لم تستطع، لا لجنة التحقيق الدولية التي تولت مهمة البحث في الاغتيالات السياسية في لبنان منذ اغتيال رئيس وزرائه الأسبق رفيق الحريري، ولا إقرار نظام المحكمة الخاصة التي ستتولى ملف الإدعاء والمزمع انطلاقتها قريباً، في دفع مرتكبي جرائم الاغتيال في لبنان إلى مراجعة حساباتهم والتوقف، وهو أمر يكشف حجم الثقة العالية التي يتحرك من خلالها المجرم على الساحة اللبنانية أياً كان ولاؤه وانتماؤه.
ورغم كل الاحتياطات الأمنية، وأجواء المصالحة التي عمت لبنان بعد اتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة، أبت يد الإرهاب إلا أن تضع حداً لحياة عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي اللبناني صالح العريضي، الذي أجمعت كل التيارات السياسية في لبنان على دوره في حوار الجبل والمصالحة.
ومما يزيد عمل السلطات الأمنية ولجنة التحقيق الدولية صعوبة، أن لبنان شكل منذ استقلاله ساحة عمل هامة لأجهزة الاستخبارات العربية والإقليمية والدولية المتنافسة، والتي أتى قسم كبير منها بناء على طلب الطوائف والتيارات السياسية اللبنانية خلال الحرب الأهلية لاستقواء البعض على البعض الآخر.
وإذا كان اغتيال العريضي يشير إلى شيء أبعد من استهداف المصالحة التي أجمعت عليها جميع الأطراف، فإنما يشير إلى أن الاغتيالات لن تتوقف بمجرد نجاح الحوار الوطني المزمع انطلاقة بعد يومين برعاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان.
فالخلاف لا يزال عميقاً بين أركان البيت اللبناني، رغم كل الأحاديث المعسولة التي تخرج بين الفينة والأخرى، وهو خلاف يمتد ليشمل قضايا جوهرية، لا تشكل الاتفاقات المعلنة سوى محاولة لتجنب الغوص فيها مؤقتاً، من قبل أطراف يدركون استحالة تحقيق انتصارات على أعدائهم الأشقاء نتيجة ظروف ومعطيات قد تتغير في أي لحظة.
وتعيد ذكرى اغتيال رئيس لبنان المنتخب بشير الجميل، والتي تصادف على مرورها اليوم 26 عاماً، إلى الأذهان حجم التناقض اللبناني الكبير في تركيبة المجتمع إزاء هوية البلاد وتوجهاتها، بين محتفل بالذكرى التي تم «التخلص فيها من أحد عملاء إسرائيل»، وبين آخرين يبكونه دماً على اعتباره «قائداً فذاً في زمن قل فيه القادة».
وليس سراً القول بأن الحوار الوطني الذي سينطلق بعد غد الثلاثاء في قصر بعبده، والذي سيتناول على جدول أعماله بنداً وحيداً هو «الاستراتيجية الدفاعية وسلاح المقاومة»، هو أمر محسوم وغير قابل للنقاش من قبل أطراف الحوار، بين مؤيد مطلق لمشروع المقاومة، ومعارض مطلق لتواجدها، مع كل ما يحمل ذلك في طياته من رؤى للهوية اللبنانية، وما يستدعيه من تحالفات. وما يزيد طينة الانقسامات اللبنانية بلة، أن النقاش خلال جلسات الحوار سيتم بين مندوبين عرب وإيرانيين وغربيين، أكثر بكثير مما سيكون بين لبنانيين، إزاء قضية استراتيجية غاية في الأهمية بالنسبة للبعض، وليس ثمة من داع لبحثها من قبل البعض الآخر.
في هذه الأجواء يبدو من الصعب على لبنان الخروج من متاهة الاغتيالات السياسية التي طبعت تاريخه المعاصر، فطالما ظل الحوار بشأن البلاد في أيدي لاعبين إقليميين ودوليين يرونها ساحة تنافس، وبين قادة يرفعون الولاء للطائفة والمصالح الشخصية فوق مصلحة الوطن، فلن ينجح الحوار، اللهم إلا في تأجيل الانفجار القادم.
فراس كيلاني