بعيدا عن الأحداث المباشرة التي تقع بين فترة وأخرى وتصب في جهة تأجيج مناخ التوتر بين العالمين الإسلامي والغربي، فإن النظرة المتعمقة تشير إلى أن اتجاه هذه الأحداث إنما يتحدد بشكل كبير بفعل أرضية مجهزة تعزز هذا المناخ وتذهب بردود الفعل وجهتها المقصودة على هذا الطريق.

وإذا كان هناك الكثيرون قد ساهموا على مدار تاريخ هذه العلاقات في اتجاهها نحو العداء، فإن التاريخ المعاصر يشهد نشاطا ملموساً من قبل آخرين يعمل على توطيد هذه الأجواء يساعدهم في ذلك حالة السيولة على صعيد وسائل الإعلام والاتصال والتي جعلت العالم كما يحلو للكثيرين القول أشبه ما يكون بقرية صغيرة. هنا وفي إطار محاولة فهم واقع ومسيرة العلاقات بين العالمين الإسلامي والغرب فإن الأمر يتطلب إطلالة من قريب على رموز هذا التيار في محاولة للإلمام بآلياته وأساليبه وأهدافه، على النحو الذي قد يساعد في تجنب التأثير السلبي الذي يسعى إلى تحقيقه.

وإذا كانت مقولة البعض عن وجود خطابين في الغرب تجاه الإسلام هما خطاب «الإسلام العدو» وخطاب «الإسلام التحدي»، تعتبر صحيحة إلى حد كبير، فإننا نحاول من خلال سطور المادة المنشورة هنا استعراض نموذج من نماذج ما يمكن اعتباره تيار التشدد الغربي تجاه الإسلام والمسلمين وهو دانييل بايبس والذي يعتبر من أهم روافد ما اصطلح على توصيفه بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة. - ليكودي عريق: يعد دانييل بايبس المنتمي أيديلوجيا لحزب «الليكود» الاسرائيلي ويهودي أميركي يعمل على خدمة الصهيونية بشكل علني من أبرز رموز التيار المتشدد تجاه الإسلام والمسلمين، وعمل على تحقيق ذلك إثر تعيينه مديراً لمعهد السلام التابع للحكومة الأميركية وهو التعيين الذي صادف معارضة من قبل دبلوماسيين عرب وخبراء في الحكومة الأميركية وخارجها. ومما ساعد على صعوده في الأوساط السياسية الأميركية فرصتان الأولى وصول المحافظين الجدد إلى السلطة مع جورج بوش الابن، وفرصة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 .

في الفرصة الأولى صار هو وزميله مارتن كريمر تحت إمرة برنارد لويس المستشارين المتخصصين لدى الإدارة في الشأن العربي والإسلامي، وفي الفرصة الثانية دخل هو وزميله كريمر أيضا في الهيئات الاستشارية لشؤون الأمن في الولايات المتحدة ولشؤون التعامل مع العرب والمسلمين والحركات الإسلامية في أفغانستان والعراق وفلسطين. وكان بايبس قد أنشأ في أواسط التسعينات مركز فيلادلفيا لدراسات الشرق الأوسط لتقديم النصح والمشورة بشأن العرب والمسلمين وحل مشكلة الشرق الأوسط. ويصفه البعض بأنه تلميذ رديء لأسوأ تقاليد الاستشراف السياسي.

وتكشف متابعة متأنية لكتابات بايبس عن أنه نذر نفسه لبث الرعب في نفوس الأميركيين من الإسلام وواجهته الرسمية في هذا الصدد تتمثل بشكل أساسي في موقعه على الإنترنت والذي يثير على النحو الذي يبدو به الكثير من الشبهات بشأن مصادر تمويله، حيث يقوم مثلا بنشر مادته والتي تمثل كتابات بايبس ولقاءاته وأحاديثه وغير ذلك بنحو 33 لغة فضلا عن الإنجليزية. وتتمثل خطورة موقعه في أنه يحتل مرتبة متقدمة على صعيد زيارته مما قد يجعله مصدرا رئيسيا للمعلومات عن الإسلام والمسلمين.

تكريس «الخطر الإسلامي»

وترتكز مواقف بايبس من الإسلام والمسلمين على عدة ركائز أساسية تتمثل بشكل أساسي في محاولة تكريس فكرة الخطر الإسلامي وتشويه صورة المسلمين داخل الولايات المتحدة ومحاولة نفي وجود فوارق بين من يمكن اعتبارهم مسلمين معتدلين وآخرين متشددين.

وتكشف متابعة كتابات بايبس سواء من خلال المقالات التي ينشرها على موقعه أو في وسائل إعلامية وبحثية أخرى أنه لا يقيم مثلا تمييزا واضحاً جدا بين الإسلام كدين وبين الإسلام السياسي كأيديولوجيا مع إنه يذكر بإصرار قاطع إنه يفعل ذلك، فالإسلام بالنسبة اليه يبدو في فطرته مناهضا للغرب، وهو خطر على الغرب مثلما الشيوعية إبان الحرب الباردة.

ويحاول بايبس تقديم صورة سلبية عن الإسلام إلى حد إشارته إلى تأصل الكراهية في الإسلام معتبرا أن مظاهر المعارضة مثلا لما يسمى عيد الحب - عيد القديس فالنتين- إنما تعبر عن الكراهية في الإسلام. ولا يخفى هنا ما في منطق بايبس من مغالطة حيث لا يمكن بمفهوم المخالفة اعتبار رفض الغربيين الاحتفال بعيد إسلامي تعبيراً عن الحقد على الإسلام، باعتبار أن لكل مجتمع احتفالاته وأعياده وتقاليده.

وفي إطار التخويف من الإسلام والمسلمين أنذر بايبس العالم عشية حرب الخليج الثانية عام 1991 بقدوم جائحة إسلامية، وحملت إحدى مقالاته العنوان الدراماتيكي المستمد من ثقافة مرابطة الجيوش الإسلامية أمام أسوار فيينا قبل مئات السنين: المسلمون قادمون. وقد قدم بايبس إسهامات فكرية متعددة تعزز مواقفه التي تروج لفكرة الخطر الإسلامي ومنها كتيب صغير له بعنوان «الإسلام السياسي» حاول أن يفسر من خلاله عداء ظاهرة الحركات الإسلامية للولايات المتحدة وإسرائيل استنادا إلى آراء برنارد لويس وباتريشيا كرون ومايكل كوك حول أصولية الإسلام.

ومع إنه حسب وجهة نظره لا يصح اعتبار الإسلام كله أصوليا، إلا إنه ينبغي إدراجه في الحسبان ضمن الأخطار التي تتهدد السلام والأمن في العالم تماما مثل خطر الشيوعية والاتحاد السوفييتي، ثم إنه ينبغي الانتباه إلى الخطر الجديد المتمثل في شبان الجاليات الإسلامية في اوروبا والولايات المتحدة فهؤلاء الذين كانوا يتعاطفون مع اليسار يتعاطفون الآن مع الإسلام.

معركة مع «كير»

وتمثل كتابه الذي صدر منذ سنوات «الإسلام المتشدد يصل الولايات المتحدة» نموذجاً آخر على محاولته تكريس فكرة هذا الخطر وإنه لم يعد خطرا خارجيا وإنما ماثل في حياة الاميركيين داخل بلدهم. ويشير إلى اتساع تأثيره أن كتابه الأخير المشار إليه يعد من الكتب الأكثر مبيعا، وفيه يذهب إلى أن الإسلام يشكل خطرا على الولايات المتحدة والعالم وأن هناك صراعا الآن على روح الإسلام لكنه ليس محسوما لصالح الليبراليين لأنهم قلة ولا يشكلون تياراً.

وتعكس معركته مع مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية في واشنطن «كير» هذا التوجه حيث لم يسلم المجلس رغم ما هو معروف عنه من توجهات تنطلق من التوافق مع القيم السياسية الأميركية من الهجوم عليه من قبل بايبس مشيرا إلى إنه اكتسب سمعة تسمه بالاعتدال في حين أن الواقع غير ذلك معتبراً إنه يدعم الإرهاب بشكل أو بآخر.. فالمجلس يساند القتلة ويشجع معاداة السامية فضلاً عن طموحاته العدوانية منتهيا إلى أن السجل الحقيقي للمجلس يحفل بالتطرف.

كما أن بايبس على طريق اتخاذ مواقف عملية تعزز مواقفه أنشأ موقعاً الكترونياً على الانترنت سماه «كامبوس ووتش» لمراقبة أساتذة دراسات الشرق الأوسط والإسلام في الجامعات الأميركية، وتقييم كتاباتهم ومحاضراتهم بحيث تجري إدانتهم بسرعة ان ارتكبوا ما قد يسيئ إلى الولايات المتحدة واسرائيل!

كما كان بايبس وراء إلغاء التأشيرة لطارق رمضان، السويسري من أصل مصري، والذي دعي للتدريس بإحدى الجامعات الأميركية، بحجة إنه متطرف مستتر، ومن أنصار تنظيم «القاعدة» وأسامة بن لادن!

ويمتد تناول بايبس النقدي الحاد إلى التيارات المعتدلة الأميركية مؤكدا بتعابير فجة أنهم يجب أن يحاربوا ويهزموا، وينوح على حقيقة أن مقاربة اليسار الرخوة من الإسلام الأصولي صارت الخطاب المسيطر في الولايات المتحدة.

الكل متطرف

ولا يقتصر بايبس في مواقفه المتشددة والتي تصل إلى حد التطرف الذي يدعي أنه يحاربه على الصعيد الإسلامي عند هذا الحد وإنما يسعى إلى تعميم فكرة تبدو منافية للمنطق وهي التأكيد على عدم وجود فوارق تذكر بين من يتم وصفهم بالمتطرفين والمعتدلين على الصعيد الإسلامي.

ومن آرائه التي تعبر عن هذا الموقف تأكيده على إنه لا يوجد شيء اسمه «إسلاموي معتدل» وذلك لأن جميع «الإسلامويين» يشتركون في نفس الأهداف الطويلة الأمد، معتبرا إنهم يختلفون فقط حول الوسائل. ومن الأمثلة التي يضربها للتدليل على وجهة نظره إشارته إلى أن حزب العدالة والتنمية في تركيا على سبيل المثال إنما يعد مختلفا تماما عن الطالبان في وسائله ولكنه ليس مختلفا كثيرا في غاياته، إذا فاز الحزب بالسيطرة الكاملة على تركيا فإنه قد يصبح خطرا بالقدر الذي كان عليه الطالبان في أفغانستان.

غير إنه فيما يبدو تسليما بعدم تجاوز التعامل مع الإسلام من خلال العالم الإسلامي فإنه يدعو إلى ما يعتبره نوعاً معيناً من الإسلام المعتدل يتميز بحسن الجوار، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لن تستطيع تحقيق ذلك بمفردها وإنما يجب أن يساعدها المسلمون على ذلك، وهو ما يعني البحث عن مسلمين جيدين يمكن محبتهم! وذلك أمر بعيد المنال.

وفيما يكشف عن مواقفه التي تتسم بالتحيز تجاه كل ما هو إسلامي فإن بايبس يتبنى في إطار الحديث عن الديمقراطية في العالم الإسلامي موقفا يناقض الدعاوى الأميركية بشأن تعزيز وتدعيم الديمقراطية في أوساط المسلمين إلى الحد الذي تنطبق عليه مقولة ازدواجية المعايير، حيث إنه فيما يقر بحيوية الديمقراطية فإنه يتخذ موقفا مناوئا حينما يتعلق الأمر بالحركات الإسلامية.

ومن المواقف البارزة في رؤى بايبس والتي تكشف عن حجم موقفه المعادي للإسلام تأكيده على إنه يجب عدم قبول منظمة حماس وحزب الله في إطار النظام الديمقراطي بسبب أهدافهما التي تطمح إلى إنشاء نظام عالمي على النمط الذي نشأ في إيران، وهو الموقف الذي عبر عنه في مواجهة التوجهات الأميركية التي بدا فيها دعوة الولايات المتحدة حزب الله وحماس إلى التخلي عن توجهاتهما وفي هذه الحالة يمكن تغيير الموقف منهما، ما يثير التساؤلات حول حقيقة معنى الديمقراطية التي يدعو إليها الغرب والتي تتبع معايير مزدوجة.

مساندة مطلقة لإسرائيل

أما عن مواقفه تجاه إسرائيل فإنها تكشف عن توافقه الكبير مع السياسات الإسرائيلية إلى الحد الذي يمكن معه فهم أبعاد الحملة التي يشنها على الإسلام والتي نذر من أجلها كل جهوده وأنشطته، فهو لا يرى نهاية للصراع في الشرق الأوسط إلا باستسلام الفلسطينيين لإسرائيل، وهو يشيد بالصهيونية وكونها حسبما يرى.. «ألهمت أكثر الحركات القومية تميزا في القرن العشرين حركة بثت الحماس والدافعية في شعب مشتت من اجل العودة إلى الوطن القديم وإحياء لغة ميتة وإقامة دولة جديدة والقيام بذلك في وجه معارضة شديدة».

وفي امتداد لمواقفه تلك التي تكشف عن انحيازه تجاه إسرائيل إشارته في معرض تعليقه على زيارة مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما لإسرائيل إلى أنها جاءت في سياق «إخفاء أوباما لجذوره الموالية للفلسطينيين ولإبراز موقف وسطي استعدادا للانتخابات نهاية العام الجاري».

تشويه الجهاد

يقدم بايبس تفسيراً مشوها لمفهوم الجهاد بأنه يعني هو المحاولة الجمعية القانونية الإلزامية لتوسيع المناطق التي يحكمها المسلمون على حساب المناطق التي يحكمها غير المسلمين، وبمعنى آخر ليس لنشر العقيدة الإسلامية بل لمد السلطة الإسلامية. وفي إطار مساعيه لتشويه المفهوم يقول إنه حسب وجهة نظره المصدر الرئيسي والأول للإرهاب في العالم اليوم، وكذا فإنه مصدر للصراع على مدى أربعة عشر قرنا.

ويزعم أن المسلمين يميلون تأييد الإرهاب وهو ما يشير حسبه إلى أن للإرهاب الذي يقوم به المسلمون جذورا عميقة وأنه سوف يظل خطرا في الأعوام المقبلة. وعلى ذلك يزعم أن الحرب على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة، معتبرا أن العدو في هذه الحالة ليس الإسلام بل الإسلام المتطرف.

هجرة وهجرة

امتدادا لتكريس أفكاره حول الخطر الإسلامي يعمد بايبس إلى تشويه صورة المسلمين داخل الولايات المتحدة بما يضعهم تحت دائرة الاشتباه. ومن مواقفه الدالة في هذا الصدد إنه بعد المحاولة الأولى لنسف مركز التجارة العالمي اتجه إلى دراسة توجهات المسلمين في الغرب.

ورأى وقتها أن هناك فرقين بين الهجرة العربية والإسلامية والهجرة اليهودية إلى الغرب فاليهود ينتمون إلى الحضارة نفسها ويقعون في أساسها من الناحيتين الدينية والثقافية وقد أسهموا في إنشائها بينما ينتمي العرب والمسلمون إلى حضارة معادية للغرب والمسيحية منذ القدم. وفي هذا الخصوص كذلك وفي إطار العزف على النغمة ذاتها يقول: إن الإسلام الراديكالي يشتد ويقوى في كل مكان بينما العالم المتحضر يرتكب أخطاء خطيرة حيث يلوم نفسه ويعتبر نفسه مسؤولا عن كراهية المسلمين له ويقلل من خطورة العدو ويسترضيه.