يحرص المؤلف منذ السطور الاستهلالية من كتابه على تصدير مقولاته بسطور كاشفة من المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يقول فيها: - إن التطور يتم عندما يتجلى التحدي الذي يستثير الاستجابة وإذا نجحت الاستجابة فهي جديرة بأن تولد بدورها تحديات جديدة.
وفي ضوء هذه السطور يطرح المؤلف أولى مقولات كتابه موضحاً أنه لا يكتب عن «نهاية» أميركا بل هو يكتب عن «بداية» القوى الأخرى في العالم أو على حد قول «متشيكو كاكوتاني» ناقد النيويورك تايمز: فقد طال العهد بأميركا وهي في موقع القوة الأعظم.. وربما حان الوقت لكي تجابه هذه ـ القوة ـ السوبر تحديات من نوع جديد تلخصها عبارة تقول: - إن الشمس تشرق على روابي الشرق. ونبادر لنقول ان الشرق المعني هنا يمتد من شبه القارة الهندية إلى الصين في أقصى مساحة القارة الآسيوية.
إن كتاب فريد زكريا يوجه انتقاداته إلى سلوك أميركا وتوجهاتها وينبه إلى أن الأفق العالمي واعد بصعود قوى جديدة تتخذ لنفسها مكاناً ومكانة في ساحة العالم - لكنه لا يتنبأ - كما فعل البروفيسور كينيدي - بسقوط المكانة الأميركية.. وحسبه أن يدلك في هذا الكتاب على أن الساحة الكوكبية ما زالت تتسع لأكثر من منافس. الفصل الثالث من كتابنا يحمل عنوانا لا يخلو من دلالة من حيث صلته بالفكرة الرئيسية التي يطرحها المؤلف ـ والعنوان هو: عالم لا غربي.. رحلة الأميرال الصيني. والسؤال بالأدق: هل نحن في طريقنا إلى ذلك العالم اللاغربي.
فريد زكريا يستهل هذا الفصل المثير بمعلومة جغرافية قد تخفى على الكثيرين، وهى أن معظم الناس يعرفون ما حدث في عام 1492 للميلاد.. هو العام الذي أبحر فيه كولومبس في رحلته الطموحة إلى حيث اكتشاف أميركا..لكن الذي لا يعرفه سوى أقل القليل أن كولومبس لم يكن هو أول من اكتشف أراضي العالم الجديد غربي الأطلسي. قبل رحلته بنحو 87 سنة تمت رحلة الأميرال البحري الصيني «شنغ» الذي كانت سفن أسطوله أكبر وأكفأ بكثير من سفن كولومبس وسفن فاسكو دي جاما - البرتغالي الذي ينسبون إليه اكتشاف رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا في الطريق إلى الهند.
في هذا السياق يحاول المؤلف أن يثري معلوماتنا عن رحلة أمير البحر المسافر من الصين إلى نصف الكرة الغربي - في سنة 1405 بأسطول من 317 سفينة وعلى متنها 28 ألف بحار (الزميل كولومبس لم يكن يحتكم سوى على 4 سفن و150 بحارا فقط لا غير) أما أسباب هذا العدد الكبير.. وتلك الأحجام الضخمة والتجهيزات الحافلة بالأسطول الصيني فتوجزه عبارة واحدة هي:
الهدف من رحلة الاستكشاف الصينية كان ببساطة هو «الصدمة والرعب». وبديهي أن فريد زكريا يشير بالطبع إلى شعار الحملة التي شنتها إدارة بوش -على أرض العراق عام 2003. في الحالة الصينية ـ الأميركية كان المقصود هو السكان الأصليون في الأميركيتين بقدر ما كان المقصود أيضا التدليل على جبروت أسرة المنغ التي كانت حاكمة وقتها ربوع الصين.
المشكلة أن تغيرت نوعية الحكام في الصين ذاتها وجاءت فصيلة من الأباطرة الذين رأوا أن رحلات الاستكشاف لا تفيد بلادهم.. وأن التواصل مع العالم الخارجي وخاصة من خلال الحملات البحرية قد يهدد أمن الصين وسلامة حاكميها. وهكذا طويت الكشوف الصينية بكل رياداتها ونجاحاتها في دفاتر النسيان.. وكان لا بد أن تنقضي 300 سنة كاملة إلى أن تقوم سفينة صينية بزيارة لندن في عام 1851 للميلاد.
وهكذا أصبح المسرح العالمي ممهدا ليشهد إحدى المفارقات العجيبة في التاريخ: أوقفت الصين كشوفها وأحجمت عن انفتاحها على العالم الخارجي - في نفس الوقت الذي شهد انطلاقة أوروبا الغربية في المسار المعاكس تماما: رحلات بحرية وكشوف جغرافية.. ارتياد أعالي البحار وتخوم اليابسة.. ملاحون ومستكشفون ومعهم أيضا مستعمرون.. من إيطاليا.. البرتغال.. إسبانيا.. انجلترا.. ولدرجة أن هناك من يطرح - مع مؤلفنا (ص 51) السؤال الافتراضي:
** ترى لو كانت الصين قد واصلت مسيرتها المرتقبة.. لم يكن في هذا ما يغير مجرى التاريخ؟
والمشكلة، كما يبين المؤلف، أن درج المؤرخون على تصوير الغرب - الأوروبي (ومن ثم الأميركي) ـ على أنه أفضل معيشة، وأوفر ثروة وأكثر رخاء على طول الخط من هذا الشرق. لكن الصورة لها أبعادها الأخرى.
يقول مؤلف الكتاب: طيلة القرون الأولى من الألفية الثانية كان الشرق يسبق الغرب بأشواط بعيدة، بل كان الشرق أفضل وأرقى من الغرب في ما يكاد يكون كل نواحي الحياة (ص 45 وما بعدها) وقتها كانت أوروبا تتخبط في دياجير العصور الوسطى فيما كان الشرق الأوسط (العربي - الإسلامي) يعيش ينعم بمستوى من رقي العلم والثقافة والصناعات وازدهار التجارة عبر البحار والمحيطات.
يضيف مؤلف الكتاب قائلا: الشرق الأوسط بالذات كان يتربع عند مقدمة الحضارة الإنسانية حيث كان يؤدي دور الحارس الأمين على تراث اليونان والرومان، وحيث انطلق من وعي هذا التراث إلى فتوحات مرموقة ومشهورة في مجالات الفكر والكسب والتطور شملت ميادين متنوعة من الإبداع الإنساني في مضمار الرياضيات - الفيزياء.. الطب.. وغيرها..
وعندما حكم العثمانيون هذه المنطقة كانوا مثار التحاسد والغيرة من جانب منافسيهم في غرب أوروبا وخاصة بسبب تفوقهم العسكري.. وإذا توسعت رؤيتنا لوجدنا الهند بدورها تعيش حالات من التقدم العلمي والإبداع الفني والمجد المعماري وقبل هذه الفترة بقرون كانت الصين من أغنى أقطار المعمورة وأكثرها تقدما من ناحية تكنولوجيا ذلك الزمان.
ويبدو أن هذا المد الحضاري ـ الشرقي شهد انحسارا مع القرن الخامس عشر للميلاد. وعندما حل القرن السادس عشر كانت أوروبا تتسلم زمام القيادة وتعيش حقبة الثورة المعرفية التي عرفت باسم «الرينسانس» أو النهضة. وفي هذا السياق الزمني عاش رجال من أمثال غاليليو وكوبر نيكوس (وقد بشروا بدوران الأرض حول الشمس) فكان أن وضعت أسس العلم الحديث.
بعدها ظل السؤال مطروحا بل بقي معلقا ربما حتى زماننا الراهن: ترى، لماذا توقفت عجلة التقدم في الدول والشعوب غير الغربية فيما مضى الغرب (الأوروبي، ومن ثم الأميركي) على طريق هذا التقدم بغير توقف أو انقطاع؟
صحيح أنه ليس هناك جواب جامع مانع. أو شاف.. كما يعترف مؤلف الكتاب. ولكنه يحاول التماس الإجابات حين يقول أن الغرب استطاع أن يجمع سبل التقدم في «حزمة» متكاملة أو شبه متكاملة كان من عناصرها ما يلي:
ـ حقوق الملكية الخاصة.
ـ إنشاء مؤسسات وآليات للحكم السليم
ـ وجود مجتمع مدني قوي وفعال.
بالمقابل كانت الأحوال خارج نطاق غرب أوروبا وأميركا لا تهيئ السبيل نحو هذا التقدم:
وكيف يتهيأ السبيل فيما كان قيصر روسيا مثلا هو المالك الوحيد لكل أراضي البلاد؟ وبينما كان بلاط إمبراطور الصين يتحكم فيه حاشية وأعوان ينظرون إلى حرفة التبادل التجاري (وهو أيضا التواصل) مع الخارج نظرة أقرب إلى الاستهانة بل الاحتقار؟ وربما كانت هي نفس النظرة بصورة أو بأخرى التي كان ينطلق منها المحاربون المغول في الهند أو عسكر الانكشارية في الدولة العثمانية. في كل حال أفادت أوروبا من الاتصال مع العالم الخارجي مما شكل لصالحها ثورة دافعة للتقدم إلى الأمام.. وهي قوة الدفع التي قيض لأميركا أن تكون وارثة لها بصورة أو بأخرى.
لكن هذا الاتصال، ومن ثم هذه القوة الدافعة، جاءت على حساب الأمم والأقطار والشعوب غير الغربية.. وتمت ترجمة هذه القوة الأوروبية إلى مؤسسة من أخطر ما يكون هي ظاهرة والاستغلال الإمبريالي الذي حمل اسمه الكئيب في التاريخ الحديث:
هكذا يوضح المؤلف كيف أن تواصل أوروبا مع العالم انطوى على حالات من السلب والنهب ومن الاستيطان الاستعماري ومن تدمير أساليب الحياة لدى شعوب شتى.. فماذا كانت النتيجة.. يقول المؤلف (ص 66):
** خلال 100 سنة ليس إلا.. ظل هذا التواصل الأوروبي يتخذ اتجاها لا تخطئه البصيرة وتجسد في تغيير أو تدمير الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت قائمة في تلك الأقطار غير الغربية.
وفي غمار هذا الاتجاه الرهيب بدأت عملية أخرى حملت اسمها المعروف وهو: التغريب. يقول المؤلف في هذا الصدد: في سنة 1823 قررت شركة الهند الشرقية (البريطانية) أن تنشئ مدرسة في كلكتا من أجل تدريب السكان المحليين.. كان السكان المحليون يتطلعون إلى أن يتعلموا أصول الرياضيات وعلوم التشريح والطب الحديث..
وقد كانت هي الجسور التي عبرت فوقها أوروبا إلى التفوق والاستنارة لكنهم فوجئوا بأن المدرسة الجديدة أرادت أن تلقنهم أجرومية اللغة السنسكريتية وهي لغة الهند القديمة ومعها علوم عتيقة لا تنفع في التقدم ولا تفيد في تطوير الحياة، فيما كان المطلوب تلقي علوم الغرب.
لهذا ظل بطرس الأكبر قيصر روسيا يجول في أنحاء أوروبا ويزور مصانعها ومعاهدها في محاولة لفهم أسرار تقدمها كي ينقلها إلى روسيا التي استطاعت من ثم أن تطرق أبوب التحديث - وهكذا فعل «فوكوزاوا» وهو مفكر ثورة الإصلاح في اليابان حين كتب دراسته الشهيرة في عام 1885 بعنوان: «مغادرة آسيا» وأكد فيها أن اليابان عليها أن تقتفي أثر البلدان المتحضرة في الغرب..
وهكذا دعا أيضا صن يات صن المصلح الصيني في أوائل القرن العشرين.. في نفس السياق، يوضح كاتبنا الأميركي، الهندي الأصل كيف أن زعماء كبارا من العالم الثالث الذي اكتوى تاريخيا بنار الاستعمار كانوا يحاربون الغرب بوصفه قوة إمبريالية مستغلة بينما كانوا يحاولون اتباع الطريق ذاته الذي سبق الغرب إلى انتهاجه فكان أن حقق تقدمه في مجالات العلم والتطور وفتوحات التكنولوجيا.
وهنا يسوق المؤلف نموذجين من الهند والعالم العربي يقول: جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند المستقلة كان يعتقد أن إنهاء تخلف بلاده يتطلب عملية اقتراض أو محاكاة سياسية واقتصادية من الغرب.. وكان معاصرو نهرو من قادة ما بعد الكولونيالية (في العالم الثالث) يسعون جاهدين لتحرير بلادهم من ربقة الغرب سياسيا بينما كانوا يريدون السير على طريق الغرب نفسه وصولا إلى ضفاف الحداثة.
و يضيف المؤلف قائلا (ص 72): وهناك أيضا نموذج جمال عبد الناصر في مصر - كان معاديا للغرب إلى أقصى درجة يتصورها الإنسان ولكنه كان قارئا شغوفا يتابع بفهم شديد تاريخ الغرب وأفكاره.. وكانت مراجعه أو مصادره في أفكاره السياسية مستقاة من مؤلفات الكتّاب والمفكرين من انجلترا وفرنسا وأميركا.
والحق - يستطرد المؤلف - أن الزعماء اللاغربيين كانوا يرمقون بإعجاب حالة تفوق الغرب سواء في إنتاج الثروة أو في كسب الحروب.. ولم تكن نظرتهم إلى هذا التفوق تصدر، لا عن شعور بالدونية ولا عن استصغار النفس ولا عن التنكر للتراث الأصيل ولا الثقافة الوطنية والإبداع القومي لشعوبهم.
كانوا يتابعون الغرب ويحاولون محاكاة الأسباب التي أدت إلى تفوقه ولكنهم جميعا كانوا مؤمنين بأصالة وبأصالة الثقافات التي ينتمون إليها فيما كانوا يؤمنون أيضا كما يؤكد المؤلف بأنه في هذه اللحظة من التاريخ - فالأمر يقتضي «الاقتراض» من الغرب بمعنى النسج على منوال تقدمه ومنجزات تفوقه في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية على السواء.
الصفحات: 292
الكتاب: عالم ما بعد أميركا
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: نورتون وشركاه - نيويورك
تأليف :فريد زكريا

