منذ نيله الاستقلال وحتى اليوم، لم ينعم لبنان بالأمن والاستقرار على الصعيد الأمني والسياسي، حيث اجتاحت هذا البلد الصغير، الذي ولد من الخاصرة السورية بعد الحرب العالمية الأولى في العام 1922، موجات من أعمال العنف التي أودت، من بين حياة عشرات الآلاف الذين قضوا فيها، بمجموعة من خيرة أعلام السياسية والفكر والثقافة والصحافة.
واليوم، تحل الذكرى السادسة والعشرين لاغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، الذي تختصر حياته السياسية وطريقة اغتياله وما تلاها من الإمساك بالجاني وهربه، أو بالأحرى تهريبه، قصة الاغتيالات السياسية التي أرقت شعب لبنان، ولا تزال مستمرة، والتي كان آخر ضحاياها قبل بأيام اغتيال عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي اللبناني صالح العريضي وهو ما يجعل لبنان على مشارف دخول موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية ولكن من بوابة الاغتيالات السياسية.
ومنذ استقلاله عن الاحتلال الفرنسي عام 1943، بدا هذا البلد العربي الذي جمع كل أنواع التناقضات الإيديولوجية والطائفية، ساحة لتصفية الحسابات بين أصحاب المشاريع والمواقف السياسية المتعارضة دولياً وإقليمياً وعربياً وداخلياً، توجت بحرب أهلية استمرت لخمسة عشر عاماً (1975-1990)، أطلق عليها اللبناني اسم «حرب الآخرين على أرض لبنان»، وسقط ضحيتها أكثر من 140 الف قتيل، ونحو 200 الف جريح، إلى جانب أكثر من 17 الف مفقود.
واليوم، خرج الآخرون (منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا)، ولا تزال نار الحرب الأهلية متوقدة تحت الرماد، تنذر بالعودة لالتهام ما تبقى من الوطن، مع كل مفترق تتعرض له البلاد. وفي خضم هذا كله، شكل الاغتيال السياسي ولا يزال أحد الأدوات الهامة في أيدي الأطراف المتصارعة في لبنان وعليه، وتعددت وتنوعت أهدافه وأشكاله وأساليبه، فطال لبنانيين وعرب وأجانب، ومسؤولين حكوميين ورجال سياسة وفكر، ورجال دين وقادة أحزاب سياسية وشخصيات اكاديمية وأمنية ودبلوماسيين، وتعددت أساليبه وتنوعت أدواته، من اطلاق النار، إلى السيارات المفخخة وعمليات التلغيم، كما تعدد القائمون بها، الذين نادراً ما تم الكشف عنهم.
وفي هذا السياق، يحيي مسيحيو لبنان في مثل هذا اليوم من كل عام، بحزن بالغ، ذكرى اغتيال رئيس جمهوريتهم المنتخب بشير الجميل، الذي قضى قبل أيام من تقلده مقاليد المنصب، في تفجير الأشرفية في العام 1982، فيما يحتفل لبنانيون كثر بهذه الذكرى على اعتبار أنها خلصتهم من أحد «عملاء إسرائيل وحلفائها» في لبنان.
وفيما لا يزال حزب «الكتائب» وعائلة الجميل تطالب سوريا بتسليم القاتل، حبيب الشرتوني، الذي تم إلقاء القبض عليه بعد يومين على عملية الاغتيال، وأودع السجن لثماني سنوات، لحين دخول القوات السورية إلى سجن رومية بعد طرد العماد ميشيل عون، حيث جرى تحريره هو ومجموعة من الأسرى. يعتبر كثيرون من اللبنانيين، وفي مقدمتهم «الحزب القومي السوري الاجتماعي» الذي ينتمي إليه الشرتوني، أن الأخير الذي يحكى أنه يعيش في دمشق حالياً، بطل قومي يستحق إقامة نصب تذكاري له وسط الأشرفية التي وقع فيها التفجير الذي استهدف مبنى الكتائب حيث لقي بشير الجميل حتفه.
مفارقة تكشف حجم التناقض الكبير الذي تعيشه مكونات المجتمع اللبناني التي لم تستطع رغم كل المآسي التي مرت بها أن تصوغ رؤية موحدة للعيش المشترك حتى اليوم، ولا تزال سياسة الاغتيال وإلغاء الآخر هي السائدة رغم كل الأغلفة البراقة التي تحاول إخفاءها.
