من الصعب القول ان الروس وحدهم يبحثون عن المتاعب لأنفسهم. ومن الصعب أن نقول أيضا ان حربهم السريعة الخاطفة على جورجيا هي خطأ استراتيجي عليهم أن يسددوا ثمنه ويتحملوا عواقبه. هذه الحرب فرضها الطرف الآخر الذي خرج من جلباب الاتحاد السوفييتي، وصار دمية تتلاعب بها الولايات المتحدة.

بل يبدو أن هذا الطرف ممثلا في الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي راض على أن يحول بلده بموقعها الاستراتيجي الحيوي على البحر الأسود، مرتعا لأميركا وحلفائها في الغرب. فهو يتوسل للحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي «الناتو» لتصبح حدوده المتاخمة للأراضي الروسية ثكنة عسكرية أميركية - أسلحتها من صواريخ ومدافع، مصوبة تجاه أراضي روسيا.

ساكاشفيلي بإجماع المراقبين ـ وبالتحديد أهل الغرب ـ قامر ولعب وخسر. والسبب سوء تقديره الذي لا يؤهله للحفاظ على أمن بلده القومي. على أي حال.. لم تكن حرب الروس ضد جورجيا سوى الفصل الأول من مرحلة رسم خريطة جديدة سيشهدها العالم. مرحلة لا تبشر بالخير، خاصة وأن الولايات المتحدة، التي جلبت المتاعب للعالم بحروب لم تحسم نتائجها، تفتح الآن جبهة جديدة للمواجهة مع الروس.

واختارت أن تكون تلك الجبهة على مقربة من الحدود الروسية. فلا يكفي أن تكون جورجيا أو أوكرانيا أرضا مفتوحة لها، بل دشنت لبدء تنفيذ ما يسمى بالدرع الصاروخي الأميركي الذي ينطلق بعد عامين في الأراضي البولندية والتشيكية.

هذا الدرع المتمثل في نصب صواريخ في بولندا ومحطة رادار في تشيكيا، يزعم الأميركيون أن الهدف منه هو الوقاية من غدر ما تسميها «الدول المارقة»، وتقصد إيران وكوريا الشمالية. وإذا كان هذا صحيحا فلماذا لا تلجأ إلى أراض أخرى بعيدا عن حدود ونطاق الجغرافية الروسية. بل، أين هي إيران، مثلاً، من حدود بولندا أو تيشيكيا.

هذا الدرع، ان تم تنفيذه بالفعل (بدءا من العام 2011)، سينهي عصر ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الذي استمر عقدين، وسيشعل نيران حرب باردة وربما ساخنة. فالروس يرفضون هذا الدرع الذي لن يبعد سوى أميال معدودة عن حدودهم. ويؤكد الرئيس الروسي مدفيديف أنه لا يستبعد قيام بلاده برد عسكري ضد الخطط الأميركية في بولندا والتشيك في حال تنفيذها.

لأن الدرع يستهدف روسيا ولا يمكن لأحد أن يصدق التصريحات الخرافية المتعلقة باستخدامه ضد دول مارقة مزعومة وبعيدة كل البعد عن المصالح والأهداف الأميركية. بولندا، تجعل من نفسها هدفا للجيش الروسي بنسبة 100 في المئة.

ولا نظن أن الروس غير جادين في ما يقولون. فالأمر يتعلق بأمنهم القومي وبما تبقى لهم من هيبة سياسية فقدوا معظمها بمعول الهدم الذي أمسك به آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف تحت مسمى انفتاح «البروسترويكا والغلاسنوست».

حالة التوتر قد تتصاعد في القوقاز والبحر الأسود وبحر البلطيق وكل شرق أوروبا بسبب إصرار الأميركيين على مد أذرعهم وأياديهم في مناطق لا تمت بصلة لأمنهم القومي. والأمر يتوقف الآن على المنظومة الأوروبية، ونقصد الاتحاد الأوروبي الذي تربطه مصالح اقتصادية بموسكو، ويعتمد في المقام الأول على إمدادات الغاز والنفط الروسي. نأمل أن تتغلب المصلحة العامة للجميع على سياسة استعراض العضلات، سواء من جانب الأميركيين أو الروس.

حسن صابر