تبدأ في قصر بعبدا اليوم الجلسة الأولى من الحوار الوطني اللبناني التي يتوقع أن تكون مكرسة لإذابة جليد العلاقات بين القوى السياسية المختلفة، كمقدمة لتحديد مواضيع النقاش وإمكان توسيع طاولة الحوار، لتشمل قضايا رئيسية بالإضافة إلى الإستراتيجية الدفاعية، من دون أن تتضح عدد الجلسات التي ستعقد، في محاولة للتوصل إلى توافق على إنهاء الأزمة التي يرزح لبنان تحت وطأتها منذ سنوات.
وتتميز الجولة الجديدة من الحوار الوطني اللبناني بأن مديرها سيكون رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، الذي لا يمكن حتى الآن حسبانه على أي طرف، بخلاف جلسات الحوار والتشاور التي أدارها بري خلال عام 2006، على اعتباره طرفاً رئيسياً في المعارضة.
في 2 مارس 2006 استبق بري الدعوة للحوار برفض أي «شروط مسبقة»، لكنه كان يريد معالجة «السياسات الخلافية» آنذاك، أي رئاسة الجمهورية وسلاح «حزب الله» والسلاح الفلسطيني. وبعد سبع جلسات متتالية، انتهت قبيل الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006، أخفق المتحاورون في التوصل إلى أي اتفاق في شأن انتخاب رئيس جديد خلفاً لرئيس الجمهورية العماد أميل لحود، وكذلك في شأن سلاح «حزب الله» والسياسة الدفاعية الواجب اعتمادها لحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية.
غير أنهم توافقوا على مسألة نزاع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، ومعالجة أوضاع الفلسطينيين المقيمين على الأراضي اللبنانية، وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، و«تحديد» حدود مزارع شبعا المحتلة، وتبادل البعثات الدبلوماسية بين بيروت ودمشق، وأن تكون العلاقات بين البلدين طبيعية ومميزة، بالإضافة إلى التوافق على المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ومسائل أخرى أقل أهمية.
في المقابل، فشلت الجلسات الأربع للتشاور خلال ديسمبر 2006 في الاتفاق على أي من البندين الرئيسيين المحددين لها، وهما حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت لاحقاً بفضل «اتفاق الدوحة» في مايو 2008، وقانون الانتخاب الذي لا يزال موضع أخذ ورد على رغم الاتفاق العام في قطر على مبدأ الدائرة الانتخابية المصغرة، أي القضاء.
وخلال الفترة الماضية، استحكمت الخلافات بين الفرقاء اللبنانيين، خصوصاً بشأن البند المتعلق بسلاح المقاومة، ومع أنه من غير المتوقع أن يتوصل المحاورون إلى اختراق في هذه القضية، يلاحظ أن اللبنانيين يحاولون حل مشاكلهم بأيديهم، وهذه بذاتها ايجابية استثنائية في بلد يكاد يكون محوراً للتجاذبات الإقليمية والدولية.
ويتوقع أن يقتصر جدول الأعمال اليوم على كلمة لرئيس الجمهورية، وبدء البحث في بند وحيد متعلق بالإستراتيجية الدفاعية، إلا إذا توافق أفرقاء الحوار على إدخال بنود أخرى.
وعشية انعقادها، يبدو أن طاولة الحوار ستشهد تجاذبات جديدة مع تمسك «قوى 14 آذار» بعدم توسيع الحوار، وسعي «حزب الله» إلى إدخال شخصيات أخرى قبل طرح مصير سلاحه على البحث في الإستراتيجية الدفاعية.
وتطرح المعارضة نقاطاً عدة، هي: أن يكون المجتمعون متفقين على أن لديهم عدواً واحداً هو إسرائيل، وأن يكونوا مقتنعين ببناء الدولة القادرة العادلة المتوازنة القوية النظيفة التي تضع حداً لكل أنواع الفساد والانحراف وتعمل لتساوي بين المواطنين، وأن يكون الهدف توفير المقومات اللازمة لتحرير الأرض وتأمين الدفاع عن لبنان من خلال الإستراتيجية الدفاعية.
في المقابل، تعتقد الموالاة أن توسيع المشاركة بمثابة دعوة لتوسيع رقعة الخلاف والتباين. علماً أنها تصر على حصر النقاش في الإستراتيجية الدفاعية وسلاح «حزب الله» بعيداً عن إدخال مواضيع أخرى قد تؤدي إلى «تضييع» البوصلة، وحرف الحوار عن هدفه الأساسي وهو استعادة الدولة لسلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وحصر حق قرار الحرب والسلم في يدها.
وأكدت أوساط المعارضة أن النقاش سيُختصر في الجلسة الأولى بنقطتين تؤسسان لعمل طاولة الحوار هما: توسيع الطاولة لمشاركة أطراف أخرى لم تكن موجودة على طاولة عام 2006، وتوسيع ملفات النقاش عبر إضافة بنود تتعلق بالإصلاح السياسي والإداري والهم الاقتصادي ـ الاجتماعي.
أمام هذين الاتجاهين، نجح الرئيس سليمان برمي كرة «بنود الحوار ومروحة المشاركين فيه» في حضن الموالاة والمعارضة، عبر ترك أمر البت بهذين الموضوعين في الجلسة الأولى التي من المقرر أن تشهد كلمات لسليمان والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وربما لممثل دولة قطر إذا حضر، كما ترك للمتحاورين تحديد موعد الجلسة المقبلة بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث سيشارك في اجتماعات الأمم المتحدة.
وإذا كان من السابق لأوانه التكهن بما ستفضي إليه مناقشات جلسة الحوار، فان الرئيس سليمان سيعتبر أن مجرد انطلاق الحوار هو نقطة قوة في إطلالته الأولى على العالم.
بيروت ـ علي بردى
