يندفع لبنان أكثر باتجاه تحولات هي أقرب ما تكون إلى مغامرات مجهولة النتائج، إذ يصعب التمييز مسبقا ما بين الأبيض والأسود، ومدى مردوداتها الإيجابيّة أو السلبيّة على الوضع العام.
ورغم الرسالة البالغة الخطورة التي نقلتها جريمة بيصور إلى اللبنانيين، إلاّ أن الحكمة والوعي انتصرا، وبقيت الدعوة إلى الحوار قائمة، لا بل حظيت بدعم قوي ومباشر من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بشخص نائبته السيدة اشاروز ميجيرو، التي وصلت إلى بيروت على وقع الجريمة، وشددت خلال لقاءاتها مع كبار المسؤولين على ضرورة تجاوز تداعيات ما حصل.
ويشكّل وجود السيدة ميجيرو جزءا من مشهد عربي ـ دولي يكتمل مع وصول كلّ من الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، ووزير خارجية إسبانيا ميغيل آنخل موراتينوس إلى بيروت، وكأن الهدف توفير مظلّة عربيّة ـ أوروبيّة ـ دوليّة تظلل طاولة الحوار، وتترك انطباعا بان ما يجري ليس وليد الصدفة بقدر ما هو نتاج شبكة واسعة من الاتصالات الدوليّة ـ الإقليميّة ـ العربيّة.
ويحاول الرئيس ميشيل سليمان، وفي أول إطلالة له على الأمم المتحدة، أن يرسم لتحرّكه بانطلاقة الحوار، وفي هذا بعد معنوي، وتأكيد لمصداقيّة من أنه التوافقي الذي انتخب وسط تظاهرة عربية ـ إقليمية ـ دولية قلّ نظيرها.
كما يحاول وفي أول لقاء مع الرئيس الأميركي جورج بوش أن يؤكد له أنه أصبح في لبنان رئيس ـ مرجع توافقي مؤتمن على الجمهوريّة ودستورها، ويملك تصورا، وعنده أولويات عبّر عنها في خطاب القسم. وأيضا مع انطلاقة عجلة الحوار الوطني.
وبالتالي فإن هذا الرئيس المنتخب دستوريّا على رأس هرمية الدولة والمؤسسات، يمكن من خلال التعاون الشفاف معه، أن يوفر الكثير من الجهد والعناء على الإدارة الأميركية، وعلى وزيرة الخارجيّة كوندليزا رايس تحديدا، لتنسحب من تجاذبات اللعبة السياسيّة الداخليّة، ومن زواريب قوى 14 آذار في مواجهة قوى 8 آذار.
أما الرمزيّة ما بين انطلاقة الحوار في الداخل، وما بين تحرّك الرئيس في الخارج، فهي مجرد انعكاس لواقع الحال. فالدعوة إلى الحوار هي في الأساس استكمال لتنفيذ اتفاق الدوحة، ومؤشر على صدقيّة الرئيس في الالتزام باحترامه وتطبيق سائر بنوده، وهي صدقيّة تؤشر إلى الالتزام بكل العقود التي قد تبرم، والوعود التي قد تقطع.
وتأكيدا على التشابك بين ما هو لبناني داخلي وبين ما هو عربي إقليمي دولي، فإن الحوار له منطلقات ثلاثة وأهداف ثلاثة.
أما المنطلقات فأولها حاجة داخليّة بعد الإفلاس الذي غرق في لججه كل الفرقاء من دون استثناء. وثاني هذه المنطلقات هو عربي بامتياز، إنه اتفاق الدوحة، والحوار هو جزء من هذا الاتفاق. وهو ثالثا دولي بامتياز، ذلك أن إعلان رئيس الجمهورية عنه وتوقيت مكانه وزمانه إنما جاء كنتيجة لسلسلة واسعة من الاتصالات الهادئة والرفيعة مع دول صديقة وشقيقة.
أما الأهداف فأولها محلي محوره أي لبنان؟، أي وطن؟، والثاني عربي وعنوانه: ما الجدوى من هذه الساحة المفتوحة التي اسمها لبنان وتستوطنها غابة من السلاح المتعدد الجنسيات والأهواء والغايات والمطامع؟ وهل في بقاء هذه الساحة مصلحة عربية؟!. أما الثالث فهو دولي بامتياز، ويختصره سؤال واحد: إذا كانت التضحية بلبنان ممنوعة، وبقاؤه ضرورة، فأي لبنان يجب ان يبقى، ولأية ضرورة؟!.
جورج علم
بترتيب مع الزميلة «السفير» اللبنانية
