من خلال تناول المؤلف بوب وودوارد الذي نعرض له في هذه الحلقة يبدو غريبا تلك الروح التي كان ينشرها الرئيس الأميركي بوش بقرب النصر في العراق، فيما أن الوقائع على الأرض كانت تسير في اتجاه آخر، وهو الأمر الذي كان يلمسه كبار المقربين منه في الإدارة إلى الحد الذي دفع بنواب جمهوريين الى نصح الرئيس بتخفيف الحديث عن الفوز والانتصار في الحرب.
ويقدم لنا المؤلف ملامح المذكرة التي تقدمت بها نائب رئيس مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض وتشكلت من 4 محاور سرية ركزت خلالها على ضرورة نقل مسؤوليات الأمن إلى أيدي العراقيين وإبعاد قوات التحالف عن خط النار والعمل على كسب معركة بغداد ووضع حكومة الوحدة الوطنية على أرضية وطيدة والرهان على المالكي. ووسط غياب رؤية واضحة بشأن مفهوم الإدارة بشأن الانتصار، حسبما يوضح المؤلف، كان الارتياح بشأن التراجع أو الانسحاب وسط شد وجذب بشأن نمط التعاطي مع طرفين مؤثرين في الأزمة هما سوريا وإيران.
اثنان من الشخصيات التي لم يتم لها ذيوع الشهرة بين أفراد إدارة بوش الحالية.. ومع ذلك فأعمالهما تتجلى بوضوح عبر فصول هذا الكتاب.الحديث هنا عن ميجان أوسوليفان وزميلها ديفيد ساترفيلد.. الأولى شابة في السادسة والثلاثين تحمل الدكتوراه في علم السياسة من جامعة أكسفورد البريطانية وتشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض مع التخصص في شئون العراق وأفغانستان.
ولأنها كانت تفتقر إلى الخبرة في الشأن العسكري فقد ركزت قدراتها على كتابة دراسات وتحرير مذكرات غاية في الأهمية كما يراها مؤلف الكتاب لأنها كانت ترسم معالم الإستراتيجية الأميركية التي يجب إتباعها بالنسبة لمسرح العمليات العسكري والسياسي في العراق على وجه الخصوص.
ديفيد ساترفيلد.. رجل في مقتبل الخمسينات من العمر أمضى 26 سنة في السلك الدبلوماسي الأميركي.. يتميز عن رفاقه بأنه يجيد اللغة العربية.. كان معروفا بصراحته المستمدة من خبراته الواسعة.. وبصبره الطويل على تحمل مشاق المهام التي توكل إليه.. أطلق عليه زملاؤه وصفا مستمدا من الإنجيل وهو: أيوب السلك الدبلوماسي في أكتوبر 2006 عكفت ميجان على دراسة تطورات الأمور في العراق.
كان الرئيس بوش راغبا في أن «ننظر في المسألة ونرى إلى أين وصلنا» جمعت ميجان أوسوليفان مساعديها وأضيف إلى مجموعتها «أيوب الدبلوماسيين» ديفيد ساترفيلد.. بدأت هذه المجموعة باستعراض أهم المشاكل المطروحة في العراق وخرجت بقائمة الجرد التي يلخصها كتابنا (ص 178 وما بعدها) على النحو التالي: الافتقار إلى محور أو مركز سياسي.
النوازع والمخططات العرقية والطائفية.. السياسيون العراقيون الأفراد الراغبون في تحقيق طموحات خاصة بكل منهم.. قصور الإستراتيجية العسكرية عن وقف تيار العنف.. استحالة مواصلة الحركة على المسار السياسي مع انتشار الفوضى ضاربة أطنابها في الساحة.. بغداد التي يتغير شكلها ويتبدل طابعها بسبب الانقسامات الطائفية.. إيران بوصفها تهديدا استراتيجيا يحّوم كالشبح في أرجاء المكان، في حين لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتعامل معها على نحو كاف بسبب انشغالها بأمر العراق.
وبينما كانت هذه المجموعة تواصل التعامل مع هذه المشاكل.. كانت الوزير كوندوليزا عاكفة مع مستشارها ساترفيلد على أمر آخر يوضحه المؤلف كما يلي: خلص المسؤولان - الوزيرة والمستشار إلى أن الموقف الراهن يضر مصالح الولايات المتحدة ومكانتها في العالم.. وأنه لا يجوز لأميركا أن تسمح لنفسها بأن تظل تحت سيطرة (هاجس) العراق.. ذلك لأن الحرب في العراق - يضيف المؤلف - لم تكن في كل حال حربا قومية من أجل البقاء.. كانت حربا بالاختيار.
من الناحية الأخرى يوضح المؤلف موقف الرئيس بوش قائلا: مع ذلك واصل الرئيس النفخ في الافتراض المعاكس وظل يردد بالحرف: «إن نتيجة حرب العراق سوف تحدد مصير الملايين عبر العالم»®. وهذه العبارة بالذات رددها الرئيس بوش في كلمة ألقاها في حديقة الورود (روز غاردن) في البيت الأبيض.. ساعتها سرت موجة من التململ في أوصال أعضاء حكومته الكبار.
من ناحيتها أمضت ميجان أوسوليفان أسبوعين من اجتماعات فريقها البحثي.. جمعوا المعلومات وتدارسوا مختلف القضايا وأودعوا خلاصة دراستهم في مذكرة مطولة حملت خاتم «سري للغاية». وأوضحت الوثيقة أن أمام الولايات المتحدة 4 خيارات أساسية بشأن كيفية مواصلة الخطى في العراق كما يلي:
أولا: التكيف عن الهواجس: وهذا الخيار معناه مواصلة النهج المتبع فعلا مع تجنب إضافة المزيد من الموارد بل التركيز على نقل مسؤوليات الأمن إلى أيدي العراقيين بأسرع وقت ممكن. وتنفيذ هذا الخيار يفترض أن الإستراتيجية المعمول بها حاليا سليمة وأن مواردها كافية وأن أي تغيير جذري عليها معناه المخاطرة بالتخلي عما تحقق في الماضي من مكتسبات.
ثانيا: تحديد الأهداف: وهذا النهج معناه أبعاد قوات التحالف عن خط النار بحيث تركز القوات الأميركية على عناصر القاعدة في العراق وتترك للعراقيين أمر التعامل مع تيار العنف الطائفي. وهنا لاحظت أوسوليفان أن القاعدة تشكل تهديدا للأمن القومي لأميركا في حين أن العنف الطائفي موجه نحو الداخل (في العراق).
ومع ذلك أضافت أن الولايات المتحدة لها بالفعل مصلحة معنوية وإنسانية في تحجيم حالات العنف معربة في ذلك عن اعتقادها بأن هذا الخيار الثاني من شأنه أن يخفف من تعرض الأميركيين لتيار العنف الطائفي وأنه سيحظى في أرجح الأحوال بأكبر قدر من تأييد الحزبين (الجمهورية والديمقراطي) في أميركا.
ثالثا: نهج زيادة التصعيد: ويعني إضفاء زيادة كبيرة ملموسة في الجهود السياسية والعسكرية التي تبذلها قوى التحالف في العراق من أجل كسب «معركة بغداد» ووضع حكومة الوحدة الوطنية هناك على أرضية وطيدة. وكان من رأي صاحبة المذكرة أن على قادة أميركا تدارس هذا الخيار، وأن الجمهور الأميركي سوف يؤيده بوصفه اندفاعه أخيرة نحو النصر في العراق.
على سبيل التفصيل (ص 191) كان من ملامح هذه الخطة دفع ما يصل إلى 30 ألف من جنود الولايات المتحدة لحماية حدود العراق ولتطهير الأحياء والمواقع الجهوية والإسراع بخطى الإعمار واستهداف عناصر القاعدة وفرق الموت.
على أن مسؤولة الأمن القومي تؤكد أن هذا النهج يقتضي من الرئيس جورج بوش أن يعلن زيادة حجم القوات المسلحة.. ويغير وقت تناوب تبديل القوات ويوفد المزيد من العناصر المدنية بغية نشرها للمساعدة على التنفيذ.
في إطار هذا المسار ارتأت مساعدة الأمن القومي بالبيت الأبيض أهمية التوازي بين الموارد التي تضخها أميركا وبين الشعارات الحماسية التي ينشرها الرئيس بوش.. ومن ثم ضرورة تعظيم هذه الموارد بما يتيح لواشنطن نفوذا تؤثر به على «السلوك السياسي في العراق وفي سائر المنطقة الإقليمية» مع هذا كله فثمة مخاطر ينطوي عليها هذا المسار أو الخيار الثالث ومن بينها ما يلي:
إن قلة من العراقيين فقط هي التي طلبت المزيد من القوات الأميركية، وأن رئيس الوزراء المالكي لم يكن قد أثبت نفسه بعد بوصفه شريكا غير طائفي النزعة ويمكن الاعتماد عليه، وأن تأمين التأييد من جانب الحزبين الديمقراطي والجمهوري سيكون أمرا من الصعوبة بمكان وعلى الأرجح لن يستمر هذا التأييد - على فرص توافره - بغير إحراز تقدم سريع وملموس.
ثم أن التصعيد والتكبير في حجم القوات والمجهود الحربي بشكل عام يمكن أن يهدد طابع التطوع في السلك العسكري الأميركي. وإذا ما حدث بعد ذلك تخفيض في ذلك الحجم فقد يعاود العنف سيرته الأولى فإذا به يزيد كل ما تحقق من مكاسب.. حالات الدعم والتأييد سوى النذر اليسير لمؤازرة التزامات الولايات المتحدة في الأجل الطويل.. ومعنى هذا بغير مواربة أنها خسرت الحرب.
رابعا: الرهان على المالكي: من شأن هذا الخيار الأخير أن يعزز الإمكانات والموارد السياسية والأهلية الموضوعة بتصرف القادة العراقيين بما يتيح لهم خفض حدة العنف والتحرك نحو المصالحة. لكن هذا المسار يقتضي من المسئول العراقي - أن يقنع واشنطن أنه يشاركها رؤية عراق غير طائفي وموحد وفيدرالي وأن بإمكانه أن يجمع صفوف «أصناف المعتدلين عبر مختلف أطياف المنظور السياسي» هذا الخيار بدوره كان معناه «العمل بصورة حثيثة ولكن هادئة».
أما المخاطر فتنطوي على احتمال أن يثبت المالكي أنه طائفي إلى حد بالغ أو أن حكومته عاجزة عن أن تخطي ظاهرة الانقسامات التي تستبد بها. أخيرا اختتمت ميجان أوسوليفان مذكرتها قائلة أن خيار التصعيد (الأميركي) في العراق يمثل أفضل المسارات في المستقبل وإن كان أشدها خطرا. بيد أنها أحجمت عن اتخاذ موقف محدد في سياق المذكرة عملا بمبدأ يقول: إن القرار بيد الرئيس.
من جانبه كان الرئيس يردد دائما عبارات من قبيل: نحن لا نتكلم فقط عن حكاية النصر.. أنا أريد أن أعلن النصر.. وأعلن الفوز وأعلن النجاح. من جانبهم، كان ثمة أعضاء في الكونغرس، ومنهم جمهوريون من الحزب الحاكم يواجهون هادلي مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي قائلين:
أرجوك.. لا تتكلم عن حكاية الكسب أو الفوز. هذا الكلام يبدو مفعما بالخيلاء ممزوجا بالغرور وفرط الثقة. بل كان ثمة برلمانيون، حتى من أصدقاء الرئيس بوش شخصيا (ص 193) من خاطبوا قائلين: إن الشعب الأميركي لم يعد يصدق إننا في طريقنا إلى الفوز.. ولذلك فهم يتصورون يا سيادة الرئيس إن استمرار أحاديثك عن الفوز والانتصار إنما تعكس حقيقة إنك بعيد عن إدراك حقائق الأمور.
ولقد عادت مجموعة بيكر - هاملتون من دراستها الميدانية في العراق والمنطقة.. اجتمع أعضاؤها إلى الرئيس بوش في قاعة روزفلت: البيت الأبيض صباح 13 نوفمبر 2006.. ألحوا في سؤاله عن مفهومه للانتصار أو النجاح ولم يدل إليهم بجواب شاف على نحو ما ينقل المؤلف من واقع محضر هذا اللقاء.
في ظهر اليوم نفسه اجتمعوا إلى وزيرة الخارجية رايس.. سادت نغمة ارتياح بعض الشيء عندما تحدثت كوندوليزا عن إمكانية التراجع أو الانسحاب قليلا إلى الوراء.. حاولت أن تفسر ما قالته في العبارات التالية التي ينقلها المؤلف نصا كما يلي (ص 220):
العالم العربي يشهد الآن تعديلات وتحالفات جديدة.. هناك متطرفون بين صفوف العرب ولكن هناك معتدلون أكثر عددا. وكثير من العرب باتوا ينظرون إلى إيران على أنها مشكلة تنطوي على خطر أشد من إسرائيل.. أما سوريا فينظر إليها - في رأي الوزيرة كوندوليزا - على أنها عامل من عوامل زعزعة الاستقرار.
يعلق مؤلفنا قائلا: آراؤها هذه لم تكن لتروق لوزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر.. ولهذا مضت لحظات من عراك الشد والجذب بين الاثنين.. وخاصة عندما طرحت تحفظاتها إزاء إنشاء علاقات مع سوريا وإيران.
ويضيف المؤلف ما يلي: موقفها لم يكن محل قبول أو ارتياح لدى بيكر وعدد كبير من أعضاء مجموعة دراسة العراق، أن معظم الأطراف الأخرى كانوا قد أبلغوا أعضاء المجموعة المذكورة أن ممارسة الدبلوماسية النشطة مع سوريا وإيران أمر حيوي من أجل استتباب الاستقرار في العراق وفي الشرق الأوسط.
إضاءة
يوضح المؤلف موقف الرئيس بوش من الحرب على نحو يشير إلى طبيعة المواقف التي حكمت تطورات الموقف في العراق قائلا: كان الرئيس يردد دائما عبارات من قبيل: نحن لا نتكلم فقط عن حكاية النصر.. أنا أريد أن أعلن النصر.. وأعلن الفوز وأعلن النجاح.
من جانبهم، كان ثمة أعضاء في الكونجرس، ومنهم جمهوريون من الحزب الحاكم يواجهون هادلي مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي قائلين: أرجوك.. لا تتكلم عن حكاية الكسب أو الفوز. هذا الكلام يبدو مفعما بالخيلاء ممزوجا بالغرور وفرط الثقة.
بل كان ثمة برلمانيون، حتى من أصدقاء الرئيس بوش شخصيا (ص 193) من خاطبوا قائلين: إن الشعب الأميركي لم يعد يصدق إننا في طريقنا إلى الفوز.. ولذلك فهم يتصورون يا سيادة الرئيس إن استمرار أحاديثك عن الفوز والانتصار إنما تعكس حقيقة إنك بعيد عن إدراك حقائق الأمور.
وفي موضع آخر يضيف المؤلف: واصل الرئيس النفخ في الافتراض المعاكس وظل يردد بالحرف: «إن نتيجة حرب العراق سوف تحدد مصير الملايين عبر العالم».. وهذه العبارة بالذات رددها الرئيس بوش في كلمة ألقاها في حديقة الورود (روز جاردن) في البيت الأبيض.. ساعتها سرت موجة من التململ في أوصال أعضاء حكومته الكبار.

