لا شك أن الوقت قد حان كي يحكم العراقيون دولتهم بأنفسهم، ويبسطوا يدهم على جميع أراضيهم دون تدخل الأجنبي، فالانسحاب التدريجي الذي تكلم عنه البيت الأبيض لا يعدو كونه خطوة تكتيكية لإسكات الأصوات المطالبة بالانسحاب علما بأن الحرب على العراق كلفت السياسة الخارجية الأميركية الكثير، وقللت من جماهيرية الإدارة الحالية، ليس على الصعيد الداخلي، بل والصعيد الدولي كذلك.

وسواء كان الاتفاق المزمع يتضمن بقاء أو تنظيم بقاء بعض القوات، فإن ذلك الاتفاق والقرارات التي ستتخذ ستكون حاسمة لاستقرار المنطقة ومصالحها الأمنية القومية للأعوام المقبلة، ولذلك يجب أن تراعى فيها مصلحة الشعب العراقي ومصالح شعوب المنطقة قبل المصالح الانتخابية للحزبين الديمقراطي والجمهوري والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة وحتى الحسابات السياسية لقادة العراق.

وتكتسب التفاصيل الخاصة بانسحاب القوات الأميركية من العراق أهمية قصوى. فهناك إدراك عام من جانب كل الأطراف العراقية بخفايا الاحتلال والاستراتيجية الجديدة التي تريد إدارة بوش انتهاجها بموجب الخطة الأمنية طويلة الأمد من خلال السعي الجاد لإقامة قواعد عسكرية تؤمن لها الاحتلال الأبدي باستنزاف كل الموارد الطبيعية للعراق.

وعلى ما يبدو فان بريطانيا تسير على خطى الولايات المتحدة حيث تسعى هي أيضا لتنظيم وجود قواتها في البلاد عن طريق عقدها اتفاقية أمنية مشتركة تكفل لها حماية مصالحها في المنطقة. فلقد اتضحت الصورة الآن، بأننا ذاهبون إلى «سايكس ـ بيكو» جديدة انطلاقا من العراق.

وأن البريطانيين عيونهم على البصرة، وأميركا عيونها على بغداد وأن الرئيس بوش جاء باستراتيجيات وأفكار جديدة استطاع إقناع الحكومة البريطانية بها على ما يبدو ولهذا جمدت سحب القوات من العراق. فبموجب مسودة الاتفاق المتوقع إقراره بين واشنطن وبغداد، يحتفظ الأميركيون بقواعد عسكرية دائمة في العراق ويتمتع الجنود والمقاولون الأميركيون بالحصانة أمام القوانين العراقية.

كما يطلق الاتفاق يد القوات الأميركية للقيام باعتقالات ونشاطات عسكرية من دون استشارة الحكومة العراقية ولا أي مساءلة من القانون العراقي، وهو ما يعني أن أميركا ستنسحب صوريا من العراق. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مبدأ الإدارة الأميركية كان على الدوام معارضة أي انسحاب حتى استكمال مهمة بناء جيش عراقي وحكومة عراقية شرعية.

فإن هذه المهمة لم يتم تنفيذها بعد ولا ينتظر تنفيذها في القريب العاجل، لذلك يتوجب على الحكومة العراقية أن تفرض على الجانب الأميركي تحديد جدول زمني للانسحاب من خلال الاتفاقية الأمنية بالموازاة مع تأهيل القوات العراقية.

وبناء جيش قوي قادر على حماية وحدة العراق وسيادته وقادر على ملء الفراغ الذي ستتركه القوات الأميركية، وضمان بناء قاعدة سياسية مستقرة وليست هشة، على أن تقوم على الديمقراطية وعدم التبعية الدائمة للقوات الأميركية عبر مخطط أميركي لإنشاء قواعد عسكرية في العراق.

ليلى بن هدنة : benhadnal@yahoo.fr