صبيحة 17 سبتمبر 1982، استيقظ العالم على هول مجزرة مخيفة بحق لاجئي مخيمي صبرا وشاتيلا بجنوب بيروت، تحت أنظار قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال غزوها الشامل للبنان الذي حمل زورا اسم «عملية سلام الجليل»، بقيادة رئيس الوزراء مناحيم بيغن ووزير الدفاع أرييل شارون ورئيس الأركان رافائيل ايتان.
بعد مرور 26 سنة على المذبحة التي ذهب ضحيتها آلاف الفلسطينيين واللبنانيين، لم تزل فصول تلك المأساة الرهيبة حاضرة في الأذهان، عندما بدأت الساعة الخامسة مساء 16 سبتمبر 1982 حين دخلت عصابات الموت إلى المخيم، وأطبقت على سكانه المدنيين قتلاً بلا هوادة، وبينهم أطفال في سن الثالثة والرابعة أغرقوا بدمائهم وحوامل بُقرَت بطونهن ونساء اغتصبن قبل قتلهِنّ ورجال وشيوخ ذبحوا. نشرت تلك العصابات الرعب في المخيم وتركت ذكرى سوداء مأسوية وألماً لا يمحوه مرور الأيام في نفوس الناجين. بعد 48 ساعة من القتل تحت سماء أنارتها القوات الإسرائيلية بالقنابل المضيئة، أحكمت الآليات الإسرائيلية إغلاق كل مداخل النجاة إلى المخيم، فلم يسمح للصحافيين ووكالات الأنباء بالدخول إلا بعد انتهاء المجزرة في 18 سبتمبر، ليجد العالم آلاف الجثث المشوهة لأطفال وشيوخ ونساء ورجال من الفلسطينيين واللبنانيين على السواء.
هزت هذه المذبحة في فظاعتها الضمير الإنساني والعالمي بمجرد نقل أجهزة الإعلام أخبار وصور ضحاياها إلى مختلف أنحاء العالم. وروعت هذه المأساة الناجين وتركت في نفوسهم ندوباً من الألم، بعدما فقدوا كل شيء، خاصة آباءهم وأمهاتهم وأخوتهم وإخوانهم وأطفالهم وزوجاتهم وبيوتهم وصور الأحبة وأشياءهم الأليفة، ولم يتبق لهم من كل ذلك إلا ذكريات الجثث المشوهة وغبار الشوارع وأنقاض المنازل المهدمة.
لم يزل غير معروف على وجه الدقة ما إذا كانت مذبحة صبرا وشاتيلا قد نفذت بأيدي عصابات من حزب الكتائب اللبنانية بقيادة أيلي حبيقة، غير أن الأكيد أنها ارتكبت تحت أنظار القوات الإسرائيلية بقيادة شارون وايتان. ولم يعرف بدقة أيضا عدد القتلى الذين تشير التقديرات إلى أنهم بين 700 و3500 قتيل، أغلبهم من الفلسطينيين، ولكن بينهم لبنانيون أيضا. ففي ذلك الوقت، كان المخيم مطوق بالكامل من الجيش الإسرائيلي.
ولم تعرف الدرجة التي تورط بها الجيش الإسرائيلي في المذبحة، ولكن لجنة التحقيق الإسرائيلية «كاهان» نفسها أقرت بأن القيادة العسكرية الإسرائيلية التي كانت مسؤولة عن سلامة المدنيين في المناطق المحتلة تجاهلت إمكان حدوث مذبحة، ولم تفعل ما كان متوقع منها لوقف المذبحة عندما تلقت المعلومات عنها.
ويروي أحد سكان مخيم برج البراجنة أنه كان في السادسة عشر من عمره عندما سمع للمرة الأولى عن مجزرة صبرا وشاتيلا، عندما كان خارجاً من صيدلية عثمان في برج البراجنة بعدما اشترى المهدئات لوالدته التي كانت على حافة الانهيار العصبي، بعد ثلاثة أشهر من القصف الإسرائيلي لبيروت الغربية. ويضيف أن مقاتلاً فلسطينياً أخبره عن المجزرة في طريق عودته من الصيدلية.
وقال «ما زلت أذكر وجهه، كان أشقر وذا لحية قصيرة وعينين زرقاوين متعبتين. اسمه طارق». وأضاف: «لقد أخبرني وبعض المارة أن الإسرائيليين وبعض اللبنانيين يقتلون الناس بالسكاكين والبلطات وأنهم يقتلون الأطفال ويغتصبون النساء.
في البداية لم أصدقه أو على الأصح لم أرد تصديقه. لذا عدت إلى البيت وقمت بتشغيل الراديو وأخذت في الانتقال من محطة لأخرى لأتحقق من الخبر». ويتابع «وبعد حيرة أدركت في الساعات المتأخرة من الليل أن شيئاً فظيعاً يحدث. ومشاهدة القنابل المضيئة تنير عتم مخيمي صبرا وشاتيلا عززت مخاوفي».
وزاد الشاهد الحي الذي نجا من المذبحة «لقد أمضيت بقية الليل على سطح المنزل قرب الراديو. وفقط في ساعات الصباح المبكرة بدأت إذاعة لبنان العربي باستجواب لشهود عيان للمجزرة، وأن هنالك مصادر مختلفة أبلغت بحدوث مجزرة في صبرا وشاتيلا».
ويضيف«في الصباح أعلنت إذاعة لبنان الرسمية أن الإسرائيليين وحلفائهم اللبنانيين قد انسحبوا من محيط المخيمين وأن الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي قد أخذت بزمام الأمور هناك. وتدفق الصحافيون ومراسلو التلفزيون اللبنانيون والأجانب إلى المخيمين».
وأفاد أنه «عند الظهر قررت أن أذهب وأشاهد بنفسي ما جرى. المخيمان كانا على بعد ميلين من برج البراجنة لذا عزمت الرأي على أن أذهب سيراً.
ما زلت أذكر المسار الذي سلكته: شارع الأمام علي (حيث كنت أسكن)، شارع عثمان، المنشية، شارع بعجور، حارة حريك، الغبيري، طريق المطار، نزلة السفارة الكويتية. لقد دخلت عبر المدخل الجنوبي لمخيم صبرا. ولقد كانت المنطقة تزدحم بالجنود اللبنانيين ورجال الصليب الأحمر والهلال الأحمر والصحافيين، وأنوفهم كانت مغطاة».
ويسترجع شريط الأحداث من الذاكرة المتعبة بعبء آلام الفقدان، ويقول: «كما أذكر فقد رأيت جيفة حمار رمادي وقد اخترقه الرصاص وحام عليه الذباب. وعلى بعد أمتار عدة أسفل الطريق كانت ملقاة جثة رجل عجوز. وقد كان يلبس كما لو كنا في يناير: معطفاً من الصوف... لقد شعرت بالغثيان ومع هذا قررت المتابعة».
وأضاف وخيط أسى وحزن يتخلل حديثه: «رأيت امرأةً في منتصف عمرها ترقص بشكلٍ هستيري فوق كومة من جثث الأطفال وتشد شعرها وتلطم وجهها وتغني بشكلٍ مبهم. وكان هنالك رجل ينشج من البكاء وهو يحاول إسكاتها لكن دونما نجاح».
وختم مكلوما «ما زلت أذكر وجهها الممتقع المجعد والدامي، شعرها الرمادي والحناء على ذقنها. وجوار كومة الجثث كانت تجثم امرأةً أصغر في السن من السابقة، وكان وجهها مغطاً بالتراب. فجأة رفعت جسدها وبدأت بشق ثوبها إلى أن منعتها امرأة أخرى تصيح: الله يا خدك يا إسرائيل».
شارون يفلت بموته «السريري» من العقاب ولجنة التحقيق حاولت تبرئته بادانة إيلي حبيقة
جسدت مذبحة صبرا وشاتيلا علامة على مرحلة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي بعد توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاق كامب ديفيد مع إسرائيل، التي استثمرته لصالح التوسع واحتلت أول عاصمة عربية.
ورغم محاولة أطراف كثيرة طمس الشراكة اللبنانية من جانب (طرف بعينه) إلا ان إسرائيل اتهمت في البداية قوات العميل سعد حداد بارتكاب المذابح التي وقعت في المخيمات وذهب ضحيتها ما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمئة شهيد من المدنيين.
وتداركت إسرائيل موقفها لصالح عميلها حداد، وعادت لتنفى أن يكون لقواته دخل في المذابح وأعلنت أن حزب الكتائب (ابان رئاسة بشير الجميل) هو الذي قام بارتكاب المجازر البشعة داخل المخيمات.
وقالت: «حاولنا بما في ذلك استخدام القوة ضد العناصر المتطرفة من الكتائب لمنعها من ارتكاب المجازر ضد اللاجئين».
وأعلن وقتها بيان الحكومة الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي «أجبر الميليشيات المسيحية على مغادرة المخيمين فور علمه بوقوع الحادث إلا أن القوات اللبنانية ومجلس الأمن الكتائبي نفيا ما تردد عن مشاركة عناصر كتائبية في الأحداث التي جرت في المخيمات الفلسطينية في بيروت الغربية.
على امتداد 43 ساعة في أيام 16و17، و18 سبتمبر تمت المذبحة بالتخطيط والتوجيه والإشراف من جانب آرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي الذي افلت من العقاب بمرضه الذي أقعده «ميتا سريراً».
وخلصت لجنة تحقيق قضائية إسرائيلية برئاسة القاضي كيهان والذي أصبحت تعرف باسمه في تقريرها النهائي العام 1983 بأن المسؤول المباشر عن قيادة هذه المذابح هو إيلي حبيقة الذي كان يقود ميليشيات الكتائب بلبنان. وأكدت أن شارون وعددا من الضباط الكبار بالجيش الإسرائيلي كانوا مسؤولين مسؤولية غير مباشرة عن هذه المذابح. وبعد إعلان نتائج التحقيق استقال شارون أو أقيل من منصبه.
وتشكلت لجنة تحقيق دولية العام 1982 بمشاركة رجال قانون بارزون من أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيرلندا برئاسة المحامي والسياسي الإيرلندي البارز شون ماك برايد الحائز على جائزة نوبل للسلام في العام 1974.
وأكدت اللجنة في تقريرها بأن إسرائيل تتحمل العبء الأكبر من المسؤولية القانونية عن مذابح صبرا وشاتيلا وذلك لأن إسرائيل كقوة احتلال كانت تسيطر على منطقة المذابح وبالتالي فهي مسؤولة عن حماية السكان طبقا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 التي وقعت عليها إسرائيل وأصبحت ملزمة لها.
واستخلصت اللجنة بناء على الحقائق المقدمة إليها أثناء الجولات التي قامت بها إلى كل من لبنان وإسرائيل والأردن وسوريا وبريطانيا والنرويج بأن إسرائيل ساهمت في التخطيط والتحضير للمذابح ولعبت دورا في تسهيل عمليات القتل من الناحية الفعلية واعتبر اللجنة مذابح صبرا وشاتيلا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ورأى أغلبية أعضاء لجنة التحقيق الدولية انها جرائم إبادة (جينوسايد).
وقائع
في ابريل 2003 صدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت كتاب: صبرا وشاتيلا... لللدكتورة بيان نويهض الحوت جمعت بين دفتيه شهادات الناجين من سكان صبرا وشاتيلا من الفلسطينيين واللبنانيين، لتقدم مشاهد حية على بشاعة حقول القتل الجماعي التي ارتكبها السفاحون.
تورد د. بيان نويهض في كتابها تفاصيل لغز قذيفة الآر.بي.جي التي أطلقها شخص مجهول على تجمّع للقتلة وهرب القتلة المدججون بالسلاح خارج المخيّم لينقذ الجرحى المساقين للذبح.
وتلخص الحكاية في إيجازها على التناقض بين وحشية القاتل الإسرائيلي وعميله اللبناني من جهة، وخوائه وذعره الداخلي الذي يتفوق على ذعر الأطفال.
بعد نحو عشر سنوات في يوليو 2006 استهدفت قانا بقصف إسرائيلي مما أدى إلى سقوط 30 مدنيًّا بينهم 30 طفلاً. ونفذت المذبحة في عهد حكومة حزب العمل وأطلقت عليها اسم «عناقيد الغضب» استنادا إلى قاعدة إطلاق أسماء توراتية على أبشع العمليات العسكرية.
نقطة ضوء
مجازر «السلام الفتاك»
من الخطأ اختزال الإرهاب الصهيوني في مجرد مذبحة أو مجزرة نفذت فصولها سواء على أرض فلسطين أو على التراب اللبناني أو في أي أرض عربية، بأيدي الإرهابيين الإسرائيليين العابرين للحدود.
والحاصل أن إسرائيل ككيان ودولة غاصبة لفلسطين في العام 1948 قامت أساسا على عقيدة تمجد الإرهاب والقتل وترويع المدنيين أصحاب الأرض وإجبارهم على النزوح وتشريدهم، حتى يمكن للمهاجرين اليهود القادمين من أرجاء العالم أن يرثوا هذه «الأرض التي بلا شعب».
وتستند عقيدة السفاحين الإسرائيليين إلى أدبيات الإرهابيين الأوائل من أمثال فيلاديمير جابوتنسكى الأب الروحي لأسطورة «إسرائيل الكبرى» وملهم تلميذه مناحيم بيغين الذي نفذ مذبحة صابرا وشاتيلا ابان رئاسته للحكومة الإسرائيلية، فضلا عن كونه راعى مذبحة دير ياسين في 9 أبريل 1948 والتي نفذتها منظمتان عسكريتان صهيونيتان هما: الآرغون (التي كان يتزعمها بيغين) وشتيرن (التي كان يترأسها إسحق شامير الذي خلف بيغين في رئاسة الوزارة)، وتم الهجوم باتفاق مسبق مع الهاغاناه، وراح ضحيتها زهاء 260 فلسطينيّا من أهالي القرية العزل.
وانطلاقا من عقيدته: «أنا اقتل إذن أنا موجود» أرسل بيغين برقية تهنئة إلى رعنان قائد الآرغون المحلي هنأه بهذا الانتصار العظيم، الذي صنع تاريخ إسرائيل. وفي كتابه (الثورة) اقر بيغين «لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل».
وحتى تكتمل أركان صناع المذابح يجيء دور آرييل شارون وزير الدفاع الذي هندس غزو لبنان، وسوقه إعلاميا باسم «سلام الجليل» مستندا إلى تاريخ ملطخ بدماء ضحايا مجازره طيلة مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي. فهو قاتل مئات الأسرى المصريين في حربي 1956 و1967.
بطرقة لم يسبقه لها حتى عتاة القراصنة، حيث اجبر الجنود المصريين على حفر قبورهم بأيديهم قبل أن ينفذ عملية قتل جماعي لهم.
على أن ما جرى في مذبحة صابرا وشاتيلا يفوق كل ميراث المجازر الإسرائيلية، فهي أنموذج للقتل بشهوة الدم والرغبة في الثأر من أبرياء عزل، ذنبهم الوحيد انهم فلسطينيون قاتل ذووهم وقاموا الاحتلال الإسرائيلي، أو أنهم لبنانيون تحالفوا وساندوا المقاومة الفلسطينية واحتضنوها.
والمثير للدهشة أن إسرائيل هندست مذبحة صبرا وشاتيلا بعد مضي 14 يوماً على رحيل المقاتلين الفلسطينيين عن بيروت وانقضاء يومين على انسحاب القوات المتعددة الجنسيات من لبنان. وفق اتفاق ابرمه فيليب حبيب مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان.
الشاهد أن دروس مذبحة صبرا وشاتيلا على كثرتها تنحصر أساسا في إتقان فنون مغازلة الرغبة العربية في السلام، وتمسك حبل الأمل في السلام بيد، وبيد أخرى تحمل أسلحة الدمار والإرهاب.
وتجعل التسويف والتأجيل عنوانا لمسيرة السلم بحيث يصبح الطرف العربي أشبه بمن يجري خلف سراب لا يروي ظمأه ولا يمنعه أبدا من مواصلة رحلة السعي خلف الوهم المضلل.
بيروت ـ علي بردى ــ سيد زهران ــ دبي

