بات مستقبل بقاء القوات الأميركية في العراق، غامضاً، ويتطلب الرهان كثيراً على توجهات سيد «البيت الأبيض» الجديد، إذ صدر، تصريحان هامان الأسبوع الماضي على أعلى مستويات الإدارة الأميركية، يشيران بما سيكون عليه الوضع مستقبلا.
فقد أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش سحب 8000 جندي أميركي من العراق بحلول فبراير المقبل وتسليمه القوات العراقية المسؤوليات الأمنية في اغلب المحافظات في انتظار توقيع معاهدة طويلة الأمد مع العراق، فيما أكد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أن الولايات المتحدة وصلت الآن إلى «نهاية اللعبة» في العراق. فالخفض المقترح أصغر مما تنبأ به بعض المحللين وهو ما يؤكد حرص وزارة الدفاع الأميركية على أن لا يبدو انسحاب تلك القوات من العراق على أنه هزيمة أو فرار، فهذه المسألة تمثل خطا أحمر لدى الإدارة الأميركية التي تدرك تماما معنى حدوث ذلك، إذ أنها قد تخلّت عن هدف هزيمة ما تعتبرهم المتمردين في ظل إدراك بأن المسألة ستحل سياسيا في الأساس، لكنها لن تبتلع أبدا فكرة أن تبدو وكأنها هزمت، أو أن تترك العراق بالفعل.
إن الإدارة الأميركية تدرك، أن ترك العراق دون إتمام المهمة سيكون كارثيا، لذا، فإن الانسحاب نهائيا من العراق لا يمثل خيارا حقيقيا بالنسبة لها في واقع الأمر، إلا كحل اضطراري أو سيناريو طوارئ أو ملاذ أخير، ففي الوقت الذي اقترب فيه موعد إجراء انتخابات الرئاسة الأميركية وقربت ساعة رحيل الرئيس جورج بوش، بدأت واشنطن في البحث عن صيغة قانونية قبل انتهاء عهد بوش تضمن بقاء القوات الأميركية بشكل شرعي في العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة في الأراضي العراقية.
وبدا ذلك جليّا من خلال سعي الإدارة الأميركية إلى توقيع ما يعرف بالاتفاقية طويلة الأمد مع الحكومة العراقية، والتي تلقى رفضا شعبيا كبيرا إلى إظهار إدارة بوش على أنها خرجت منتصرة من الحرب، وبما يسمح بسحب جزء من القوات لتخفيف ضغط الديمقراطيين.
وغالبية الشعب الأميركي المعارضين لاستمرار الاحتلال الأميركي بسبب حجم الخسائر البشرية التي تكبدتها هذه القوات. ويحرص المسؤولون الأميركيون أيضاً على تقليص عدد القوات في العراق حتى يتمكنوا من إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان التي تتصاعد فيها أعمال العنف.
سياسة البقاء
أميركا ما دخلت واحتلت بلدا بعد الحرب العالمية الثانية ثم خرجت منه باستثناء فيتنام وكوريا الشمالية لأنها لم تحتلهما عمليا ولم تبق فيهما بالتالي. وحسب نشرة وزارة الدفاع الأميركية يوجد للولايات المتحدة قوات في 135 دولة في العالم.
ويعني هذا أن لديها قوات في أكثر من 70 في المئة من دول العالم، بالإضافة إلى مناطق وجزر لا تعتبر دولا وهي غير مستقّلة وتتواجد فيها القوات الأميركية. ولا يستطيع المواطن الأميركي العادي على الأرجح تحديد موقع أغلب هذه ال135 دولة على الخريطة، فضلا عن بعضها.
في عهدة الرئيس التالي
لكن أي قرارات بشأن انسحاب كبير من العراق ستقع على الأرجح على عاتق الرئيس الأميركي القادم سواء الجمهوري جون ماكين أو الديمقراطي باراك اوباما. ووعد اوباما بسحب القوات القتالية في غضون 16 شهرا اذا فاز في انتخابات نوفمبر المقبل في حين يعارض ماكين تحديد اي جدول زمني لسحب القوات. ولقد كرّرت إدارة بوش موقفها التقليدي تجاه تلك المسألة عبر التأكيد بأن تحديد جدول زمني للانسحاب سيكون خطأً فادحاً.
استنادا إلى فكرة أن ذلك سيطلق سياسيا رسائل خاطئة في اتجاه الشعب العراقي والجنود الأميركيين وعناصر التمرد معا، أو أنه من الناحية العسكرية لا يزال غير ضروري. وبالتالي، فإنه من وجهة نظر الإدارة لا يزال خيار الانسحاب من العراق في موعد زمني ما غير مطروح، إلا أن ذلك لم يكن نهاية المطاف بالنسبة لها، فهي، رغم ما يبدو ظاهريا، تُدرك الكثير عن حقيقة الموقف.
لم يعد للقوات الأميركية ما تقوم به عسكريا، بأكثر مما تقوم به بالفعل. فزيادة عدد القوات أصبحت متعذرة، بفعل «حدود الحجم» في القوات الأميركية، ووصول العجز في نسب التطوع إلى 20 في المئة بالنسبة للجيش والحرس الوطني، مع عدم القدرة على دفع دول أخرى للمشاركة في القوات متعددة الجنسيات التي تتصدع أساسا، وبالتالي، أصبحت مهمتها الأساسية هي نقل المهمة إلى قوات الأمن العراقية مع إدراك أنها أيضا لن تكون قادرة على التعامل مع المشكلة في وقت قريب.
انسحاب بطيء دون خروج
وعلى ما يبدو فإن عملية الانسحاب ستتم بشكل تدريجي، دون جداول زمنية محددة لها، بصورة تتيح تعديلها في أي وقت، فسوف يتم في البداية سحب 8 آلاف جندي، ثم يتزايد العدد بعد ذلك مع الوقت، دون تقديم أي انطباع بأن القوات الأميركية سوف تخرج من العراق.
كما انه أنه لن يتم سحب أية قوات دون أن تكون ثمة قوة عراقية من الجيش أو الأمن قادرة، عدديا على الأقل، على الإحلال محلها، أو القيام بنفس المهام تقريبا، وتم تحديد المناطق أو المحافظات التي سيتم الانسحاب منها أو المهام التي سيكون مطلوبا القيام بها دون تأسيس جيش عراقي قوي بما يطرح إشكالية تبعيته للقوات الأميركية.
وهناك مسألة أكثر خطورة وهي عملية الانسحاب ستركّز على القوات المقاتلة، مع ترك عدد كبير من العناصر التي تقوم بمهام التدريب والتسليح والمستشارين لمتابعة عملية بناء القوات البديلة، وإدارة الصراع الداخلي، وحتى تلك القوات، لن تنسحب كلها، فستتمركز في مواقع قريبة من العراق للتعامل مع سيناريوهات أسوأ حالة، في حالة حدوثها.
ومع ذلك كله، تبقى هناك ضرورة لوضع الاحتلال الأميركي في ميزان الربح والخسارة، وما قدمه للعراق من مكتسبات كانت ممكن أن تحصل بوقت أقصر، وجهد أقل، ودون سفك كل هذه الدماء.. والسؤال الملح، هو إن كانت القوات الأميركية التي تعتزم الخروج في وقت لم يحدد بعد، سوف تترك وراءها قنابل موقوتة، وبيتاً عانى طويلا من الفوضى، وانعدام الأمن.
عوامل متعددة باتت تفرض في المرحلة الراهنة على إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش حسم خياراتها في الساحة العراقية. فولاية الرئيس بوش، على وشك الانتهاء، ومواقف الرئاسة الأميركية من مسألة تحديد الأفق الزمني للانسحاب من العراق تحتاج لدقة في الحسابات.
الأمل في جيش عراقي قوي
إن العراق سيواجه خلال الفترة المقبلة لحظة الحقيقة. فإذا كان هناك هدف أخلاقي اسمه انسحاب قوات الاحتلال من أراضيه، فإن ثمة اعتبارات عملية قاسية تُحيط بتلك المسألة بصورة تجعل الانسحاب مشكلة، كما كان الاحتلال مشكلة.
فليس هناك تقدير واحد منضبط يشير إلى أن الانسحاب سيؤدي إلى وقف العنف أو حل مشكلة الأمن في العراق، ولن يكون هناك يقين حول طبيعة مشاكل ما بعد إنهاء الاحتلال، مقارنة بمشكلات استمرار الاحتلال، إلا بعد تنفيذ الانسحاب بالفعل، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مبدأ الإدارة الأميركية كان على الدوام معارضة أي انسحاب حتى استكمال مهمة بناء جيش عراقي وحكومة عراقية شرعية، فإن هذه المهمة لم يتم تنفيذها بعد ولا ينتظر تنفيذها في القريب العاجل.
تسليم : بابل وواسط قريباً إلى السيطرة الأمنية العراقية
أعلن وزير الدفاع العراقي جاسم عبدالقادر العبيدي ان القوات العراقية ستتسلم قريبا الملف الأمني من قوات التحالف في محافظتي بابل وواسط، وكلتاهما جنوب بغداد.وأكد العبيدي على أن القوات الأمنية العراقية ستكون قادرة على تسلم الملف الأمني في جميع أنحاء البلاد أواخر العام 2011 أو مطلع 2012.
وأوضح أن هناك محافظتين مطروحتين لتسليم الملف الأمني للقوات العراقية من جانب القوات الأميركية وهما: بابل وواسط، في جنوب وجنوب شرق بغداد مؤكدا ان التسليم سيكون قريبا جدا، لكنه رفض إعطاء تاريخ محدد. وتبعد الحلة، وكبرى مدنها بابل، 100 كيلومتر إلى الجنوب من بغداد، فيما تبعد واسط، وكبرى مدنها الكوت، 175 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة.
وأكد وزير الدفاع العراقي ان القوات الأمنية العراقية ستكون قادرة على تسلم الملف الأمني في جميع أنحاء البلاد أواخر العام 2011 أو مطلع 2012. مشيرا إلى ان الاتفاق الأمني طويل الأمد مع أميركا المزمع توقيعه قبل نهاية العام كفيل بوضع كل التدابير اللازمة بكيفية تسليم المهام الأمنية ووضع جدول زمني محدد لانسحاب القوات الأميركية من العراق.
وأضاف ان الجيش الأميركي باشر عملية تأهيل عناصر الشرطة والجيش العراقيين استعدادا لقيادتهم كل المحافظات.وكانت القوات الأميركية نقلت في الأول سبتمبر الجاري المهام الأمنية إلى السلطات العراقية في محافظة الانبار السنية، المعقل السابق للتمرد. وتسيطر القوات العراقية حاليا على 11 محافظة من أصل 18.
بدائل : جدول زمني للانسحاب
أوصت دراسة جديدة صادرة عن مشروع البدائل الدفاعية (بي دي اي) وهو مركز أبحاث أميركي مستقل يعنى بالقضايا الدفاعية والاستراتيجية وجوب إعلان الولايات المتحدة جدولا زمنيا لخفض عدد القوات حتى يتم استكمال الانسحاب. وأوصى التقرير بتبني عدة مبادرات من شأنها إنجاح تصور الانسحاب، ومن هذه الترتيبات: التركيز على تدريب القوات العراقية.
وترى الدراسة أن 400 يوم فترة كافية لاستكمال مراحل التدريب اللازم للقوات العراقية بما فيها تدريبات عملية ومناورات عسكرية للعديد من الفرق والوحدات العسكرية الجديدة. وتقترح الدراسة تخصيص العدد اللازم من المدربين للجيش العراقي بما لا يقل عن 24 ألف مدرب وترى أنه من الممكن أن يتم إعادة تدريب وتأهيل 100 ألف جندي عراقي، وفي نفس الوقت يمكن تأهيل 80 ألف جندي إضافي في هذه الفترة.
ودعت الدراسة إلى ضرورة بقاء عدد صغير من الأميركيين داخل العراق، وتقترح بقاء 10 آلاف ما بين مدنيين وعسكريين من أجل عمليات التدريب والاتصال، على أن لا يتعدى عدد العسكريين منهم ألفين فقط. وأن يكون وجود هذه القوات ضمن خطة أوسع للأمم المتحدة لإعادة الاستقرار للعراق مدتها 3 سنوات.
ربط تشكيل الجمعية الوطنية العراقية بالمحافظات العراقية المختلفة، كما الحال في الولايات المتحدة وهذا من شأنه حسبها أن يجعل البرلمان عاكسا لحقائق العراق السكانية والجغرافية، ويقلل في الوقت ذاته من أهمية الانتماءات الطائفية والدينية.

