هذه التحولات التي تشهدها أميركا اللاتينية، أياً كان التقدير لمدى ثباتها ولمدى استمرارها في الاتجاهات المشار إليها، إنما تشكل، في المدى المنظور، منعطفاً يستحق من المراقبين أخذه في الاعتبار، ليس في القارة اللاتينية وحسب، بل فيما يمكن أن يحدثه ذلك الانعطاف من تأثير على مناطق أخرى في العالم، ومن بينها بلداننا العربية، وبلدان أخرى من القارتين الآسيوية والأفريقية.
إذا ما تتبعنا هذه التحولات، منذ بداياتها في العقد الأخير من القرن العشرين، سنجد أن البرازيل هي التي شقت الطريق إلى هذه التحولات. ذلك أن انتخاب لولا، القائد العمالي الشعبوي، لرئاسة الجمهورية في دورتين متتاليتين، قد دلّ بوضوح على تكوّن إرادة حقيقية في إحداث التغيير، حتى ولو لم يكن شديد الوضوح في تعبيراته، لدى أوساط واسعة من شعوب القارة، ولدى أكثرية الشعب البرازيلي بالذات، البلد الذي يوازي بمساحته وبثرواته وبعدد سكانه قارة بكل المعاني.
الدلالة الرئيسية في هذا التحول الذي بدأ في البرازيل قد برزت في البرنامج الذي كان قد وضعه لولا باسم حزبه العمالي في أواخر ثمانينات ومطلع تسعينات القرن الماضي. ويستطيع من يقرأ ذلك البرنامج الذي جرى تقييمه (وقد نشرته مجلة «الطريق» في أحد أعدادها في ذلك التاريخ)، اكتشاف تلك الرغبة وتلك الإرادة الجارفة في إحداث تغيير في البرازيل وفي القارة برمتها، بعد عقود طويلة من الإنقلابات والفساد والتخلف والتدمير، التي دفعت ثمنها تلك البلدان.
ودفعت ثمنها خصوصاً شعوبها الفقيرة. والأساسي في هذا التغيير، كما أشار إلى ذلك برنامج لولا، والعديد من برامج الأحزاب اليسارية والليبرالية في القارة، هو العمل من أجل إنقاذ تلك البلدان مما هي فيه من تخلف، ومن تبعية مطلقة للولايات المتحدة الأميركية ولشركاتها الإحتكارية الكبرى.
إلا أن الأهم مما أشارت إليه تلك البرامج السياسية إنما يتمثل في الوعي المتنامي لدى أقسام واسعة من الناس في تلك البلدان بضرورة إحداث هذا التغيير، حتى وإن كان تغييراً غير محسوبة نتائجه، وغير محددة أدواته، وغير مؤكدة احتمالات النجاح فيه في مواجهة سياسة الهيمنة الأميركية.
جميع هذه الإشارات التي تدل على الأساسي من تلك التحولات الجارية تجعلنا، ولو من بعيد، ولو بالقليل من المعرفة بظروف القارة الأميركية اللاتينية، نرى في هذه التحولات ما يمكن اعتباره حدثاً جديداً، لا تنحصر مفاعيله في تلك البلدان، بل ربما ستتجاوزه إلى سائر بلدان ومناطق العالم، ومنها بلداننا العربية.
وإذا تتبعنا ما يجري في القارة سنجد أن رقعة التحولات تتسع بصورة متواصلة. فقد حدثت تغيرات في أنظمة العديد من بلدان أميركا اللاتينية في الأعوام الماضية، بلداً إثر بلد. وإذا كانت كوبا قد حظيت بالعطف وبالتضامن من قبل شعوب القارة، في وجه الحصار الأميركي الظالم لها، فإن مجرد صمودها في وجه التهديدات وفي وجه الحصار، قد أعطاها صفة المثل في الصمود بالنسبة إلى بلدان وشعوب القارة، من دون الإقتداء بالضرورة بنظامها الشيوعي الكلاسيكي.
وكانت فنزويلا في طليعة البلدان التي أحدثت ذلك التحول، الذي اتخذ طابعا شعبويا فوضويا، ذات سمات دكتاتورية في كثير من سياسات السلطات التي يمارسها الرئيس شافيز. لكن سلسلة التحولات من الأنظمة القديمة إلى أنظمة جديدة مختلفة عن السابق كانت تشير، كما أسلفنا، كما لو أن انعطافاً حقيقياً بدأ يبرز في أميركا اللاتينية نحو اليسار، ونحو الديمقراطية، ونحو الاستقلال النسبي عن الولايات المتحدة الأميركية.
ومعروف أن سلسلة التغيرات بعد البرازيل قد بدأت في الشيلي، بانتخاب الاشتراكية باشليه رئيسة للبلاد. ثم تبع ذلك تغيير في بوليفيا، بانتصار العامل الهندي الشعبوي موراليس في الانتخابات الرئاسية. وتم انتخاب رؤساء جدد من الطبيعة ذاتها، أو ما يشبهها، في كل من الأكوادور والأوروغواي. لكن أطرف تلك التغيرات، وأكثرها دلالة في الإتجاه الذي أشرت إليه آنفاً.
إنما يتمثل في عودة السانديني أورتيغا إلى رئاسة نيكارغوا، وانتخاب الكاهن المدعوم من اليسار فرناندو لوغو رئيساً لجمهورية الباراغواي. ومعروف أن مرشح اليسار إلى آخر الانتخابات الرئاسية الأخيرة في المكسيك قد قارب جداً من النجاح. مما يعني أن للتحولات المشار إليها قدراً كبيراً من الأسس الواقعية، التي قد تأتي في زمن قريب برئيس يساري إلى هذا البلد الأميركي اللاتيني الكبير، الجار القريب للولايات المتحدة الأميركية.
ويمكن أن نشير، في السياق ذاته من الدلالات الجديدة في هذه التحولات في أميركا اللاتينية، ما بدأ يظهر من رغبة في كوبا الإشتراكية بإحداث تحول في سياساتها أكثر انفتاحاً نحو العالم، بما في ذلك نحو أميركا الجارة العظمى التي مارست كل أنواع القهر والحصار ضدها. وهو ما تعبر عنه بعض مواقف راوول كاسترو، بعد تسلمه زمام السلطة خلفاً لشقيقه الزعيم التاريخي لكوبا الثورة، فيدل كاسترو.
وهي تحولات، إذا ما تحققت، ستساعد كوبا في الخروج من عزلتها، ومن الواقع الصعب الذي يعيش فيه شعبها، ويجعلها تساهم في مجمل تلك التحولات التي تشهدها بلدان أميركا اللاتينية. لكن ما هو مهم، بل شديد الأهمية، في إطار هذه التحولات، هو الاتجاه القوي لدى بلدان أميركا اللاتينية في إقامة اتحاد فيما بينها، شبيه بالإتحاد الأوروبي. وهو اتجاه يقترب من التحقق، كما تشير إلى ذلك التطورات المتسارعة في القارة اللاتينية.
هذه اللوحة، التي تبدو زاهية في أميركا اللاتينية، تواجهها لوحة داكنة في العالم العربي، من أقصاه إلى أقصاه. وإذ أشرت في عنوان هذا المقال إلى المقارنة غير الواقعية بين ما يجري في أميركا اللاتينية من تحولات وبين الركود الذي يشبه الظلام في معظم بلداننا العربية، فلأنني أردت أن آخذ من تحولات أميركا اللاتينية المشار إليها درساً لبلداننا العربية، بالمفرد وبالجمع، لعله يكون مفيداً في المستقبل.
لا جدال في أن ثمة اختلافات كبيرة من نواح عديدة بين بلدان أميركا اللاتينية والبلدان العربية. وهي اختلافات تتصل بالنشأة التاريخية لكل من هذه البلدان. فضلاً عن أمور أساسية أخرى يتصل بعضها بالجغرافيا، ويتصل بعض آخر منها بالثقافة، ويتصل بعض ثالث بالديانات، المسيحية والإسلامية، وحتى اليهودية.
ولن ندخل، هنا، في تفصيل هذه الاختلافات، لكثرة التعقيدات المتصلة بها، والتي هي من اختصاص المؤرخين وعلماء الاجتماع. ما يهمنا، في الإشارة إلى هذه الاختلافات، الأخذ في الاعتبار، منذ البداية، أن لتطور البلدان شروطاً تتصل بتاريخ نشوئها، وتتصل بأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
غير أن اختلاف هذه الشروط كلها لا يلغي حاجة كل بلد، في شروطه هو، إلى أن يحقق تطوره وتقدمه في كل المجلات، حقبة إثر حقبة، مع تطور العالم، وتقدم المنجزات التي تتحقق في سياق هذا التطور. في المقارنة البسيطة بين بلدان أميركا اللاتينية والبلدان العربية تبرز العناصر التالية، في التشابه وفي الاختلاف.
عناصر الاختلاف تبدأ من معرفة التاريخ الحديث لهذه البلدان. فإذا كانت بلدان أميركا اللاتينية قد نالت استقلالها في أزمنة قديمة، فإن استقلال البلدان العربية هو حديث تاريخياً. فهو يعود، كما نعرف، إلى المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الأولى، في بعض البلدان، ونهاية الحرب العالمية الثانية، في بلدان أخرى.
ومن عناصر الاختلاف، أيضاً، أن بلدان أميركا اللاتينية عانت، على امتداد تاريخها، من كونها جارة فقيرة للدولة العظمى في التاريخ الحديث للعالم، الولايات المتحدة الأميركية. في حين أن البلدان العربية عانت، منذ حصولها على استقلالها، من كونها صاحبة احتياط عالمي كبير للنفط، الذي حولها إلى مركز لصراع عالمي بين كثرة من الدول الكبرى.
ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية، صراع حول مصالح هذه الدول، على حساب شعوب المنطقة، صاحبة تلك الثروة الكبيرة. أما المشترك والمتشابه في أوضاع هذه البلدان، هنا وهناك، فهو يتمثل في التخلف والفقر، وفي سيادة أنظمة استبداد في معظمها.
فمن المعروف أن بلدان أميركا اللاتينية قد عانت في تاريخها الحديث من أنظمة دكتاتورية، كان للولايات المتحدة الأميركية دور أساسي ومباشر في قيامها. وهي أنظمة قادت هذه البلدان، بفعل تبعيتها المطلقة للسياسة الأميركية، إلى مزيد من التخلف والفقر، برغم غنى ثرواتها. أما البلدان العربية فقد سادت في بعضها أنظمة ملكية منذ التأسيس، وسادت في بلدان أخرى منها أنظمة جمهورية في الشكل، استبدادية في نظام الحكم، جاءت إلى السلطة بانقلابات عسكرية.
لكن ما هو خاص في البلدان العربية، إلى جانب نعمة النفط التي تحولت إلى نقمة، كونها ابتليت، وهي تدخل في مرحلة الإستقلال السياسي، بقيام دولة إسرائيل كجسم غريب، في منطقة وسط بين مشرق العالم العربي ومغربه. وحملت هذه الدولة معها إلى العالم العربي كل مصائب الكون.
ومع قيام دولة إسرائيل تشوهت الحركة الوطنية العربية، وتشوهت سياسات الأحزاب جميعها، اليسارية منها بمكوناتها وبمدارسها المختلفة، واليمينية والليبرالية منها، على حد سواء. وأعني بالتشويه، هنا، ما ساد في سياسات وبرامج ومواقف وأفكار الأحزاب في هذه البلدان من خلط عشوائي في الشعارات، بين ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي، وبين ما هو قومي.
بمعنى المواجهة بين ما أعتبر مشروعاً صهيونياً يرتبط بإسرائيل ومدعوماً من الدول الغربية، وبين ما اعتبر مشروعاً قومياً عربياً معادياً للصهيونية ولقيام دولة إسرائيل في المنطقة، غير مرغوب فيه من قبل الدول الكبرى.
في ظل هذا التشوش والتشوه قامت الحروب العربية-الإسرائيلية، تحت شعارات شعبوية، من بينها شعارات تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية والتنمية. وتعمق النزاع بأشكاله المختلفة بين الدول العربية مجتمعة، وبين إسرائيل منفردة ومدعومة من الغرب. وترافقت تلك الحروب مع حروب أهلية، وحروب بين البلدان العربية ذاتها، وبين بعضها وبعض جيرانها.
وانتهت تلك الحروب، وملحقاتها، والسياسات المتصلة بها، إلى الهزيمة التي احتفلت الدول العربية وشعوبها وأحزابها، بمرور ستين عاماً على بدايتها، وعلى استمرارها. واستمرت، على امتداد هذه الأعوام الستين من الحروب ومن الهزائم المتواصلة، الانقسامات بين البلدان العربية، وبين أحزابها اليسارية منها واليمينية.
ونشأت، بفعل هذه الحروب جميعها، وبفعل الهزائم السياسية والعسكرية، وبسبب الانقسامات داخل الأحزاب والحركات، وبسبب تراجع مشاريع التغيير الديمقراطي، اليسارية خصوصاً، نشأت شروط ساهمت في ولادة حركات سلفية من أنواع شتى، بعضها حمل أهدافاً وطنية.
مع المحافظة على سلفيته، وبعضها تحول إلى عنصر تخريب وتدمير في كل الاتجاهات. وتجدر الإشارة، هنا، إلى أن الحركات الدينية في أميركا اللاتينية، بخلاف ما شهدناه في العالم العربي، قد اتخذت، منذ البداية، طابعاً وطنياً واجتماعياً، عبرت عنه حركة لاهوت التحرير.
هذا الوضع في العالم العربي، الذي لا يزال يراوح مكانه، هو الذي جعل بلداننا تتخلف عن الشروع فيما شرعت فيه بلدان أميركا اللاتينية، بسلوكها طريق التغيير، الطريق الذي اعتبرناه تحولاً مهما في تطور هذه البلدان أشبه بانعطاف تاريخي، في اتجاه تحررها النسبي، في شروط العصر، من تاريخها السابق. ولا يستطيع المرء إلا أن يبدي استغراباً، في المقارنة بين ما تتجه إليه بلدان أميركا اللاتينية، وبين ما تتخلف عنه البلدان العربية.
ومصدر الاستغراب، هنا، هو أن بلداننا العربية، ذات التاريخ المشترك، والثقافة المشتركة، واللغة المشتركة، والمصالح المشتركة المترابطة والمتعاطفة بينها، لم تتمكن أن تحقق أي نوع حقيقي مما عبرت عنه الشعارات القديمة المتداولة المتصلة بالوحدة العربية. في حين أن بلدان أميركا اللاتينية قد بدأت تسلك هذا الطريق، رغم ما بينها من اختلافات في النشأة وفي التكون وفي التطور وربما في المصالح أيضاً.
لكن ما يدعو إلى الاستغراب أكثر من ذلك هو أن البلدان العربية، بخلاف ما يجري في بلدان أميركا اللاتينية، لا تزال تخضع في تطورها، بنسب متفاوتة بين بلد وآخر، للدور الخارجي، إقليمياً ودولياً، في السلبي من هذا الدور خصوصاً.
وبرغم كل ما تقدم من إشارات إلى التناقض في اتجاهات التطور بين بلدان أميركا اللاتينية وبين البلدان العربية، فلا يحق لنا أن نفقد الأمل في إحداث تغيير إيجابي في مجرى تطور العالم العربي، بالمفرد وبالجمع. لكن للأمل، حتى لا يكون مجرد أمنيات، شروطاً لا بد من توفرها.
أول هذه الشروط هو أن تخرج من تلك الانقسامات والصراعات، الطائفية والإثنية والحزبية والعقائدية، ومن الهزائم، بما في ذلك من تلك الهزائم التي يحمل أصحابها علامات النصر، أن تخرج من صمتها الكتل الكبرى صاحبة المصلحة في التغيير، وتتغلب على سالبي إرادتها، ومشوهي وعيها، ومزوري تاريخها، وتؤسس لمشروع جديد للتغيير. وللمثقفين في تلك العملية دور كبير.
لكن الشباب هم أصحاب الدور الأكبر. أما العنوان الحقيقي للتغيير فيتصل، في الدرجة الأولى، في اختيار الطريق الصحيح والواقعي للتحرر من أنظمة الاستبداد السائدة في معظم بلداننا بصيغها المختلفة، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية حديثة.
وفي اختيار الطريق الصحيح الموصل إلى سلام عادل في المنطقة، يعطي للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في إقامة دولته على أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية. وفي سلوك هذا الطريق يمكن أن تدخل بلداننا في الشروط التي وفرت لبلدان أميركا اللاتينية الدخول في التحولات الجديدة الواعدة، باسم الحرية والتقدم والسعادة لشعوبها.

