رغم تعدد ألقاب رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو والتي تراوحت من رموز القرون الوسطى إلى سياسيي القرن العشرين المحنكين إلا أن اسماً آخر بدا لي ملائماً لها أكثر: كليوباترا الأوكرانية.

ظهرت تيموشينكو في أواخر التسعينات لتقلب ظهر المجن على مصارعي الحلبة السياسية في أوكرانيا الذين كانوا أداروا ظهورهم لهموم المواطن العادي مفضلين التحالف مع طبقة الأثرياء الجدد مستغلةً حالة الفوضى الأخلاقية التي اجتاحت البلاد إثر سقوط الشيوعية المدوي وسط غيابٍ تام للأحزاب الشيوعية التي بدا مؤيدوها أشبه بمحتفلي كرنفالاتٍ يائسين وهم يحاولون إعادة تسويق بضاعة لم يكن ليرغب أحد حتى بمجرد مشاهدتها.

ورغم الشكوك الكثيرة التي حامت حول مصادر ثرواتها وبرغم كل العقبات التي اعترضت طريق حصانها الجامح في سباقٍ سياسي ذكوري إلا أنها سرعان ما نجحت في تخطي أزمتها تلك لتظهر بمظهر المرأة الأوكرانية الناجحة والمدافعة المتحمسة عن مستقبل ومصالح بلادها بعدما شمت بحاستها الأنثوية السادسة رائحة حريق الثورات المخملية وهو آتٍ لا محالة ليطرق باب الباحة الخلفية لروسيا اليوم لتشكل ثنائياً ناجحاً كانت فيه الطرف الأبرز مع قوميّ آخر هو فيكتور يوشينكو.

عرف عن تيموشينكو تبديلها تسريحات شعرها تماماً بمقدار تغييرها لتحالفاتها السياسية. فتارةً تظهر بشعرٍ بني داكن بملابس متحررة وتارةً أخرى بشعرٍ أشقر يناسب سيدة أعمال كلاسيكية. لتخرج بعدها من شرنقتها تلك وتستقر على تسريحة الضفيرة الريفية الأوكرانية الذهبية التي تلازمت مع ارتدائها لملابس بيضاء كاملة أضفت عليها مظهر البراءة والنقاء كانت بأمس الحاجة إليهما.

لم تجد حرجاً في التحالف مع الأوليغاركية الناشئة في البداية لتنضم بعدها إلى خندق «كل الطرق تؤدي إلى واشنطن» وتتسلق إلى منصب رئاسة الوزراء مسددةً ضربتها القاضية لخصمها يانوكوفيتش وحليفها الآخر يوشينكو الذي لم يخفِ امتعاضه من تطلعاتها نحو عرش الكرسي الرئاسي.

فكما ملكة مصر الساحرة كليوباترا التي لعبت على حبال يوليوس قيصر ومارك أنطونيوس واستغلت نقاط ضعفهما، تأتي رئيسة الوزراء الأوكرانية من بلد اللا يقين بضفيرتها المميزة والتي تشبه إلى حد بعيد تاج كليوباترا الذهبي لتهز أركان الكرملين بيد وتحنو على ساكني البيت الأبيض بيدٍ أخرى وتحيك بمهارة النساجين خيوط التناقضات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة آملةً أن تنهي رحلتها تلك متوجةً كملكةٍ على أوكرانيا وليس انتحاراً كسلفتها التي فضلت موتاً زؤام على المسير كأسيرةٍ مكبلة بالحديد في مواكب نصر أعدائها.

انتابت أحد السياسيين الأوكرانيين ضحكةً خائفة عندما سمعني أؤكد له في إحدى أمسيات شتاء كييف القارس العام 2005: هي رئيسة الوزراء الآن، وغداً ستصبح أول رئيسةٍ لإحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وكم تبدو هذه العبارة اليوم أقرب إلى الواقع منها إلى تفكير مؤيديها الشباب الرغبوي بعيد انطلاق الثورة البرتقالية.

bbaker@albayan.ae

رؤوف بكر