أصحو على أصوات زقزقة العصافير بدلا من أزيز المدافع والرصاص.. فأنا الآن متأكد أني سأصل إلى المدرسة في الوقت المناسب فلا حاجز سيعيق وصولي.. فرحت لأني استطيع أن أبصر الجانب الآخر من الشارع.. كيف لا وجدار الفصل أصبح في خبر كانص. تعابير وجدانية عن بصيرة تجاوزت ما تراه العيون.

وجد فيها الطفل الضرير عز الدين الزماعرة من مدينة الخليل، ابن الصف السابع الأساسي، ضالته في التعبير عن فلسطين المستقلة المحتفلة بعيدها العاشر للاستقلال عام 2018. وتابع، في خاطرته التي حازت على المركز الثالث في مسابقة «تخيل فلسطين عام 2018» التي نظمتها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع مؤسسة «صوتنا فلسطين»، واصفا حياته كطفل فلسطيني بدون احتلال واعتقال وحواجز «خطوات قليلة ووصلت إلى باحة المدرسة.

واصطففنا في طابور الصباح، نحيي ونبجل علم دولتنا الفلسطينية المستقلة وننشد له أعذب الألحان». زماعرة انتصر على عجزه البصري، وانتفض على حياة سُلبت من أطفال تحت نير الاحتلال، مطالبةً بحقه في الحياة كباقي أطفال العالم، قائلاً «أريد أن أقول الكثير للعالم ليسمعونا، حتى نعبر عن ما في داخلنا، عن أحلامنا وطموحاتنا، فمن حقنا أن نعيش كباقي الأطفال».

ومع أن عينيه لم تنقل له حقيقة ما حدث بين شطري الوطن، إلا أن حدسه وتعلقه بقضية وطنه، أوجد وحدة شطري الوطن في ركن من أركان حُلمٍ رسمه كلماتٍ على ورق، «نحلم بالحرية والاستقلال، في دولة متصلة الأطراف، وأن نرى شطري الوطن جسداً واحداً، وعلى العالم أن يسمع رغباتنا وأن يعمل على تحقيقها».

ولم يكتف زماعرة بأن يخط كلماته حروفا فقط، بل قادته بصيرته إلى أن يلونها على شكل لوحات فنية، ويجسدها بضربات قدمه على الأرض منتظما في صف دبكة شعبية على أهازيج الدلعونا وظريف الطول.

وأشارت معلمته في مدرسة «القبس» للاعاقة البصرية، عفاف خولي، إلى أن موهبة زماعرة بدت واضحة منذ وجوده في الصف الثاني، وأنه كان يواظب على القراءة في مكتبة المدرسة التي تعمل وفق نظام «بريل»، لافتةً إلى أسلوبه المميز في الرواية والكتابة، وقدرته على الإلقاء.

أما الطفلة آية فرعون صاحبة المركز الثاني، فلسطين من زاوية أخرى، قائلةً: «أصبحنا أول دولة مصدرة للزيت والزيتون، ونصنع السيارات»، وشاهدت أول امرأة فلسطينية على سطح القمر، كتكريم لها على ما عانت منه لتعلو فوق كل الأحزان.

ولم تكتف فرعون بهذا القدر، فتخيلت لفلسطين رئيسة، وخطت لها خطابا تحدثت فيه عن عظيم الإنجازات، وأعلنت عن استضافة الأولمبياد، راسمةً ملاعب خضراء، ومسابح زرقاء، وقوارب ملونة، وفنادق عامرة بالسياح من كل العالم.قدرة فرعون على الكتابة، لمسها والداها في مراحل مبكرة، وشجعاها ووفرا لها الجو المناسب.

فيقول والدها: «مارست الكتابة منذ الصغر، وكانت لها مجموعة من الخواطر، والدتها ساعدتها كثيراً، لافتا إلى أن ابنته شاركت بمسابقات كثيرة». آية فرعون الطالبة من بلدة العيزرية بالقدس، والتي تحدثت بطلاقة تجاوزت عمرها، قالت«عملت إشي منيح إني حلمت، نفسي حلمي يصير حقيقة، وعلم بلادي يرفرف بالعالي، الجميع لازم يحلم إنه يكون إلنا دولة والأسرى طلعوا والناس فرحانة، وإن شاء الله هالحلم بصير حقيقة».

ومن القدس إلى عمان، خطت الطفلة ريتا شحادة من طولكرم ما شاهدته على الطريق في رحلتها المبتكرة، فانطلقت من أمام مبنى الرئاسة الذي يرفرف عليه العلم الفلسطيني في القدس، واصفةً مطار قلنديا الدولي الذي يعج بالطائرات، تقلع وتهبط في شتى الاتجاهات.

وتمضي صاحبة المركز الأول تقول:«تزداد دهشتك عندما تواصل الحافلة طريقها دون توقف... ستتذكر الآن أن الطريق إلى عمان تخلو من الحواجز ونقاط التفتيش.. ما أقسى أيام الاحتلال، أصوات المروحيات والدبابات تملأ أذني، وتملأ رئتي برائحة الدم والدمار».

غزة ـ ماهر إبراهيم