يواصل المؤلف في هذا الجزء من الكتاب الذي نعرض له التأصيل لفكرته القائمة على وجود منافسين آخرين للولايات المتحدة في النظام الدولي قد يتزايد تأثيرهم وصعودهم خلال العقود المقبلة وهو في هذا الخصوص يؤكد على أهمية وحيوية ما يجري في الصين والهند.

واذا كنا قد تناولنا في الحلقة السابقة جانبا من رؤيته حول ما يجري في الصين، فإننا نستعرض في هذه الحلقة رؤيته لما يجري في الهند موطنه الأصلي والتي يصفها بالحليف فيما يصف الصين بالمنافس.وهنا ورغم ما يلمسه المؤلف من مفارقة التباين الكبير في الوضع بين ما هو عليه الهند من فقر باد للعيان وتنبؤات احتلالها مكانة متميزة عالميا على صعيد أركان النظام إلا أن المؤلف يجتهد في تفسير ذلك مشيرا إلى أوجه تشابه بين ما يجري في الهند والولايات المتحدة على حد سواء على صعيد ما يصفه بتوتر بين المجتمع والدولة هناك حيث تسبق خطى المجتمع خطى الدولة، منتهيا إلى العودة إلى قضيته الأصلية حول كيفية استجابة أميركا نفسها لعالم جديد هو عالم ما بعد أميركا.

في خريف 1982.. استقل الطالب الأسمر الطائرة من بومباي في طريقه للدراسة الجامعية في أميركا.. في مقعده بالدرجة السياحية المخفضة ظل يسترجع السنوات العشر التي انقضت في السبعينات.. وتوالت على ذهنه صور الأزمات الاقتصادية التي كانت تعصف بوطنه وأبناء الشعب الذي ينتمي إليه في «هند تلك الفترة» العصيبة من تاريخها الحديث.

توالت السنوات واستطاع الطالب الهندي أن يشق طريقه في الدراسة العليا.. ولكنه قرر البقاء في أميركا ليؤكد لنفسه مكانة ملحوظة في عالم الصحافة والسياسة والكتابة تحت اسم فريد زكريا.. وهو مؤلف الكتاب الذي نقلب صفحاته في هذه السلسلة من الحلقات.

كيف تطور الحليف؟

إن المؤلف لا يلبث أن يلحظ الفرق الكبير بين أوائل الثمانينات وبين أواخر التسعينات دع عنك السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين. ها هو يخصص فصلا كاملا - هو الخامس من كتابنا - لتركيز الحديث عن الهند وتجربتها في النمو الاقتصادي والتحول التكنولوجي.

نلاحظ بداية أن الفصل يحمل عنوانا من كلمة واحدة: الحليف. ونلاحظ أيضا أن الفصل الذي سبقه حمل عنوانا عرضنا له في الحلقة الماضية وهو: الغريم أو المنافس المتحدي. وبديهي أن المؤلف يخلع صفة المتحدي على الصين فيما يحتفظ بصفة الحليف للهند. وبديهي أيضا أن القياس هنا أو المقارنة هي مع أميركا أو مع مستقبل أميركا على وجه التحديد..

وقد تهمنا تلك المقارنة التي عقدها بين أزمة الهند في الثمانينات وبين أداء الهند الذي استعرضه مؤتمر دافوس الاقتصادي الشهير لدى انعقاده في سويسرا عام 2006.

في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص 130): على مدار السنوات الاثنتي عشرة التي حرصت فيها على حضور مؤتمر دافوس، لم أشهد بلدا استأثر بخيال المؤتمر ولا سيطر على محاوراته بأكثر من الهند. وفي عام 2006 وبعد أن حققت منجزات تجاوزت التوقعات بات القادة الأجانب يتقاطرون على زيارة الهند ويحرصون على تعميق وتمتين علاقات بلادهم مع هذه الأرض العجيبة العريقة.

رغم هذا كله يحرص المؤلف على التمييز بين منجزات كل من الغريم (الصين) والحليف (الهند) يقول: فيما أصبح صعود الصين حقيقة واقعة ومؤكدة فإن صعود الهند لا يزال حكاية تنتمي إلى مستقبل الأيام. صحيح أن الناتج القومي للفرد في الهند لا يزال عند مستوى 960 دولارا في السنة، إلا أن آفاق المستقبل تبدو محلا للاهتمام والتركيز وها هو الخبير الاقتصادي الاميركي غولد مان ساكس يتنبأ بأن اقتصاد الهند سوف ينمو ليصبح في عام 2015 (7 سنوات لا أكثر) في حجم اقتصاد بلد أوروبي متقدم هو إيطاليا.

فيما يتجاوز هذا الحجم ليلحق بمستوى اقتصاد بريطانيا شخصيا في عام 2020، ومن ثم يحتل مكانة ثالث اقتصاد في العالم في سنة 2040 إلى أن يحل منتصف القرن الحالي فإذا باقتصاد الهند - حسب المؤشرات الموثوقة حاليا - وقد تضاعف بمقدار 20 مرة بالتمام والكمال.

مع هذا كله يعترف كتابنا بأن الحليف «الهندي» وراءه قصة تبعث على الحيرة أحيانا، بل وعلى الارتباك - مشوبا بالإعجاب - في بعض الأحيان.. كيف؟

يضيف المؤلف قائلا: هذه الحيرة تنتاب الزائر أو الزائرة عندما يحل على أرض شبه القارة.. وبعدها يثور سؤال مخلوطاً بالاستغراب هو: هل أنت حقا تتكلم عن هذه.. الـ .. هند؟

والزائر عنده حق: للوهلة الأولى.. سوف يصادف مطارات عتيقة.. وطرقا متداعية وعشوائيات سكنية تكاد تمتد إلى ما لا نهاية وقرى يخيم عليها شبح الفقر والحرمان. والجواب هو: نعم.. أنا ما زالت أتكلم عن الهند.. فيها الفقر لا يزال (300 مليون إنسان يعيشون بأقل من دولار واحد يوميا) لكن فيها الأهم وهو.. «حالة» التغيير.. و«إرادة» التغيير: فيها العشوائيات.. ولكن فيها أيضا مواقع عديدة تحاكي وادي السيلكون الاميركي الشهير الذي يعد رمزا للتقدم التكنولوجي وموئلا للابتكار العلمي وتجسيدا مقتدرا لصناعة المستقبل.

والمعنى هو أن التغير ومن ثم التقدم في الهند يتحرك من أسفل إلى أعلى.. من القاعدة إلى القمة إن شئت التعبير.. وربما يكون بذلك على عكس التقدم في الصين حيث توجد حكومة مركزية قوية (وحزب واحد يحكم ويخطط ويؤشر) أما في الهند فالمؤلف يقول - أن ليس هناك حكومة مركزية تمتلك كل سلطات نظيرتها في بكين..

بل يذهب المؤلف - وربما يبالغ قليلا - إلى أن التطور - النمو في الهند لا يتم بسبب الحكومة.. بل يكاد يتم «برغم» الحكومة ذاتها وبالذات على يد شرائح وفعاليات القطاع الخاص الذي يستمد جذوره من تراث الهند في التعامل التجاري والإنتاج الحرفي الممتد عبر مئات سبقت من عمر الزمان.

عند هذه النقطة نوافق المؤلف عندما وضع أصبعه على أهم عنصر ثمين تمتلكه تجربة التطور في الهند هذا العنصر يلخصه كتابنا في عبارات تقول: إنه رأس المال البشري.. متمثلا في فئات متزايدة من جماعات المستثمرين ومنظمي المشاريع والمديرين والأفراد الموهوبين بمهارات العمل والتجارة والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

وعند هذه النقطة أيضا نكاد نستنبط مع المؤلف أحد الآثار الجانبية - الإيجابية هذه المرة - الناجمة عن عقود الاستعمار البريطاني لشبه القارة الهندية. صحيح أن بريطانيا استغلت الهند وثرواتها عشرات السنين - لكن الهند استقلت ورحلت بريطانيا عن أرضها.. ولكن بقيت ميزة أساسية تستثمرها التجربة الهندية باقتدار ملحوظ وهذه الميزة هي ببساطة .. اللغة الانجليزية.

هذا هو الجسر الذي أحسن الهنود استغلاله لكي يؤسسوا بينهم وبين الغرب صلات مباشرة في مجالات التطوير والبحث العلمي وخاصة في مضمار تكنولوجيا الحواسيب الالكترونية وإلى درجة النبوغ على ما تشهد به حاليا مواقع التميز في ربوع الهند وفي مقدمتها منطقة بنغالور.

وبالأرقام يرصد المؤلف واقع هذا التحول الراهن في التجربة الهندية على النحو التالي: أصبح الناتج المحلي الإجمالي للهند يتألف من 50 في المئة خدمات ، فضلا عن 25 في المئة صناعات ثم 25 في المئة في مجال الزراعة.

ولمزيد من توضيح هذه الصورة - الحالة الرقمية يقول فريد زكريا: إن التباين والانقسام في الهند لهما مزايا عديدة، فهو أولا يؤدي إلى التنوع وإلى شحن النشاط المجتمعي بفعل روافد عديدة كما يحول دون أن يقع البلد في براثن ديكتاتورية الاستبداد.

صحيح أن هذا الانقسام أو التنوع له مشاكله من جانب آخر وفي مقدمتها أنه يؤدي إلى تعقيد الأمور بوجه حكومة «عموم» الهند، وبمعنى أن يصعب على العاصمة نيودلهي أن تحدد بدقة أبعاد المصلحة القومية للبلاد في عمومها أو أن تحشد البلد كله من خلفها لكي تنطلق في تنفيذ سياسات تحقق أهدافا تتبناها وتتوخاها الحكومة (المركزية) سواء في مجال الاقتصاد أو في ميدان السياسة الخارجية. إن رئيس وزراء الهند - على نحو ما بينه المؤلف (ص 164) يمتلك القوة أو القدرات والسلطات على المستويات القومية على نحو ما كان يتمتع به الزعيم جواهر لال نهرو منذ حوالي خمسين عاما..

و(أتصور) أن أي رئيس وزراء في نيودلهي لن ينتهج من بعد هذا السبيل. والحاصل أن منصب رئيس الوزراء الهندي قد تحوّل من موقع القائد الأعلى إلى وظيفة رئيس مجلس الإدارة. يبقى في هذا الفصل قضيتان: الأولى تتعلق بالصين منافسا والثانية تتعلق بأميركا متحالفا.

عن الصين يقول الكتاب: لو كان ثمة سباق أصلا بين الهند والصين فإن مثل هذا السباق آذن إلى نهايته.. لماذا؟ لأن حجم اقتصاد الصين يساوي أضعاف حجم اقتصاد الهند.. فضلا عن أن الاقتصاد الصيني يخطو بوتيرة متسارعة ومتلاحقة..

ومهما كانت التوقعات فإن أرجحها يطرح سيناريو يفيد بأن تظل الصين سابقة على الهند التي لن تتردد من جانبها بأن تستثمر ميزاتها النسبية، سواء من ناحية نمو الاقتصاد أو جاذبية الديمقراطية أو فضائل التسامح والحرص على عدم التداخل بين العقائد الدينية وبين السياسة المتبعة أما عن أميركا فالمؤلف يعيدنا إلى الوشيجة المشتركة بين الطرفين في واشنطون. دلهي وهي اللغة الإنجليزية، ويزيد على ذلك ما يراه نوعا من التماثل بين تجربة الهند في صعودها الحالي وتجربة أميركا نفسها في صعودها الماضي خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر..

وهو يتصور أن قوة الهند ومكانتها في المستقبل إنما تتأتى من خلال انصهارها حتى في أتون الأزمات والمشاكل وبما يوحد صفوفها ويجبر انقساماتها ويزودها بإمكانات متجددة تدفع مسيرتها إلى الأمام، تماما كما كانت تجربة الحليف الاميركي الذي كان عليه أن يواجه أزمات عاتية خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهي الأزمات التي صهرت أميركا في بوتقة التجربة..

وإذا بها تخرج قوة عظمى يحسب لها حساب في موازين العلاقات الدولية. في كل حال يرى المؤلف أن ثمة توترا بين المجتمع والدولة في كل من الهند وأميركا حيث تسبق خطى المجتمع خطى الدولة بمعنى أن المجتمع.. يتحرك ويبدع وينتفض بالحيوية ويشكل دافعا من أجل التقدم.. بينما تتعثر الدولة في خطاها وقدراتها سواء في إدارة دفة الأمور المجتمعية في الداخل أو في معالجة قضايا السياسة والعلاقات الدولية في خارج الحدود.

ولأن كتابنا مهموم أصلا بأميركا وهي محور تركيزه الأساسي.. فإن المؤلف يمهد للطروحات الأخيرة من الكتاب بسؤال يختم به الفصل الخامس ويقول فيه: ترى.. كيف تستجيب أميركا نفسها إلى عالم جديد هو عالم ما بعد أميركا؟

الصفحات: 292

الكتاب: عالم ما بعد أميركا

تأليف: فريد زكريا - عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: نورتون وشركاه - نيويورك