يواصل المؤلف في إطار استعراضه لأسرار وخبايا عملية إدارة البيت الأبيض للأوضاع في العراق إبراز تفاصيل تكشف عن قدر من التخبط، حسبما يذهب، في التعاطي مع الأوضاع هناك، فيشير إلى كيف لقي قرار بوش التصعيد العسكري الأمريكي بالعراق معارضة من أكبر قائدين مسؤولين عن الميدان في أرض الرافدين وهما الجنرال كيسي والجنرال أبي زيد.

كما يفصح عن عمليات التجسس على حكومة المالكي قائلا أن وكالات الاستخبارات التابعة للولايات المتحدة كانت تمارس تغطية واسعة النطاق بمعنى نشاطا تجسسيا على رئيس الوزراء المالكي وأعضاء آخرين ضمن حكومته وأن مسؤولين مطلعين على عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية يعتقدون أن هذه العمليات وفرت تصورا نافذا وشفافا بشأن تصرفات نوري المالكي. كما يعرض لرؤية بوش للحرب والتي تعبر عن عقلية حاصرْهم أو اقتلْهم وهو ما شعر الجنرال كيسي قائد القوات السابق في العراق أنها تمثل تعبيرا عن سوء الفهم الأساسي من جانب الرئيس بوش للحرب الراهنة.

وينقل لنا جانبا من ملامح القلق لدى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إزاء تطورات الأوضاع حيث كانت تتصور أن بالإمكان التوصل إلى صفقة سياسية من نوع ما، صفقة تتيح لكل من الأكراد والشيعة والسنّة أن يرتضوا جميعا مكانا تحت الشمس لكن العنف الطائفي كان مسيطرا على كل شيء. يوم الثلاثاء 20 يناير عام 2007.. وسط زمهرير الشتاء كان الجنرال بترايوس يقود سيارته على الطريق السريع بمدينة لوس انجليس في طريقه إلى دار للمسنين كانت تستضيف والده البالغ من العمر 90 عاما..

وصل إلى مشارف المكان حين دق هاتفه النقال ليأتيه صوت مألوف عميق النبرات.. كان المتكلم هو «جيتس» وزير دفاع الولايات المتحدة بادره قائلا: ديفيد: أردت فقط أن أتأكد بأنك مستعد لتسلم مقاليد الأمور في العراق. من ناحيتي أنا أرغب في ذلك. هل أنت مستعد؟

يعلق بوب وودوارد مؤلف الكتاب قائلا: كان بترايوس على يقين بأن هذا العرض في الطريق إليه، لكنه ظل يسأل نفسه عما إذا كان من المناسب أن يطرح شرطا واحدا يطلب فيه من وزير الدفاع أن يستدعي من الخدمة أستاذه السابق الجنرال جاك كين ليكون بصفة مستشار عسكري مخضرم في العراق.. وبعد لحظة تفكير أقلع بترايوس عن الفكرة ليقبل العرض الجديد.

يواصل المؤلف تعليقه (ص 309): هكذا قبل الجنرال هذه الدعوة التاريخية.. كان يدرك أنه يتقبل مسؤولية العمر ليصبح القائد العام في حرب كبرى كان معظم مواطنيه «في أمريكا» قد فقدوا ثقتهم فيها. في نفس السياق يوضح لنا المؤلف كيف جاء اختيار بترايوس مرتبطا بخطاب الرئيس بوش الذي أعلن فيه قراره بالتصعيد في الجهد العسكري الأمريكي بالعراق.

ويؤكد المؤلف أن هذا القرار لاقى معارضة من أكبر قائدين مسؤولين عن الميدان في أرض الرافدين وهما الجنرال كيسي والجنرال أبي زيد.. ورغم إصرار بوش على التصعيد فقد كان الجنرال كيسي يرى أن هذا التصعيد أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى خطوة تمليها الاعتبارات العسكرية.

المهم أن جاء يوم 26 يناير فاستدعوه إلى لقاء الرئيس في المكتب البيضاوي الشهير بالبيت الأبيض. والتقى الرجلان على انفراد حيث استعرض الرئيس بإيجاز - كما يضيف كتابنا - قراره بتصعيد العمل العسكري وزيادة حجم القوات فيما أكد القائد الميداني المستجد على خطورة الأمر قائلا (ص 327):

سيادة الرئيس.. المسألة ليست هينة.. إن الأمر يحتاج إلى أن تشارك فيه حكومة الولايات المتحدة بأسرها وجيش الولايات المتحدة بأكمله. سافر بترايوس قائدا جديدا إلى العراق. وانتقل سلفه الجنرال كيسي ليصبح رئيسا لأركان القوات المسلحة في واشنطون.. وتلك ترقية فنية - تقنية كما يعبر المؤلف بمعنى نظامية أو روتينية.

ولم تمض أيام إلا واستدعى بعدها أستاذه السابق الجنرال كين ليزور العراق الذي تفقّد أبعاد الموقف في كل من بغداد والأنبار وديالي، واجتمع إلى السفير خليل زاده وسائر أعضاء السفارة وأسدى مشورته إلى مستويات القادة ابتداء من مستوى اللواء والكتيبة إلى مستوى الفصائل بل والسرايا ولم يكن في مثل هذه الأمور مشكلة.. لولا أنها جسدت في تطورها أمرا غريبا يفسره المؤلف على النحو التالي:

في 6 مارس 2007.. عاد الجنرال كين ليضع نائب الرئيس، تشيني في صورة الأوضاع، وينشئ بهذا خطا سريا خلفيا للاتصالات يبدأ من بترايوس إلى تشيني ثم إلى بوش.. وهو ما كان يشكل التفافا من خلف ظهر التسلسل القيادي المتعارف عليه في الدوائر العسكرية الأمريكية.

ويحرص مؤلف الكتاب (ص 381 وما بعدها) على استعراض تطورات الأمور بين عامي 2006 و 2007.. يقول بوب ودوارد: خلال هذه الفترة كانت وكالات الاستخبارات التابعة للولايات المتحدة تمارس تغطية واسعة النطاق (بمعنى نشاطا تجسسيا) على رئيس الوزراء المالكي وأعضاء آخرين ضمن حكومته ويعتقد مسؤولون مطلعون على عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية أن هذه العمليات وفرت تصورا نافذا وشفافا بشأن تصرفات نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي.

وفي هذا يقول أحد المصادر ذات الصلة: نحن نعرف كل ما يقوله ويقول مصدر ثان: إن المالكي ورجاله كانوا يشكّون وربما كانوا حتى يعرفون بأمر هذه المراقبة وكانوا حريصين في محادثاتهم فضلا عن اتخاذهم تدابير وقائية أخرى في هذا المضمار.

يقول هذا المصدر - حسب ما يستطرد مؤلف هذا الكتاب - إن ثمة مصادر بشرية كانت تزود كبار المسؤولين الأمريكان بكل ما يكفل أن يظلوا مطلعين باستمرار على مستجدات المواقف والخطط والمناورات والإجراءات السرية التي كان يتخذها رئيس الوزراء «العراقي» وأعضاء حكومته وأفراد آخرون في الحكومة العراقية.

وبشأن هذا التجسس على المالكي يضيف نفس المصدر قائلا «من باب الاحتراز». مع ذلك فلن يتسنى قط الحصول على صورة شفافة ذات وضوح مطلق.. ذلك أنك لن تستطيع النفاذ إلى ما يدور في دماغ إنسان وحين يتكلم فمن ذا الذي لا يشك في أنه لا يتلاعب بك.. لقد توافر لدينا كميات بغير حصر من اختراقات المعلومات.. لكن لا سبيل إلى حصرها.

ومصدر ثالث يحيل إليه مؤلف الكتاب يقول: إن التجسس على المالكي كان أكثر من عملية روتينية (بمعنى أن كان عملية أكثر من متواصلة وخاضعة للتمحيص والتحليل. بل هناك مصدر رابع يوصف بأنه أدرك حساسية المسألة فتساءل قائلا: هل كان من الأفضل ألا نفعل ذلك؟

مؤلف الكتاب طرح المسألة على هذا النحو.. وأحال إلى تلك المصادر الأربعة التي كان طبيعيا ألا يحدد أسماءها ثم اختتم هذا العرض بالسطور التالية: إن جمع المعلومات الاستخباراتية عمن يعرف بأنهم أعداء أو من يُشك في أنهم أعداء أمر له منطقه تماما. لكن التجسس على الأصدقاء والحلفاء، وخاصة في ظل ديمقراطية شابة آلت أمريكا على نفسها أن تساعدها أمر غير مسبوق بقدر ما أنه يثير كل أنواع التساؤلات.

إن وكالات المخابرات شغوفة بالنفاذ إلى دواخل الأمور ولكن مسؤولون كبار عديدون تساءلوا عما يمكن أن يفيدوه من ذلك؟ وهل كان الأمر جديرا بالمخاطرة ولم يتضح ما إذا كان هذا الأمر قد أفاد الرئيس بوش. وبقدر ما قال الجنرال بترايوس أن من المستحيل على أمريكا أن تصل إلى النصر في العراق عن طريق القتل، فربما كان مستحيلا بنفس القدر على أمريكا أن تصل إلى الاستقرار السياسي عن طريق التجسس.

وبمناسبة رئيس الوزراء العراقي.. يسجل لنا المؤلف في افتتاحية الفصل الحادي عشر من الكتاب وقائع اللقاء بين المسؤول العراقي وبين مجموعة دراسة العراق التي حملت - كما أسلفنا - اسم مجموعة بيكر - هاملتون. أعضاء المجموعة السبعة من كبار الساسة الأمريكيين هبطوا إلى مطار بغداد يوم 31 أغسطس 2007.

وسرعان ما وضعوهم على متن هليوكوبتر طارت بهم 5 دقائق إلى المنطقة الخضراء إتباعا لإجراءات الأمن يقول المؤلف: حلقوا خلال هذه الدقائق فوق مساحات من المنازل الواطئة المغبرة والبنايات المحترقة.. بينما كانت طائرات الهليوكوبتر تطلق كشافات يقصد بها اتقاء الصواريخ المحمولة على الكتف.. وفي المنطقة الخضراء.. ساقوهم إلى داخل أسطول منتظر من العربات المدرعة.

التي كان يقبع في مؤخرة كل منها مسؤول طبي: هنالك راع القادمين الجدد هذه الإجراءات الأمنية.. رغم أنها كانت مجرد روتين اعتيادي بالنسبة لمعظم مسؤولي الاحتلال الأمريكي في العراق. التقت المجموعة الأمريكية أولا مع رئيس الوزراء المالكي. دار الاجتماع في قاعة فارهة في أحد القصور السابقة لصدام حسين جلسوا إلى مقاعدهم الخشبية يحتسون الشاي.

كان المالكي محاطا بعدد كبير من مساعديه وبدأ يخاطبهم عن طريق المترجم قائلا: سيكون مفيدا بالنسبة لكم أن تعلموا أن الشعب العراقي يعيش في حرية.. ذلك كنز لن يفرط فيه العراقيون في يوم من الأيام.. لقد حققنا نجاحا.. صحيح أن هناك مشاكل لكن هذا أمر طبيعي.. وهو يحدث في كل ديمقراطية.. أضاف رئيس الوزراء المالكي قائلا: هناك تقدم.. وهذا أمر يتضح بجلاء في انخفاض عدد التفجيرات.

هنا.. نظر الضيوف الأمريكان إلى بعضهم البعض فيما واصل رئيس الوزراء الحديث: أصبح لدينا استقرار سياسي.. وبرغم مشاهد الدماء فالتقدم متواصل.. والإرهابيون اعتادوا أن يكونوا البادئ بالهجوم ولكن تغير الوضع فأصبحنا نحن من يبادر بالهجوم.

هذه العبارات - يقول المؤلف - أنتجت صريرا صدر عن المقاعد الخشبية. سألوه عن الموقف الأمني فأجاب السيد المالكي قائلا: المشكلة الحقيقية هي البعثيون - ونحن لدينا خطوات سوف نتبعها لمزيد من إضعافهم.

زادت حركة القلق فوق مقاعد الخشب. ويعلق المؤلف في نفس السياق (ص 111) يقول إن هاملتون كان مأخوذا بما يتابعه.. لقد بدا المالكي وكأنه بعيد بشكل خطير عن ملامسة ما يجري وإلا فهو ببساطة لا يريد الاعتراف بما يجري بالفعل.. بدا وكأنه مبرمج كي يقول ما يظن أن الأمريكيين يريدون أن يسمعوه.

وأخيرا طرح رئيس الوزراء سؤاله الوحيد: هل اقترب الأمريكيون - جمهوريين أو ديمقراطيين من قرار الانسحاب من العراق؟ أجاب جيمس بيكر قائلا: سوف تحصلون على السؤال يوم 7 نوفمبر. كان يقصد يوم الانتخابات الرئاسية في أمريكا.

ثم بدأت الحملة الانتخابية الرئاسية .. صحيح أن هذا السياق الرئاسي بين الجمهوريين الحاكمين والديمقراطيين المعارضين، وتحديدا بين السناتور ماكين والسناتور أوباما.. سوف يحسم في ذلك اليوم، الرابع من نوفمبر من العام الحالي، إلا أن الرئيس بوش آثر أن يبدأ هذا السياق، شرع الرئيس الأمريكي في جولة عبر الولايات المختلفة يشرح فيه إنجازات إدارته ويندد في الوقت نفسه بخصومه من الحزب الديمقراطي.

في مدينة رينو - ولاية نيفادا أعلن الرئيس قائلا: إذا ما أصغيتم مليا إلى زعماء الحزب الديمقراطي لبدوا وكأنهم يتصورون أن أفضل سبيل لحماية الشعب الأمريكي هو أن ننتظر إلى أن نتعرض للهجوم مرة أخرى. يومها أضاف بوش قائلا على نحو ما يسجل الكتاب: إن ما تشاهدونه ما هو سوى بداية النصر على عقيدة يتبناها المتطرفون.

في ولاية أريزونا تناول الرئيس طبيعة الحرب التي تغيرت في رأيه عما كان عليه الحال أثناء الحرب العالمية الثانية أو الحرب الكورية في أوائل الخمسينات قال: إن هذه نوعية مختلفة من الحرب (يقصد في العراق أو أفغانستان). إنها حرب تتوقف على قدرتنا أن نعثر على الأفراد (الجناة) ونسوقهم إلى ساحة العدالة قبل أن يضربوا مرة أخرى.

هنا يعلق المؤلف قائلا (ص 162): كان هذا تعبيرا عن عقلية حاصرْهم أو اقتلْهم - وهو ما شعر الجنرال كيسي (قائد القوات السابق في العراق) أنها تمثل تعبيرا عن سوء الفهم الأساسي من جانب الرئيس بوش للحرب الراهنة.

من ناحيتها كانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس تشعر بالقلق إزاء تطورات الأوضاع. يعلق المؤلف قائلا (ص 164): كانت تتصور أن بالإمكان التوصل إلى صفقة سياسية من نوع ما، صفقة تتيح لكل من الأكراد والشيعة والسنّة أن يرتضوا جميعا مكانا تحت الشمس ويتراضوا على أساس تقسيم للسلطة وللبترول والأموال.

لكن العنف الطائفي كان مسيطرا على كل شيء... عادت إلى واشنطون واجتمعت إلى الرئيس في مكتبه.. وفي حضور كل من تشيني نائب الرئيس وهادلي مستشار الأمن القومي أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية رأيها قائلة: سيادة الرئيس إن ما تقوم به ليس مجديا.

المؤلف في سطور

بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت.

وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا. اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار» .

الصفحات: 488

الكتاب: الحرب الداخلية ..تاريخ سري للبيت الابيض

تأليف: بوب وودوارد عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: سيمون اند شوستر