اعترف وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي عبد ذياب العجيلي انه لا يملك ضمانات أمنية لمن يرغب من الأساتذة العراقيين في الخارج للعودة إلى العمل في الجامعات العراقية وقال« هذه ليست مسؤوليتي» وأضاف في حوار مع «البيان»: «أنا لا أقول إن الوضع الأمني جيد فارجعوا.. ولا أقول الوضع الأمني جيد فلا ترجعوا».

وأشار العجيلي إلى امتلاك وزارته خطة للتعليم العالي تتضمن محاور متعددة البرامج للارتقاء بالعملية التعليمية. وقال إن خطة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لإرسال 10 آلاف مبتعث إلى الخارج تستهدف نشر اكبر عدد من الطلاب العراقيين المتميزين في دول العالم لاكتساب المهارات العلمية والبحثية والتقنية. والى نص الحوار:

أطلقتم مشروع استراتيجية التعليم العالي في العراق منذ أن تسلمتم قيادة هذه الوزارة. ما هي فكرة هذا المشروع وما هي أهدافه؟

فلسفتنا في التعليم وغير التعليم أن أي هدف يُخطط له بعلمية يكون الوصول إليه ليس بالشيء العسير. وعندما تكون هناك خطة واضحة يجب أن تكون هناك خطة تنفيذية موازية لها وتوقيت زمني لكل نشاط من أنشطة هذه الخطة ؛ لذلك ارتأينا أن نعد خطة للتعليم العالي تتضمن محاور متعددة منها البرامج الدراسية وطموحنا المستقبلي لها والى أين سنصل بعد عدد من السنوات إلى هدفنا في خلق مناهج دراسية بديلة، فالمناهج الدراسية المعتمدة الآن يجب أن يعاد النظر بها وتحديثها لتواكب العملية العلمية المتقدمة في العالم وتلبي احتياجاتنا التعليمية من الخبرات والكفاءات العلمية.

ومن جانب آخر فقد نظرنا إلى نظام القبول وهو نظام مركزي يعتمد معدلات الطلبة الامتحانية فكيف نحسّن هذه الآلية القديمة؟ فهل نستمر بنفس الآلية أم نعطي الأولوية لاهتمامات الطالب ورغباته العلمية أم ننظر إلى أهمية الموقع الجغرافي ! هذه بعض أسئلة تواجهنا في استراتيجيتنا الجديدة، أما غيرها من الأسئلة فتتعلق بأنظمة الاتصالات وتقنية المعلومات وكيفية توظيفها لتخدم المصالح العلمية في الجامعات العراقية.

كما أن لدينا اهتماماً كبيراً بالبحث العلمي وبدأنا في خطة مهمة هي أن نرسل جميع طلبة الماجستير والدكتوراه إلى خارج العراق لفترة زمنية بين ثلاثة إلى ستة أشهر للإستفادة من الخبرات الخارجية والتقنيات المتطورة والاطلاع على البحوث المنجزة وهذا يشمل الأساتذة المشرفين على هؤلاء الطلبة لتعميم الفائدة المشتركة.

أطلق رئيس الوزراء مشروعاً يقضي بإرسال عشرة آلاف بعثة دراسية إلى خارج العراق على نفقة الدولة. ما هي آليات هذا المشروع؟

ـ هذه خطة عملاقة يراد منها نشر أكبر عدد ممكن من طلبتنا المتميزين في دول العالم لاكتساب المهارات العلمية والتقنية والبحثية ولابد من التوضيح فنقول إن هذه البعثة الكبيرة ستوزع على عدد من السنوات تصل إلى خمس سنوات وتوزع على جميع محافظات العراق والوزارات على أن تكون الحصة الأكبر لوزارة التعليم العالي ونراعي في آليات الاختيار الاختصاصات المطلوبة التي تحتاجها الجامعات والوزارات.

ولا يوجد شرط مسبق على ارسال هذه البعثات إلا شرط الكفاءة والمعدل وستكون بعثاتنا إلى الدول الناطقة باللغة الانكليزية في اوروبا وأميركا وبريطانيا والهند وماليزيا وغيرها علماً ان هذه البعثات ستحتاج إلى ميزانية مالية ضخمة ونحن ننتظر موافقة مجلس النواب لتكون ضمن موازناتنا للعام الدراسي 2009.

هناك مشاكل مختلفة يتعرض لها الطلبة العراقيون خارج البلاد وخاصة المالية والاجتماعية. هل تابعت وزارتكم مثل هذه المعوقات المختلفة وهل قدمتم لها الحلول المناسبة؟

ـ أغلب المشكلات التي يعاني منها طلبة البعثات العراقية هي المشكلات المادية بسبب غلاء المعيشة في الدول التي يدرسون فيها، فميزانية البعثات وُضعت قبل سنتين إذ كان الوضع المعاشي وقتها مختلفاً في كثير من البلدان، أما الآن فقد ازدادت نسبة الغلاء في معظم دول العالم ونحاول معالجة هذه المشكلة أو الشكوى التي تصلنا بين الحين والآخر. أما المشكلات الإجتماعية فهي قليلة إذ يعاني البعض من صعوبة التكيف في بلد آخر بعد أن يخرج من الوطن وعدد قليل من الطلبة طلب العودة ونحن نساعدهم على تحقيق هذه الرغبة.

استحدثتم فكرة « الإعتمادية الدولية» أو الدائرة المعلوماتية الدولية في وزارة التعليم العالي ما هي آفاق هذه الاعتمادية والى ماذا تسعون من خلالها؟

ـ تحاول الجامعات العراقية تطبيق إدارة الجودة « الإيزو» ومن ثم تتحول إلى الاعتمادية الدولية بمعنى أن لديها برامج علمية مختلفة تعمل عليها فهل هذه البرامج هي بالمستوى المطلوب عالمياً؟

لذلك فثمة لجان متخصصة تزور العراق وتطّلع على مثل هذه البرامج لأجل تقييمها، ومن خلالها تقيّم الأستاذ عبر بحوثه ودراساته وتقيّم الطالب من خلال مستواه العلمي ودرجاته وإسهاماته في ميدان بحثه وهل عمل الطلبة بالمستوى المطلوب.كما تقيم عمل المختبرات وبقية المستلزمات المادية بما فيها الكادر والتمويل وما إلى ذلك من مفردات كثيرة تتكافل لإنجاح الاعتمادية الدولية.

هذه اللجان تكون مهمتها تقييمية محضة لترى أي البرامج التي تنجح بتطبيقاتها.. وإننا الآن بدأنا بجمع البيانات بأخذ عينات من أسئلة وأجوبة الطلبة ويتم اعادتها من قبل متخصصين لنرى إن كانت هناك اختلافات ما..

هل هناك توأمة بين الجامعات العراقية والجامعات العربية أو الأجنبية؟

ـ محدودة،، وقد يكون هذا على الورق فقط..؟؟

دعوتم إلى عودة حملة الشهادات العلمية من الأساتذة إلى التدريس في الجامعات العراقية فما هي الضمانات المادية والمعنوية والأمنية في حال عودة هؤلاء..؟

ـ لا أستطيع إعطاء ضمانات أمنية فهذه ليست من مسؤوليتي ! أنا لا أقول الوضع الأمني جيد فارجعوا ولا أقول الوضع الأمني سيئ فلا ترجعوا.. الجميع يستطيعون تقييم الحالة الأمنية من قبل ذويهم وأقاربهم واصدقائهم المتواجدين في العراق.لم نقل للأساتذة ارجعوا وقدموا طلبات العودة، إنما فتحنا موقعاً إلكترونياً وبريداً يستطيعون من خلاله المراسلة وتقديم طلباتهم أما بخصوص عودة حملة الشهادات العليا فأقول أن لدينا درجات وظيفية وتخصيصات مالية تناسب الشهادات التي حصل عليها هؤلاء الأساتذة.

وفعلاً وصلتنا أعداد كبيرة من طلبات العودة وتم تعيينهم جميعاً بعد إعادتهم إلى جامعاتهم، وبخصوص مستحقاتهم فهي ضمن الوضع القانوني المتعارف عليه ونساعد العائدين باحتساب خدمتهم الجامعية خارج العراق لأغراض الترقية والتقاعد.

ما مصير الأساتذة الذين تركوا التعليم الجامعي ولم يمارسوه في العراق إلا لسنوات قليلة؟

ـ إذا كانوا يمارسون العمل الأكاديمي في جامعات عربية أو أجنبية معترف بها ولديهم ترقيات علمية فنعاملهم بالشكل القانوني الذي يضمن لهم حقوقهم.

هناك أساتذة تركوا العراق من سنوات طويلة ولم يمارسوا التعليم الجامعي لظروفهم المختلفة والتجؤوا إلى أعمال أخرى بعيداً عن اختصاصاتهم العلمية والأكاديمية، كيف تتعاملون مع هذه الحالات؟

ـ هذه مسألة مختلفة.. لكن ممكن أن نحتسب له جزءاً من السنوات التي قضاها في التعليم الجامعي كخدمة.. هناك قوانين لا يمكن لنا تجاوزها..

هل هناك إحصائية لعدد الأساتذة العائدين إلى الجامعات العراقية؟

ـ لحد الآن وقّعتُ إعادة 150 أستاذاً جامعياً..مع أن هذه الإحصائية ليست دقيقة.

ألا ترى أن العدد قليل قياساً لحجم الأساتذة المهجّرين خارج العراق؟

ـ العدد قليل فعلاً ولكننا نأمل بزيادته في المستقبل القريب فهناك أعداد أخرى ستعود.

ألا ترى أن الجانب المالي له دور كبير في إقناع الكثيرين بالعودة إلى التعليم في الجامعات العراقية؟

ـ لا اعتقد ان هذا الجانب يمنع من العودة.لكن الأهم منذ ذلك هو عدم وضوح المستقبل في البلد. العائد يريد أن يرى رؤية واضحة في الاتجاه الحقيقي الذي يسير إليه البلد.. كثيرون منهم لم يستطيعوا أن يحددوا رؤية الاتجاه السياسي العام في العراق والى أين يذهب في نهاية المطاف !

وزارتكم متهمة خلال السنوات الخمس الماضية بأن شهاداتها العلمية لا ترقى إلى مستوى الشهادات التي كانت تُمنح سابقاً؟

الكلام الذي يقال كثير في بلد كله اشاعات ودعايات مغرضة ولكن عندما نحقق بها لا نجدها كما تُصوّر. وهنا أود القول إن مستوى البحث العلمي في جامعاتنا العراقية هو بالمستوى المطلوب وكثير من باحثينا العلميين ينشرون في مجلات عالمية متميزة وكثير من الأطروحات هي بمستوى عالٍ.

ولكي نرصّن العملية التعليمية وضعنا الكثير من الضوابط لتبيّن الاعتمادية الدولية أننا ماضون في الطريق الصحيح إلى مستقبل علمي أفضل وارقى.. قد يكون هناك خلل ما في مكان ما ولكن ليس كما يصورونه. واذا ما قورن التعليم الجامعي العراقي بنظرائه في بعض الجامعات العربية فسيكون تعليمنا أرقى بلا شك. في السنة الماضية اُمتحِن 34 طبيباً عراقياً في البورد العربي في سوريا وكانوا من الأوائل وقبلها بسنة واحدة كانت النتائج راقية أيضاً.

أصدرتم قراراً لعودة الطلبة العراقيين الذين يدرسون خارج العراق على نفقتهم الخاصة من الذين هُجّروا.. ما هي حيثيات هذا القرار؟

الفكرة هي عودة المهجرين إلى العراق.فالطلبة الدارسون في جامعات معترف بها بإمكانهم أن يعودوا إلى نفس مستواهم الدراسي شرط معادلة المواد الدراسية لأنها تختلف بين جامعة وأخرى وهذه مسألة معروفة بين الجامعات..

وأعتقد أن العودة إلى الدراسة الجامعية في العراق ستوفر لطلبتنا الكثير من العوائد المالية فالدراسة في الخارج تتطلب مبالغ طائلة والدراسة في الجامعات العراقية مجانية كما أن الحياة هنا حتى في مثل هذه الظروف هي أرخص نسبياً من اي مكان في العالم.

هناك استفسار بمثابة اتهام لوزارتكم تتعلق بالملحقين الثقافيين في سفارات العراق بالخارج، فتعيين هؤلاء كما يتردد جاء من باب الأخوانيات أو التحزبات الطائفية أو الوساطات الشخصية بعيدا عن الكفاءة ما هو تعليقكم على هذا؟

هذا الكلام إلى حد ما صحيح..أنا شخصياً لم أرسل أي ملحق ثقافي دون المستوى المطلوب. لكن حدثت مثل هذه الأمور عندما لم نكن في الوزارة فأُرسِل ملحقون ثقافيون ليسوا بالمستوى المطلوب والآن نقيّم عمل هؤلاء ومن يثبت أنه لا يصلح كملحق يعود إلى الوطن.. هناك إشكاليات كثيرة.. البلاد ليست في حالة مستقرة، فقد خرجت من فوضى ولا تزال إلى حد ما ومثل هذه الفوضى تنعكس بلا شك على كل قطاعات المجتمع ولكننا لا نريدها أن تنعكس على وزارة التعليم العالي..

هل أنت شخصياً قادر على تغيير أي ملحق ثقافي ام أنك ربما ستصطدم بأحزاب وميليشيات ومؤسسات دينية..؟

ـ نستطيع التغيير مع احتمالية الاصطدام..!

كونكم عالماً في التقنيات وعلى رأس وزارة مهمة كيف هو حال جامعات العراق في عالم يشهد تطورات جبارة في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والثورة الرقمية؟

لدى جامعاتنا إمكانيات تقنية جيدة وهناك جهود كثيرة تبذل في هذا الجانب لكنها جهود مبعثرة عموماً. وتم تشكيل لجنة من أجل جمع أي جهد وتوجيهه بشكل صحيح. لدينا أجهزة حديثة وصلت من كوريا و40 سيرفر وهناك تعليم الكتروني في بعض الجامعات وفي خطة عام 2009 سيتم شراء الكثير من الأجهزة العلمية والتقنية..

تفاؤل

قال وزير التعليم العالي العراقي انه متفائل بشأن مستقبل العراق وأوضح «أقول ان العراق ماضٍ في طريقه. متفائل بالعقلية العراقية التي ابتعدت عن كل ما يسيء إلى عراقية العراقي وسمعته. الناس ابتعدت عن التحزبات والتكتلات الطائفية وابتعدت عن الأحزاب الدينية. هذا يجعلني متفائلاً وهذا شيء جيد».

وعن التعاون مع الجامعات العربية وبينها الإماراتية قال انه «محدود حتى الآن» وانه «لم يكن هناك انفتاح عام على الدول العربية بالشكل المطلوب ونحاول أن نستعيد مثل هذه العلاقات الأخوية في المستقبل القريب. وسندخل إلى الساحة العلمية العربية بقوة ونشاط ».

وأشار إلى ان وزارته «بدأت أولى خطواتها في تقديم مجموعة مقترحات أرسلت إلى جامعة الدول العربية تتعلق بمقترح نظام ترقيات موحد للجامعات العربية وأن يكون نظام بحوث موحدا أيضاً».

وأضاف «فيما يتعلق بعلاقتنا مع الجامعات الإماراتية فقد منحتنا على مرحلة البكالوريوس حوالي 20 زمالة دراسية وهذا دعم جيد من دولة الإمارات العربية لكننا واثقون من المرحلة القادمة التي ستشهد دعماً أقوى وتعاوناً شاملاً في المجالات العلمية والبحثية وفي صناعة البرمجيات إذ لدينا الآن هيئة للحاسبات بدأت بتصنيع الكثير من البرمجيات والتي ممكن تسويقها إلى الدول العربية فلدينا الأسس والبنية التحتية بهذا المجال لكن نحتاج إلى تنظيم وإعادة ترتيب».

بغداد ـ وارد السالم