اليوم يحتفل العالم باليوم العالمي لحماية طبقة الاوزون في وقت تشكل ظاهرة الاحتباس الحراري مصدر قلق حقيقي.

ويرى الكثير من الجهات الرسمية والعلمية أنه إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة للحد من انبعاث الغازات الضارة بالبيئة فإن ذلك سيؤدي حتما إلى تفاقم تلك الظاهرة، والسير حثيثا نحو تغير مناخي سمته الأساسية ارتفاع درجة حرارة الأرض وما يترتب عليها من عواقب أخرى على الطبيعة، فأطلقت منظمة اليونيسيف صفارة الإنذار بالإشارة إلى إمكانية تعرض ما بين 200 إلى 600 مليون شخص بحلول العام 2080 للمجاعة بسبب آثار الاحتباس الحراري، كما يتوقع أن يتأثر قرابة 100 مليون شخص كل عام بالسيول الناتجة عن ارتفاع في مستوى البحار. ويرى المدافعون عن البيئة أن زيادة نسبة الأراضي القاحلة وانخفاض الإنتاجية الزراعية كنتيجة مباشرة لزيادة نسبة الجفاف وتأثر عدد كبير من المحاصيل الزراعية سلباً بتغير درجة الحرارة والمناخ. كما ان ما تشهده بعض البلدان من فيضانات في الوقت الحاضر ما هو إلا النذير المبكر لتأثير التغيرات المناخية السلبية.

ويبدو أن الاتجاه نحو هذه التغيرات يجري بمعدل أسرع مما كانت تتنبأ به المعطيات المناخية المعروفة، إذ تشير تقديرات علمية حديثة إلى أن درجات الحرارة في أجزاء مختلفة من الكرة الأرضية سترتفع بمقدار ضعف ما كانت تتوقعه الدراسات المناخية وتنبه تلك التقديرات إلى أن مستوى انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون المتزايد قد يقود إلى الاندثار الكمي للغابات والارتفاع الكبير لمستوى مياه البحار.

ومن شأن ذلك أن يزيد من وطأة التغيرات البيئية وبالتالي انخفاض مستوى الإنتاج الزراعي في العالم وما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية وتنموية وغذائية.

تهديد بالجفاف والمجاعة

ووفق تقارير منظمات إنسانية فإن أمراض معدية مثل الملاريا ستنتشر بكثرة، فيما سيواجه عشرات الملايين من البشر النزوح من مساكنهم بسبب أمطار السيول والفيضانات، وسط ارتفاع في مستوى الأنهار ودرجات الحرارة.

وأشار تقرير اليونيسيف إلى تعرض ما بين 200 إلى 600 مليون شخص بحلول العام 2080 للمجاعة بسبب آثار الاحتباس الحراري، كما يتوقع أن يتأثر قرابة 100 مليون شخص كل عام، بالسيول الناتجة عن ارتفاع في مستوى البحار بحلول 2080.

ومن أبرز نتائج التقرير حول ظاهرة الاحتباس الحراري المحتملة، هو أن مئات الملايين من البشر في إفريقيا، وعشرات الملايين منهم في أميركا اللاتينية سيواجهون شحا في كميات المياه في فترة أقل من 20 عاما.

كما أنه وبحلول 2050 فإن أكثر من مليار شخص في آسيا قد يواجهون أيضا شحا في المياه، فيما يتوقع أن يهدد هذا الواقع بحلول العام 2080، ما بين 1 .1 مليار إلى 2 .3 مليارات انسان، وفقا لمستوى انبعاث الغازات الضارة، التي تنبعث على سبيل المثال من مداخن المصانع ومحطات تكرير البترول ومن عوادم السيارات.

أما معدلات الوفيات في الدول الفقيرة جراء أمراض ناشئة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، مثل سوء التغذية والإسهال اللذان يتسبب بهما الجفاف، فستشهد ارتفاعا ملحوظا في حلول العام 2030، فيما يتوقع ارتفاع الإصابة بحمى الضنك والملاريا.

وكنتيجة للتغيرات الكبرى في المناخ يشهد العالم انهيار جبال ثلوج القطب مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى مياه البحر وبالتالي غرق مناطق ساحلية شاسعة ذات كثافة سكانية عالية. كما يؤدي إلى ضعف خصوبة التربة وتدني الإنتاج الزراعي ومعاناة البشرية من ظروف جوية وظواهر طبيعية قاسية، فضلا عن الانهيارات الثلجية وانزلاق الصخور.

ومن نتائج التغيرات المناخية تلك حدوث موجات حرارية، لمناطق البحر المتوسط نصيب مهم فيها، مما يؤثر تأثيرا مباشرا على الصناعة السياحية في تلك المناطق وغيرها.

قلق دولي وتفاؤل حذر

واتفق قادة دول مجموعة الثمانية على هدف طويل المدى يتمثل في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بمقدار النصف بحلول العام 2050 خلال اجتماع القادة في يونيو الماضي إطار قمتهم في جزيرة هوكايدو اليابانية والتي سيطرت على أعمالها قضية الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، فيما تجرى المفاوضات للوصول إلى اتفاق عالمي خلال القمة الدولية التي تحتضنها العاصمة الدنماركية كوبنهاغن في العام 2009.

وفي سياق المساعي التي جرت والمعالجات التي اقترحت خلال المؤتمرات الدولية المنعقدة لهذا الغرض يلزم الاتفاق الذي وقع مدينة كيوتو اليابانية والمعروف باسمها موقعيه على خفض جماعي لانبعاث الغازات الضارة بالبيئة بمعدل يزيد على خمسة بالمئة لكي تكون التغيرات التي تطرأ على المناخ ضمن حدود يمكن تحملها والتأقلم معها .

لكن العديد من العلماء يرون أن كيوتو بداية متواضعة وأنه يفترض أن يبلغ الخفض خلال 50 سنة نسبة60 في المئة لكي تبقى التغيرات المناخية ضمن الحدود المقبولة. وتنتهي المرحلة الأولى من اتفاقية كيوتو في العام 2012.

بعد ذلك يُنتظر أن تبدأ مرحلة جديدة بهدف الوصول إلى نسبة أقل من الغازات المنبعثة. ويبدو أن المباحثات بهذا الشأن ستكون شاقة، إذ يرى الناشطون في حماية البيئة ثلاث عقبات تقف في طريقها. تتمثل العقبة الأولى في صعوبة إقناع الإدارة الأميركية بالعدول عن رأيها القاضي بالانسحاب من الاتفاقية، فمن المعروف أن ربع كمية الغازات المنبعثة في العالم تنطلق من الولايات المتحدة الأميركية.

وسبق لواشنطن أن وافقت على الاتفاقية تحت إدارة كلينتون لكنها لم تصادق عليها. وفي عهد بوش عادت وأعلنت انسحابها منها وعدم تقيدها بها. وبالنسبة للعقبة الثانية هناك مشاكل مع الدول التي تقف على عتبة التصنيع مثل الصين والهند والبرازيل، ففي المرحلة الأولى أعفت الاتفاقية هذه الدول من خفض نسبة الغازات المنبعثة بسبب محدوديتها مقارنةً بالدول الصناعية، غير أنه من الصعب تحقيق إنجازات ملموسة على المدى الطويل دون مشاركتها والحد من انبعاث الغازات التي تطلقه مصانعها الآخذة بالتطور.

أما العقبة الثالثة فتتمثل بالانبعاثات التي تطلقها وسائط النقل البحرية والجوية، فمن المعروف أن الطائرات الكبيرة مثلاً تطلق كميات كبيرة من الغازات بسبب استهلاكها لكميات ضخمة من الوقود مقارنة بوسائط النقل الأخرى. وعليه فإن تجاهل هذا المصدر لإطلاق الغازات سيقلل من حجم النتائج الايجابية التي تحققها الاتفاقية.

مستقبل البشرية في خطر

ورغم جهود البلدان الكبرى للتقليل من انبعاثات الغازات المسببة للتلوث البيئي تستمر تشير تقديرات اللجنة الأممية لحماية البيئة، إلى أن الأرض ستتعرض إذا ما ظلت انبعاثات غازات الدفيئة على وتيرتها الحالية لارتفاع في درجة الحرارة مقداره أربع درجات في المتوسط بنهاية القرن الحالي.

وستتباين هذه الزيادة من منطقة جغرافية إلى أخرى، فمثلاً ستقتصر هذه الزيادة على درجتين مئويتين فقط في منطقة جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية، بينما ستحظى منطقة الجزيرة العربية وشرق البحر المتوسط وشمال إفريقيا، إضافة إلى أميركا بزيادة تتراوح بين 3 و5 درجات مئوية، في حين أن منطقة مثل القارة القطبية الشمالية سترتفع فيها الحرارة بمقدار عشر درجات مئوية.

وينتج العالم حوالي مليون طن من المواد المؤثرة على طبقة الأوزون منها 800 ألف طن من غاز الكلور وفلور وكربونات، و200 ألف طن من غازات الهليون والفريون. وتنتج الولايات المتحدة وغرب أوروبا حوالي 80 في المئة منها، فيما تختص روسيا واليابان بحوالي 10 في المئة.

وتختص الدول النامية مجتمعة بحوالي 8 في المئة.والسؤال البديهي الآن هو، إذا كانت زيادة الحرارة بمقدار درجة واحدة مئوية قد سببت لنا تقلبات مناخية جامحة ومتاعب متزايدة بهذا الشكل، فما بالنا إذن بزيادة مقدارها أربع درجات كاملة؟

النتائج والتداعيات ستكون في الحقيقة كارثية، وسيصعب تحملها، لكن يجب على أي حال معرفتها والتوعية بها، لعل أن تكون في ذلك فائدة، أو لعله يعطينا تصوراً عن فداحة الخسارة المترتبة على إهمالنا وعدم مبالاتنا بحق البيئة المحيطة وبحق أنظمة الأرض الطبيعية، ومن تلك التداعيات:

- ذوبان أجزاء كبيرة من القارة القطبية الجنوبية وغرينلاند، مما سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البحر بمقدار قد يصل إلى تسعة أمتار كاملة، وهو ما يعني غرق أجزاء كبيرة من الجزر الاستوائية والدلتاوات البحرية والمناطق الساحلية المنخفضة خاصة في شمال أوروبا وشرق أميركا ومصر وبنغلادش والهند والصين.

الفقراء الهدف

من سخريات القدر أن الدول التي ستكون الأكثر تضررا من ارتفاع درجات حرارة الجو هي الدول الأربعون الأكثر فقرا في العالم، والتي يبلغ مجموع عدد سكانها زهاء ملياري نسمة، إذ يعاني أكثر من 450 مليون من هؤلاء الآن من سوء التغذية، وسيرتفع هذا العدد حتما مع تسارع حدة التغيرات المناخية التي تشهدها الكرة الأرضية.

وتأتي هذه التنبؤات في تقرير أعده المعهد الدولي لتحليل الأنظمة التطبيقية بمشاركة مركز هادلي البريطاني للتنبؤات والبحوث المناخية وبالرغم من أن العديد من الدراسات قد أجريت في الماضي حول تأثير التغير المناخي على الإنتاج الزراعي في كل دولة على حدة، تعتبر هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تطبق أسلوبا موحدا للبحث على نطاق عالمي.

وأفاد التقرير أن ارتفاع درجات حرارة الجو في بلدان افريقيا سيؤدي إلى تفشي الأمراض وتكاثر الآفات الزراعية، كما سيؤدي إلى الجفاف والى شحة موارد المياه.

45 تريليون دولار

قالت وكالة الطاقة الدولية إن من شأن هدف خفض انبعاثات الكربون المتسببة في ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار النصف بحلول العام 2050 أن يضيف 45 تريليون دولار إلى فاتورة الطاقة العالمية. وأوضحت في بيان ان الهدف يتضمن على سبيل المثال وصول توليد الكهرباء من مصادر متجددة مثل المساقط المائية والرياح إلى نصف إجمالي الإنتاج مقارنة مع 18 في المئة الآن.

ويقول علماء إن على العالم أن يوقف ويعكس اتجاه زيادات تدريجية في انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري لتجنب كارثة. وأوضحت الوكالة، التي تقدم المشورة في مجال الطاقة إلى 27 بلدا غنيا، ان هذا يستلزم استثمارا إضافيا بقيمة 45 تريليون دولار على صعيد العرض والطلب حتى عام 2050.

ويقول علماء إن على العالم أن يوقف ويعكس اتجاه زيادات تدريجية في انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري لتجنب كارثة تغير مناخي قد تشمل ارتفاع منسوب البحار وطقسا أشد قسوة.

المجاعة الصامتة تهدد العالم

تغزو العالم صحوة كبرى تنبه إلى أخطار جسيمة تهدد كوكب الأرض بصورة لم يشهدها تاريخ البشرية من قبل.

بدأ العلماء يطلقون إشارات التنبيه إلى احتمالات حدوث خلل في نظام الأرض في المستقبل القريب نتيجة توسع الإنسان في استخدام وسائل المدينة الحديثة بكميات هائلة باتت تهدد بإحداث خلل في طبقة الأوزون لكن الخطر الذي بدا يلوح تدريجيا في الأفق هو النقص في الغذاء العالمي وأن ارتفاع الأسعار بسبب تغير المناخ وندرة الطاقة والمياه ستفاقم قريبا ما بات بالفعل مجاعة صامتة.

فمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» حذرت من التداعيات الخطيرة التي قد يشهدها العالم على المستوى الغذائي بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيرها على المزروعات، وتوقعت أن تدفع الدول الفقيرة الضريبة الأكبر لهذه الظاهرة التي قد تستفيد منها الدول الغنية على المدى القصير.

الدول النامية ستعاني أكثر من سواها من التغيرات المناخية نظرا لاعتمادها الكبير على الزراعة، إلى جانب قلة الموارد والخيارات المتاحة التي من الممكن أن تساعدها على التصدي لآثار تلك التغيرات.

الدول الغربية التي كانت أول من تسبب بعملية الاستهلاك الرهيب لمصادر الطاقة التي سخنت الكوكب هي أول من يشتكي الآن من الاحتباس وتدعو لعلاجه وتجنب آثاره. لكن هذه الدول في الوقت نفسه تلقي بالمسؤولية الآن على الدول التي يمكن تسميتها بالصاعدة مثل الصين والهند واندونيسيا وروسيا فيما تتحدث تقارير العلماء بأن الإنسان هو المسؤول عن التغيرالمناخي وانه إذا لم تتضافر الجهود فان البشرية كلها سيلحقها دمار كبير خلال قرن واحد.

ولاحظ العلماء انكماش القطبين الشمالي والجنوبي وهم يتوقعون أن يؤدي ذلك إلى زيادة ذوبان الجليد خلال قرن مما يرفع مستوى مياه البحار بمقدار يتراوح ما بين 9 إلى 88 سنتيمترا مما سيؤدي إلى اختفاء دول بأكملها وخاصة الجزر الواقعة على البحر المتوسط وازدياد معدلات الفيضانات حول العالم.

العلماء بتحليلاتهم وتوقعاتهم التي تقوم على رأس الرصد الدقيق غير متفائلين إلا إذا استيقظ العالم من سباته وتضامن لمواجهة هذه الكارثة التي سيكون المسؤول عنها الإنسان الأناني في المقام الأول وخاصة الذي يعيش في العالم الغني وهو الذي يمثل اقل من خمس سكان العالم.

المسؤولية تقع على من؟

صحيح أن التغيرات المناخية حدثت في العالم على مدى قرون عديدة ما بين موجات برد شديدة أو حرارة مرتفعة ولكن العلماء ينذرون الآن بأن درجة حرارة الكرة الأرضية قد زادت بمعدل درجة واحدة كان لها تأثير ضخم على مناخ العالم فما بالك إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض بدرجتين أو ثلاث خلال القرن المقبل.

إن حماية الأوزون هي مسؤولية مشتركة لجميع الدول والأفراد والهيئات في جميع أصقاع الأرض، ويتطلب نشر الوعي البيئي بين الأفراد والجماعات والالتزام بالاتفاقات الدولية المتعلقة بحماية البيئة. من خلال تقليل معدلات التلوث وخاصة من جانب الدول الصناعية التي تتسبب في أكثر من 60 في المئة من التلوث في العالم.

ليلى بن هدنة

benhadnal@yahoo.fr