

وحليفنا في باكستان جزء من المشكلة، ولذلك فالأمر يستلزم المزيد من القوات في أفغانستان.. ولسنا نستطيع معالجة أمر أفغانستان بغير أن نغادر العراق. بعدها عمد كلينتون إلى تذكيرهم بأن الأمم المتحدة ودول العالم دعمت أميركا في أفغانستان.. ولكن لا يصدق الأمر نفسه على ما فعلته أميركا في العراق.

كان الأمر عبارة عن أداء يليق تماما بالرئيس كلينتون بمعنى أنه كان ينتقل من موضوع لموضوع وخلال الحديث التقط الرئيس السابق سيجارا غير مشتعل وظل يديره بين أصابعه حين شرع في الحديث عن الدبلوماسية. اقترح كلينتون استهلال محادثات مع إيران دون شروط مسبقة وقال: نحن يلزمنا مستشار موثوق وبعدها نبدأ الحوار مع إيران، فأنت إذا حاربت طرفا ما في يوم ما.. فالأكيد أن يتوجب عليك أن يفتح معه حوار بعد ذلك.

بعدها تحول كلينتون إلى عملية السلام بين العرب وإسرائيل فقال: بوش لم يطلب من (رئيس الوزراء الإسرائيلي) أولمرت أن يفعل أي شيء.. وهذا خطأ. وفي السنوات الأربع الأولى من هذه الإدارة مات من الإسرائيليين ومن الفلسطينيين ثلاثة أضعاف من ماتوا خلال سنوات إدارتي.. ومهما قلبنا في الأمر.. فكلما قل عدد القتلى، تخف نزعة العداء ضد أميركا.

يواصل المؤلف عرض هذا اللقاء قائلا إن الرئيس كلينتون أكد بقوة على أهمية إشراك السوريين في عملية السلام قائلا: اذهبوا إلى السوريين واسألوهم: هل تتصورون أن علاقتكم الراهنة مع العراق سوف تفيدكم؟ ثم علق كلينتون مؤكدا أن الحرب في العراق تؤدي إلى إضعاف أميركا في عيون العالم مضيفا القول ان السياسة الخارجية التي تتبعها كل من إيران وكوريا الشمالية ترمي إلى تعويق مسيرة أميركا «ما دمنا مشدودين نحن بروابط الوضع في العراق».

سؤال إلى كلينتون: ما السبيل إلى إقناع الرئيس بوش بأن يمضي على نهج مغاير وجديد؟

رد من الرئيس السابق: الرئيس بوش يؤمن إيمانا عميقا بأن العراق كان الخيار الواجب والصحيح وهو لن يتخلى عن هذه القناعة وما يتوجب عليكم أن تقولوه للرئيس بوش هو: أن التاريخ قد يبرر القرار الذي صدر بغزو العراق.. وقد يتقاتلون لسنة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو سبع سنوات - لكنهم سيرهقون في نهاية المطاف ويتوصلون إلى تسوية للأمور.

ثم تحول الرئيس كلينتون إلى موضوع آخر موضحا أنه عاد لتوه من فيتنام وقال: تأملوا ما أصبح عليه حال ذلك البلد الآن.. انظر إلى اقتصاده بعد أن أصبحت فيتنام أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل الحرب.. ولسوف تمضي من الآن 30 سنة وقد يذهب بعدها رئيس أميركي إلى العراق ليجد مكانا أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. إن على بوش أن يفكر ضمن هذا الإطار.

يعاود مؤلف الكتاب تعليقه فيقول: أبدى الرئيس كلينتون تعاطفا واضحا تجاه بوش مدافعا عن مدى إخلاص الرئيس الذي خَلفَه في البيت الأبيض وقال: سواء كان على خطأ أو صواب فإن بوش لا يتخذ قراراته بناء على اعتبارات السياسة. إنه يؤمن بتلك القرارات. «وقد نلاحظ من جانبنا عنصر الدهاء السياسي في مثل هذه العبارات التي تجعل رئيس الدولة يصدر قرارات مصيرية بمعزل عن تدارس الاعتبارات السياسية».

في كل حال يمضي كتابنا ليوضح ما يلي: إن كلينتون يحبذ انسحابا للقوات (الأميركية) من العراق ولكنه يعارض تحديد مواعيد زمنية نهائية قائلا: أنت تخسر نفوذك إذا ما تحددت لك مواعيد. ومن ثم يفضل الرئيس الأميركي السابق أن يُسحب الأفراد دون إنذار مسبق بل يفضل أكثر المبادرة فورا إلى سحب القوات وإرسالها إلى أفغانستان.

ثم يعرض لحرب أميركا في العراق قائلا (ص 227): إن الشعب الأميركي ضد هذه الحرب. والناس يظنون أنها كانت غلطة. لكنهم منقسمون بشأن ما ينبغي عمله حاليا. فالأميركان يكرهون أن يخسروا وإن كانوا يكرهون أيضاً أن يصبوا أموالا من بعد أموال ضائعة.. ولهذا أصبحنا نمضي على شفرة صراط نفساني.

هنا أيضاً يوضح المؤلف وقائع التعليقات التي تناثرت خلال هذه الجلسة المفعمة بالحيوية قال جيمس بيكر: سيادة الرئيس لقد اقتربتَ أكثر من أي طرف آخر من التعامل مع سوريا. ثم أعرب وزير الخارجية الأسبق عن اتفاقه مع ما يذهب إليه كلينتون بخصوص الحاجة إلى مواصلة الجهود الدبلوماسية بشأن القضية الفلسطينية.. خاصة وقد أضاف الرئيس الأميركي السابق قائلا: لا يفيد إسرائيل أن تكتفي بالجلوس انتظارا لطلب الأسلحة.

وعندما سألوه عن عواقب الفشل في العراق قال: من المهم أن نعلن عن انتهاجنا مسارا جديدا للعمل «وهو ما ظل الرئيس بوش عزوفا عن إعلانه» ذلك لأن أميركا باعدت بينها وبين الكثيرين في العالم.. وها نحن ندفع الثمن بينما تكرهنا جميع الأطراف.

سألوه أيضاً عن كيفية حثّ نوري المالكي رئيس وزراء العراق على المضي نحو المصالحة الوطنية. قال كلينتون: لا بد من التركيز على المضي معه أطول فترات ممكنة ومع القادة العراقيين أيضا. ومرة أخرى يعلق مؤلفنا «بوب وودوارد موضحا أن هذا هو أسلوب بيل كلينتون في العمل السياسي وليس أسلوب جورج بوش بحال من الأحوال».

أخيرا فالساعة التي كانت محددة لهذا اللقاء امتدت ساعة ونصفا دون أن يبدو على أي من الطرفين أي رغبة في إنهاء الاجتماع وخاصة الرئيس كلينتون الذي وجه كلمة أخيرة إلى أعضاء مجموعة العراق قائلا: إن الرئيس بوش والبلد يتطلعان إلى أن ترسموا نهجا جديدا للتحرك إلى الأمام. فالتكاليف فادحة إذا ما بقينا على ما نحن عليه الآن.. والمغارم جسيمة لأنها تقتضي منا الكثير من الأرواح والأموال.

وقبل أن يغادر كلينتون الاجتماع سأله صديقه المحامي الكبير فيرنون جوردان: هل تنوي التكلم مع بوش بعد إعلان التقرير؟

جاب بيل كلينتون قائلا: أفعل إذا ما كان ذلك مفيدا. نحن قد نختلف ولكن مسؤوليتنا تفرض علينا إذا اختلفنا أن نتحلى بالاحترام والدقة وليس هناك أي سياسي على قيد الحياة من الحزب الديمقراطي لا يريد للأحوال أن تتحسن في العراق.

يخرج بيل كلينتون من مقدمة مسرح الأحداث الذي ينصبه لنا مؤلف الكتاب لتدخل شخصية أخرى قد لا تسلط عليها أضواء الكاريزما التي تحيط بالرئيس الأميركي السابق.. ولكن هذه الشخصية اضطلعت وتضطلع بأدوار محورية في إدارة الرئيس بوش الحالية - وخاصة في الولاية الثانية بالذات.. لماذا؟..

لأن الولاية الأولى لبوش كانت في ظل نفوذ كارل روف مستشاره الأثير من أيام تكساس.. وهو الذي يطلق عليه محللو الشأن الرئاسي في أميركا اسم «المهندس» إذ كان مسؤولا عن إنجاح جورج دبليو بوش مرتين في سباق الرئاسة الأميركية لا عجب أن أصدر عنه مؤلفنا بوب وودوارد نفسه كتابا اختار له عنوانا يوحي بمكانة «روف» في البيت الأبيض والعنوان هو «عقل بوش».

في الولاية الأولى أيضاً كان مستشار الأمن القومي هو الدكتورة كوندوليزا رايس.. أما الشخصية المستجدة على مسرح الأحداث الراهنة فهو مستشار الأمن القومي الحالي، ستيفن هادلي. وتتضح أهميته بالنسبة لموضوع الكتاب من واقع ما سجله المؤلف (ص 320) على النحو التالي: على مدى 7 أشهر من عام 2006 أدرك الرئيس بوش أن الاستراتيجية المنبثقة في العراق لم تف بأغراضها.

ومهما حاول أن يضفي عليها لغة وصياغة إيجابية مزوقة أمام الجمهور الأميركي.. فقد كان اليقين أنه يخسر الحرب في العراق. من هنا كان مسعى بوش التماسا لاستراتيجية جديدة وهكذا جاء قراره بإسناد مسؤولية هذه الاستراتيجية إلى ستيفن هادلي مستشاره للأمن القومي.

وخلال إعداد هذا الكتاب ظل الرئيس يثني على مستشاره الأثير قائلا: عندما تكون أمامك مشكلة معقدة في مجال قضايا الأمن القومي - ما عليك سوى أن تطلق عليها هادلي. يعلق المؤلف قائلا: وهذا بالضبط ما فعله الرئيس بوش. أن القائد الأعلى للقوات (الأميركية) المسلحة قرر أن يحيل على مستشاره للأمن القومي مقاليد حرب كان الرئيس يخسرها.

المؤلف في سطور

بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت. وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا.

اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار»

الصفحات: 488

الكتاب: الحرب الداخلية ..تاريخ سري للبيت الابيض

تأليف: بوب وودوارد عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: سيمون اند شوستر