تشهد بلدان أميركا اللاتينية، منذ العقد الأخير من القرن العشرين، تحولات سياسية متتالية مثيرة للاهتمام. وهي تحولات تفيد، في الظاهر، كما لو أن القارة تمر فيما يشبه الانعطاف نحو اليسار. كما تفيد تلك التحولات، في الظاهر أيضاً، كما لو أن بلدان القارة الأميركية الجنوبية تتجه نحو سلوك طريق الديمقراطية في تطورها، بديلاً من نصف قرن من تاريخها الحافل بالانقلابات العسكرية وبالأنظمة الدكتاتورية المنبثقة عنها، التي كانت تتحكم المخابرات الأميركية بقيامها وبسياساتها في شتى المجالات.

ويشير كل ذلك كما لو أن تغيراً كبيراً محتملاً هو في طريقه إلى التحقق. وهو تغير محتمل في أحد اتجاهين داخل القارة وفي محيطها. الاتجاه المحتمل الأول هو ما يمكن أن يكون نزعة لدى حكام وشعوب بلدان القارة اللاتينية لمزيد من الاستقلال والتمايز عن الولايات المتحدة الأميركية وعن الدور المباشر الذي مارسته في حياة هذه البلدان على امتداد عقود.

وهما استقلال وتمايز لا يحملان بالضرورة طابع العداء للجارة العظمى. الاتجاه الثاني المحتمل هو ما يمكن أن يكون قراراً من الولايات المتحدة الأميركية بتغيير سياستها القديمة تجاه جارتها الجنوبية، تغييراً يؤمن الاستقرار في هذه البلدان تحتاج إليه الولايات المتحدة الأميركية في سياستها في المرحلة المقبلة، بغية الحفاظ على مواقع لها في القارة تتطلب مثل هذا الاستقرار. وهي سياسة تنادي بها أوساط نافذة من الحزبين الأميركيين، الجمهوري والديمقراطي، على حد سواء.

كريم مروة