هذا الكتاب صدر منذ أيام.. وما زال يثير في الدوائر السياسية والفكرية في أميركا عاصفة من الاهتمام والنقد والمتابعة ـ تأتي على شكل لقاءات متلفزة وعروض تحليلية منشورة وتعليقات إذاعية ذات توجهات شتى ومعظمها يهتم بموثوقية المعلومات التي يكشف عنها المؤلف من خلال المقابلات المسجلة التي أجراها مع أهم الشخصيات التي أدت أدواراً جوهرية على مسرح الأحداث في العراق وفي مقدمتها الرئيس بوش شخصياً.

ويلاحظ أن دوائر البيت الأبيض لم تشأ أن تشكك في موثوقية المعلومات ولكنها أعلنت أنها تختلف مع ما وصل إليه المؤلف من أحكام واستنتاجات.. خاصة وأن الكتاب يضم نصوصاً لأحاديث وتعليقات وآراء، فضلاً عن لقاءات محددة مع الرئيس الأميركي جورج بوش خصّ بها مؤلف الكتاب الذي لم يتردد في أن يشفع هذا كله بتعليقات ناقدة وأحياناً سلبية. في حين ظل يحرص منهجياً على متابعة مسار القنوات الخلفية التي كان البيت الأبيض يستخدمها من وراء ستار لتشكيل مسار الأحداث أو محاولة السيطرة عليها في غمار إدارة جمهورية حاكمة في واشنطن ولكن تستبد بها الصراعات بين القوى والاحتكاكات بين العناصر المؤثرة وكأنها حرب داخلية على نحو ما يقول عنوان الكتاب.

13 يونيو من عام 2006.. وقف رجلان في شرفة السفارة الأميركية في بغداد.. جاء الأول من واشنطن استعداداً للقاء رئيس الوزراء العراقي، ولكنه آثر أن يصغى إلى أبعاد الموقف يشرحه الرجل الثاني الذي كان قد أمضى في بغداد سنتين حافلتين بالأحداث. كان الأول هو الرئيس الأميركي بوش.. وكان الثاني هو الجنرال جورج كيسي قائد القوات الأميركية في العراق. كان مشهد الشرفة.. وما دار على أرضها من حوار بين الرئيس والقائد العسكري هو محور السطور الأولى التي افتتح بها الصحافي بوب وودوارد فصول أحدث كتاب ما زال موضعاً لحوارات وتحليلات وشغف عميق من جانب جماهير القارئين.

ولا تثريب علينا حين نستخدم مصطلحات المسرحية والستار والفصول ودراما الشخصيات: إن بوب ينشر مع الصفحات الأولى قائمة تحوي أسماء الشخصيات التي تناولتها فصول الكتاب على عادة ما يفعل مؤلفو المسرح ثم يشفع اسم كل شخصية ببيان الوظيفة أو بالأدق «الدور» الذي تلعبه في دراما الأحداث التي تدور وقائعها بين أميركا والعراق. أول عبارات الحوار ـ الدرامي وهو بداهة حوار موثق لأنه جاء على لسان الرئيس بوش مخاطباً الجنرال كيسي قائلاً: يتعين علينا أن نكسب. وبعدها يعلق المؤلف فيقول: إن هذا التأكيد على ضرورة الفوز في حرب العراق سمعه الناس متكرراً في أكثر من مناسبة.

بل سمعه الجنرال كيسي شخصياً عشرات المرات. المهم أن الجنرال رد على الفور مخاطباً رئيس الجمهورية: أنا معك.. ولكن لكي نكسب علينا أن نخفض حجم قواتنا إلى الحد الذي تستطيع أن تتحمل وطأته ويتحملونه هم أيضاً. يوضح المؤلف أن «هم» يقصد بها العراقيون، مضيفاً في هذا السياق ما يلي (ص 4): كان الجنرال كيسي يشعر أن العراقيين وهم شعب معتز بنفسه ومقاوم ضد الاحتلال الأجنبي.. لا بد وأن يتسلموا مقاليد الأمور في نهاية المطاف. ومن ثم فإن وجود قوات أميركية بحجم كبير كان يعني عدم الاحترام. والأسوأ من هذا أيضاً أنه يجعل العراقيين في حالة اعتماد على الغير.

يواصل المؤلف قراءته في أفكار القائد العسكري الأميركي في العراق فيقول أيضاً: كان العراقيون بحاجة إلى استرجاع بلدهم واحترامهم لأنفسهم ـ وتلك أمور جوهرية بالنسبة لثقافة العرب. كانوا بحاجة إلى أن يخوضوا حربهم الخاصة بهم وأن يديروا حكومتهم النابعة منهم.. والمشكلة إن لم يتح لهم لا هذا ولا ذاك.

ويعرض المؤلف لمشكلات كثيرة خلال الفقرات الاستهلالية من الكتاب.. ومشكلات أكثر كانت تشغل بال الجنرال كيسي وهو يقود قوات الولايات المتحدة في بلاد الرافدين.. وبغير مقدمات يمضي المؤلف قائلاً: خلص الجنرال إلى أن ثمة مشكلة رئيسية تكتنف سير الحرب في العراق.. وهذه المشكلة هي... الرئيس بوش شخصياً.

ولقد أسرّ الجنرال المخضرم إلى زميل له موضحاً كيف أن بوش كان يعكس آراء وموقف الجناح المتطرف من الحزب الجمهوري في أميركا حيث ظل هذا الجناح يردد الشعار التالي: اقتلوا أبناء السفلة.. تحققوا ما تنشدونه من نجاح.

ومنذ البداية ظل الرئيس بوش يتابع تطورات هذه الحرب من المنظور التقليدي فلا يكف عن السؤال عن عدد أفراد العدو الذين وقعوا أسرى أو سقطوا قتلى. كان للجنرال كيسي رؤية مغايرة على نحو ما يضيف بوب ودوارد قائلاً: الجنرال كان يرى أن المعركة الحقيقية تتمثل في أمر جوهري هو: إعداد العراقيين لحماية وحكم أنفسهم بأنفسهم.

بل كان كيسي لا يفتأ يحيل إلى آراء الكولونيل البريطاني لورنس، الشهير تاريخياً باسم لورانس ـ العرب والذي سجل في كتابه بعنوان «أعمدة الحكمة السبعة» آراءه عن العرب في العبارات التالية: دعهم ينجزون الأمر بأيديهم ولو جاء منقوصاً، وهذا أفضل من أن نعمله كاملاً ولكن بأيدينا نحن.. إنها حربهم.. وبلادهم وأما وجودك على أرضهم فهو موقوت ومحدود.

كان القائد العسكري يعتنق هذه الأفكار.. بل ويعمل على ترجمتها إلى أوامر تصدر إلى سائر أركان حربه وأفراد قواته.. ومن ناحيته ـ يضيف مؤلف الكتاب ـ كان الرئيس بوش يبدي موافقته على طرف لسانه إزاء أهمية هذه الأفكار وفي مقدمتها أهمية كسب الناس «أهل العراق».

ومع ذلك كان بوش لا يلبث ينحني ليسأل باهتمام أشد عن الغارات التي يشنونها والعمليات العسكرية التي ينفذونها وما أكثر ما كان يمطر كيسي بأسئلة غاية في الإلحاح عن عدد من قتل ومن وقع في الأسر.

يصل المؤلف من هذا العرض إلى خلاصة في عبارات تقول: كانت مشاعر الجنرال كيسي تغلي وتفور.. وجاءت أسئلة الرئيس المتواصلة لتؤكد له أن القائد الأعلى يؤمن باستراتيجية قائمة على الاستنزاف لا تتورع عن استئصال شأفة الأشرار.. هذا رغم أن حرب فيتنام سبق وأكدت أن مثل هذه الاستراتيجية لن تصادف النجاح.

ومهما قتلوا أو اعتقلوا من أعداد المتمردين أو المعارضين أو الرافضين فلسوف يأتي من بعدهم الكثير. وفي السياق نفسه يلاحظ مؤلف الكتاب أن من قبيل التناقض صدور موافقة الرئيس بوش ومعاونيه الأقربين في مجلس وزراء الحرب بالبيت الأبيض على الخطة التي اقترحها الجنرال كيسي في العراق.

ومن عجب أن تصدر هذه الموافقة عشية سفر الرئيس إلى العراق ولقائه الذي عرضناه مع مؤلفنا على شرفة السفارة في بغداد حملت الخطة اسم «سيكريت» تأكيداً لارتفاع مستوى سريتها وانطلقت من مبدأ أساسي هو المثابرة والتحمل لأن النجاح الاستراتيجي في العراق هو الذي ينجزه العراقيون أنفسهم.

وهكذا انقسمت الخطة إلى 3 مراحل هي: الاستقرار في أوائل عام 2007، استعادة السلطة المدنية حتى منتصف عام 2008، دعم الاعتماد على النفس لغاية عام 2009. ورغم هذه الموافقة.. فقد استمر جدار من عدم الارتياح يرتفع ليفصل بين توجهات الرئيس والجنرال إلى حيث أفضى إلى النتيجة التالية بعبارات مؤلف الكتاب: مع مرور الزمن فقد كل من الطرفين في صمت ثقته في الطرف الآخر.

في هذا السياق يدخل إلى مسرح الأحداث الذي يصوره هذا الكتاب شخصية أخرى لها أبعاد فريدة كما نتصورها هي شخصية الكولونيل ديريك هارفي. كان القوم في واشنطن يطمحون إلى فهم أعمق لأبعاد الموقف في العراق.. كانت تطورات الموقف تكاد تفضي إلى ورطة سبق وأن وقعت فيها الولايات المتحدة في أدغال جنوب الشرق الآسيوي وتحمل اسم «فيتنام» التي ما برحت ندوبها وجراحاتها ماثلة في الذاكرة الأميركية المعاصرة.

لهذا نصحوا كلاً من الجنرال كيسي والرئيس بوش بأن يسمع من الكولونيل هارفي ويفيد ـ إن استطاع ـ من خبرته التي تشكلت في ربوع منطقة العراق وجيرانه على مدى 20 عاماً. هنا يوضح لنا المؤلف كيف أن هذا العسكري الأميركي الذي جمع بين شخصيتي الجندي ورجل الاستخبارات المحترف أتيح له منذ أواخر الثمانينات أن يجوب كل أنحاء العراق في سيارة أجرة يقطع فيها 500 ميل ويزور قرية من بعد قرية ويلتقي سكانها المحليين وينام على طين الأرض ويعيش أبسط الأساليب وأشدها تقشفاً.

ومن الطريف أن يصف المؤلف شخصية هارفي المذكور بأنها كانت أقرب إلى شخصية المفتش كولومبو ـ رجل التحقيقات في المسلسل التلفزيوني الشهير بمعطفه الرث وشعره غير المشذب وأسئلته التي لا تنقطع. لماذا كان هارفي ـ كولومبو المذكور مهتماً بأمر العراق إلى هذا الحد من التفاصيل والزيارات الميدانية؟

يورد المؤلف إجابة موجزة عن السؤال تقول: بعد حرب الخليج عام 1991، كانت المخابرات المركزية الأميركية تتنبأ بسقوط محتوم لصدام حسين في العراق.. في حين أن هارفي كان مصراً على أن صدام مستمر لأن أبناء طائفة السنة في العراق كانوا يعرفون أن مصائرهم مرتبطة بمصيره.

المهم أن الجنرال كيسي التقى مع هارفي وأمعن الرجلان في تأمل تطورات المؤلف في العراق. كان ذلك في أعقاب فضيحة سجن «أبو غريب» الشهيرة.. وبين وسط سحائب دخان السجائر أطلق الجنرال جملة صارت معروفة من بعد في دوائر البنتاغون والبيت الأبيض وهي: إذن فنحن في أزمة.

يوضح المؤلف أيضاً كيف أن مثل هذه الآراء كانت تجد صداها عند وزير خارجية تلك الفترة ـ الجنرال كولن باول الذي كان يؤمن بأن أهم ما ينبغي تحقيقه في العراق هو السيطرة على الأوضاع بهدف تحقيق هدف أساسي كان باول يلخصه في كلمة واحدة: الأمن.

تأتي تساؤلات وضغوط من مجلس الأمن القومي في البيت وكانت ترأسه وقتها كوندوليزا رايس لتؤكد التركيز على إنتاج بترول العراق، وإصلاح إمدادات الكهرباء اللازمة لاستمرار حياة السكان. ينضم الرئيس بوش إلى هذه الضغوط فما كان من الوزير باول إلا أن واجه جورج بوش (ص 21) قائلاً: سيادة الرئيس: البترول له أهميته.. والكهرباء مهمة بدورها.

ولكن لا شيء من هذا كله يغير الموقف.. بدون توافر الأمن.. إن الأمن هو العنصر الذي ينبغي أن يسبق كل شيء. في كل حال ظل الرئيس بوش يحاول استكشاف أبعاد الموقف ومشكلاته من مصادر وشخصيات شتى. وفيما كانت هذه الأبعاد تزداد سوءاً بدأ الكونغرس يمارس ضغوطه بهدف استعراض الموقف ومراجعة ما استجد عليه من تطورات.

ويحسب لأسلوب التناول الأميركي اهتمامه بأن تتم هذه المراجعات ـ لا من خلال أوامر رئاسية واجبة التنفيذ، ولكن من خلال تشكيل مجموعات عمل تتولى أمر الدراسة والتمحيص ويقوم على أمرها شخصيات ذات وزن تنتمي إلى كل من حزبي الحكم والمعارضة.

هكذا تشكلت لجنة دراسة أحوال العراق برئاسة اثنين من مخضرمي السياسة الأميركية: الأول هو الجمهوري جيمس بيكر وزير خارجية بوش الأب، والثاني هو الديمقراطي «لي هاملتون» رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب.

أجرت المجموعة مقابلات ميدانية ضمت العديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين المتعاملين مع الشأن العراقي.. آخر تلك المقابلات كانت مع جنرال يبلغ من العمر 53 سنة. له ملامح شاب في مقتبل العمر وسبقته شهرته كضابط على قدر كبير من الكفاءة وقد بادره واحد من أعضاء مجموعة الدراسة قائلاً: سمعنا أن الأمر يقتضي انقضاء مرحلة زمنية ما بين عامي 2009 و2013 قبل أن يصبح العراقيون مسؤولين عن أمن بلادهم.. فما رأيك؟

رد الجنرال بترايوس قائلاً: هذا هو السيناريو الأكثر تشاؤماً.. ومع ذلك لا بد من القول ان بيئة الأمن في العراق هي أصعب ما رأيت خلال 31 عاماً أمضيتها في السلك العسكري. في المقابلة نفسها ـ يضيف كتابنا ـ أكد الجنرال بترايوس على أهمية المصالحة الوطنية بين أطراف المشهد العراقي وقال: علينا أن نكفل للسُنّة سبباً يحفزهم على دعم (قيام) العراق الجديد. إن العراق يجسد تحدياً مدنياً وعسكرياً في آن معاً.

وعلى نحو ما ظل يردد الجنرال ديفيد بترايوس (ص 45) فإن قضية العراق لا يمكن أن تحل عسكرياً بل ينبغي التماس حل سياسي لها. والمشكلة أنه كان هناك في دوائر السلطة العليا في العاصمة واشنطن من كان يرى خلاف ذلك بمعنى أن في يد الحل العسكري حسم الأمور في العراق.

وهنا يعرض كتابنا أيضاً إلى آراء الجنرال كولن باول وكان وزيراً للخارجية خلال شن الحملة على العراق وقد طرح باول معظم هذه الآراء في لقاءاته مع مجموعة بيكر ـ هاملتون المكلفة بالدراسة.. وتكشف هذه الآراء عن مدى التخبط والخلافات بين بنتاغون ـ وزير الدفاع رامسفيلد وبين دبلوماسية ـ باول وبين تخبط البيت الأبيض.

ثم بين هذا كله وما شهدته الساحة الميدانية في العراق حيث بعثوا إلى هناك ـ كما أكد باول (ص 49) عناصر إما كانت غير صادقة مثل أحمد الجلبي، أو كانت غير مؤهلة مثل المجموعة التي أنهت وجود الجيش العراقي، وبجرة قلم كما يقول الجنرال كولن باول.

المؤلف في سطور

بوب وودوارد هو رئيس التحرير المشارك لجريدة واشنطن بوست حيث عمل في سلك الجريدة المرموقة على مدار 37 عاماً.. ومن صفحاتها استمد صعوده إلى حد النجومية بوصفه محققاً وكاتباً صحافياً ابتداءً من كتاباته عن فضيحة ووترجيت. وبعدها نال جائزة بولتزر للصحافة في أميركا.

اهتم وودوارد بمتابعة التطورات في إدارة الرئيس الحالي جورج بوش ومن ثم حازت كتاباته أهمية ومصداقية واسعة النطاق، وخاصة انه يستخدم منهج توثيق الوقائع من مصادرها الأصلية. ومن أشهر الكتب التي أصدرها في هذا السياق ما حمل عنوان: القادة، وعقل بوش ثم «خطة هجوم» وأخيراً «حالة إنكار» .

الصفحات: 488

الكتاب: الحرب الداخلية ..تاريخ سري للبيت الابيض

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: سيمون اند شوستر