كان طبيعياً أن يؤدي إنهاء تلك الحروب في المنطقة، إذا ما سارت الأمور في هذا الاتجاه للانتهاء منها، إلى الشروع في ترتيب جديد لأوضاع المنطقة، ترتيب سيكون للولايات المتحدة الأميركية دور أساسي فيه وفي استهدافاته. وملف العلاقات اللبنانية السورية هو جزء مهم من هذا الترتيب الجديد لأوضاع المنطقة.

لنتوقف أولاَ، وقبل البدء في قراءة الجديد في هذين الملفين، عند بعض الجوانب التاريخية المتصلة بكل منهما. فمن المعروف، فيما يتعلق بالملف السوري الإسرائيلي، أن سوريا التي شاركت في الحروب العربية الإسرائيلية منذ العام 1948 وقعت هدنة مع إسرائيل في العام 1973. وامتنعت القيادة السورية منذ ذلك التاريخ عن القيام بأي عمل عسكري لاستعادة الجولان المحتل (1400 كيلومتر مربع). وكان الهم الأساسي لدى القيادة السورية، بديلاً من العمل لتحرير الجولان المحتل، تثبيت مواقعها في لبنان، باسم المسؤولية التي أوكلت إليها في اتفاق الطائف من قبل المجتمع العربي والمجتمع الدولي مجتمعين. لكنها، أي القيادة السورية، حاولت في بعض الأحيان.

لاسيما في المرحلة الأخيرة من عهد الرئيس حافظ الأسد الشروع في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل. ولم تكن إسرائيل مستعجلة في الوصول إلى ذلك الاتفاق، بالنظر لكون الجبهة على الحدود بين البلدين كانت هادئة هدوءاً كاملاً ومطلقاً. وثمة قصص وطرائف تروى حول الجولان المحتل، وحول مفاوضات السلام.

ومن المعروف في ما يتعلق بملف العلاقات اللبنانية السورية أن سوريا أرسلت قواتها المسلحة إلى لبنان في العام 1976 تحت شعار إنهاء تلك الحرب ولم تستطع إنهاءها. لكن تلك القوات ظلت، منذ ذلك التاريخ، منتشرة في الأراضي اللبنانية حتى العام 2005.

وإذا كانت الحرب الأهلية حددت حجم الدور السوري في الهيمنة على لبنان فإن اتفاق الطائف الذي عقد في العام 1989 برعاية عربية وبدور أميركي مباشر أوكل إلى القيادة السورية، استناداً إلى وجود قواتها المسلحة بكثافة في لبنان ولأسباب سياسية معروفة في ذلك الحين، تطبيق ذلك الاتفاق.

وبموجب ذلك التوكيل العربي والدولي تحول الدور السوري في لبنان إلى وصاية كاملة العناصر على بقايا الدولة اللبنانية المهشمة، المقطعة الأوصال، المهترئة والمفككة جميع مؤسساتها، والمهترئة والمفككة مؤسسات المجتمع المدني فيها، أحزاباً ونقابات وجمعيات وتجمعات من كل الأنواع. واستمرت تلك الوصاية، بأشكالها الفظة، حتى العام 2005، العام الذي أعقب التمديد القسري غير الدستوري لرئيس الجمهورية السابق إميل لحود، وبدء مسلسل الاغتيالات، الذي كان المستهدف الأول فيه الرئيس رفيق الحريري.

وجاء خروج القوات السورية في ذلك التاريخ، في شكل قسري، تحت ضغط انتفاضة الاستقلال، وضغط المجتمع الدولي، وضغط كثرة من الدول العربية. وبذلك انتهت تلك الوصاية. هذا هو التاريخ السابق على الوضع الجديد الناشئ، الذي فتح فيه هذان الملفان، واتخذ البحث فيهما، والتفاوض حول القضايا المتصلة بكل منهما، طابعاً جدياً غير مسبوق. وهذا ما يعطي للحديث عن هذين الملفين اليوم جديته وأهميته في ما يتعلق بمستقبل المنطقة برمتها. غير أن علينا ألا نغفل، في الوقت عينه، وبالتزامن مع هذين الملفين، العناصر الجديدة المتصلة بثلاثة ملفات كبيرة أخرى هي:

1- الملف النووي الإيراني وملحقاته، لاسيما ما يتصل منه ومنها بدور إيران في المنطقة، وبعلاقتها بكل من إسرائيل وأميركا، سلباً وإيجاباً.

2- الملف العراقي، بعد خمس سنوات على سقوط نظام صدام حسين، وبداية الاحتلال الأميركي لهذا البلد العربي الكبير. وهو ملف متعدد الأطراف، ومتعدد الاتجاهات، إيرانياً وتركياً وسورياً وسعودياً، وأميركياً في الدرجة الأولى.

3- الملف الفلسطيني الفلسطيني والفلسطيني الإسرائيلي والفلسطيني العربي والفلسطيني الإيراني. أما موضوع الأسرى وعلاقته بحزب الله، فهو، على أهميته بالنسبة إلينا كلبنانيين، يشكل جزءاً من الملف السوري الإسرائيلي ومن الملف الإيراني الأميركي.

إن ترابط هذه الملفات بعضها ببعض هو، في هذا الظرف التاريخي بالذات، أمر طبيعي. لذلك علينا، ونحن نبحث في أي من هذه الملفات، أن نربط بينها جميعاً في الآن ذاته. أول سؤال يطرح في هذا الإطار يتعلق بالأسباب التي دعت إسرائيل إلى الموافقة على التفاوض مع سوريا حول الجولان، من دون أن تلقى معارضة ما، أو مقاومة عسكرية أو سياسية من قبل سوريا، من أجل تحرير أرضها، أسوة بما فعل لبنان، شعباً ودولة ومقاومة، لتحرير أرضه، وحقق الانتصار على إسرائيل في معركة التحرير هذه. الجواب عن هذا السؤال الأول والأساسي، في تصوري له، يتألف من شقين أساسيين، وشق ثالث ملحق بهما.

الشق الأول، هو أميركي. فمصالح الولايات المتحدة اليوم، باتت تقضي بالعمل على حل ما للنزاع العربي الإسرائيلي، يبدأ بسوريا. الشق الثاني هو لبناني، معنية به الولايات المتحدة وإسرائيل. وليس لبنان هو ما يشغل بال أي من الدولتين. ما يعنيهما، بالتحديد، هو أن ينزعا، من خلال إقامة سلام بين سوريا وإسرائيل، المبررات التي تجعل لبنان ساحة دائمة للتوترات وللحروب. وهو ما يطلب من سوريا أن تلعب فيه دوراً أساسياً، سيكون ثمنه المباشر ضمان استمرار نظامها وضمان بعض مصالحها في لبنان، بدور أميركي على وجه الخصوص.

الشق الثالث هو إيراني. والمقصود في هذا الأمر، بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، هو أن يصلا إلى هدفهما بإضعاف العلاقات بين سوريا وإيران، ليضعا حزب الله أمام احتمالين:

الأول، هو الصدام مع سوريا، من خلال افتعال أحداث أمنية مع إسرائيل تستدرج حرباً جديدة على أرض لبنان، الأمر الذي يقود إما إلى تعطيل مفاعيل المفاوضات السورية الإسرائيلية، ويعطل استهدافاتها، وهو ما لا تريده أميركا وإسرائيل، أو أن يقود إلى الاستمرار في المفاوضات، في شروط أفضل، إذا ما تمكنت إسرائيل في تلك الحرب المحتملة في القضاء على حزب الله وعلى قدراته العسكرية والمدنية. وهو ما يريح القيادة السورية، إذ يعفيها من المهمة الصعبة بتحجيم حزب الله في لبنان وتحجيم دوره في المنطقة، مدعوماً من إيران.

أما الاحتمال الثاني، فهو الاتفاق بين إيران وسوريا على إقناع حزب الله بالدخول في الدولة من موقع القوة السياسية، استناداً إلى الانتصارات التي حققها في المواجهة مع إسرائيل، ومن موقع القوة في سيطرته السياسية والعقائدية على الطائفة الشيعية. وهذا الدخول في الدولة يقضي بأن يتخلى الحزب عن سلاحه، في صيغة ما صار معروفاً باسم الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، التي يستوعب فيها مقاومو حزب الله ويستوعب فيها سلاحه. ويؤمّن حزب الله، بذلك، حضوراً سلمياً أكثر تأثيراً في الحياة اللبنانية، وأقل كلفة بالنسبة إلى كل من سوريا وإسرائيل في المستقبل القادم، عندما يصبح السلام أمراً واقعاً.

يبقى أن نشير إلى أن قادة إسرائيل ما زالوا غير قادرين، في المدى المنظور، على تقديم تنازلات بخصوص القضية الفلسطينية. الأمر الذي يبقي هذه القضية مصدراً لتوترات تتجاوز قرار الدول في منع نشوئها، لاسيما أن ثمة تنظيمات سلفية وغير سلفية، فلسطينية، أو باسم فلسطين، ستجد في استمرار الأزمة الفلسطينية، بعلاقتها مع إسرائيل، مصدراً لكل أنواع التوتير، ومنها ما يمكن إطلاق صفة الإرهاب عليه، من دون حذر أو التباس.

أضيف إلى ذلك بأن إسرائيل، برغم انصياعها إلى القرار الأميركي في المفاوضات مع سوريا، لا تستطيع، بحكم عنصرية القوى الأساسية فيها، إلا أن تظل مستنفرة في وجه البلدان العربية، حتى تلك التي أقامت معها سلاماً موثقاً باتفاقات، أو أقامت معها علاقات سياسية من دون اتفاقات من ذلك النوع الآخر. بل أن إسرائيل ستظل ترى في لبنان نقيضاً لها، في طبيعة تكوينه، وفي تركيبته السياسية، وفي تنوع وتعدد الطوائف فيه.

لذلك فهي لا تجد نفسها مضطرة للدخول في كل تفاصيل الاتفاقات المنخرطة فيها، لاسيما ما يتصل من هذه الاتفاقات ما يخص لبنان. فعدم الاستقرار في لبنان، وعدم ثباته كدولة ديمقراطية قائمة على التعدد والتنوع، هو ما تنشده إسرائيل. إذ أن عدم الاستقرار هذا في لبنان سيحرر إسرائيل من خصم تاريخي مفترض، يقاسمها، إذا ما استقر، علاقاتها مع العالم، كموقع مالي واقتصادي وسياحي، وسوى ذلك مما يتصل بدور لبنان التاريخي في المنطقة.

من السابق لأوانه الدخول في هذه التفاصيل المتصلة بالمرحلة النهائية من المفاوضات. لكن ما يقلق اللبنانيين، في سياق هذه المفاوضات، وهي تدخل في مراحل متقدمة منها، هو ما بدأنا نشهده وما يفسره البعض بأنه تدخل سوري في الشأن اللبناني، والغريب في الأمر، إذا ما اعتبرنا أن المفاوضات ستقود في نهاياتها إلى سلم في المنطقة، هو أن تترافق مع هذه المفاوضات، هو أن تزداد بعض مظاهر «التدخل»، خلافاً لما هو معلن حول تصويب تلك العلاقات، وتحريرها مما ساد في العهود السابقة، لا سيما في عهد الوصاية.

هنا، بالذات، تطرح أسئلة كثيرة. وجوهر ما تعبر عنه وتثيره تلك الأسئلة هو ما يمكن أن يكون متفقاً عليه، في أماكن معينة، وفي غرف مغلقة، إقليمية ودولية، حول الربط بين المفاوضات، وبين نهاياتها، وبين دور مفترض لسوريا في لبنان.

على أننا، ونحن نطرح هذه الأسئلة، لا نستطيع إلا أن نكون مع استمرار المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، شرط أن تقود إلى سلام عادل، تعاد فيه الحقوق إلى أصحابها في سوريا وفي لبنان، وفي فلسطين على وجه الخصوص.

إذ لا سلام حقيقياً في المنطقة من دون هذه الشروط. وفي الوقت الذي نعلن فيه تأييدنا لهذه المفاوضات، في هذه الشروط، لا يسعنا إلا أن ننبه ونحذر اللبنانيين أولاً، وكل المعنيين باستقلال وسيادة لبنان، من العرب ومن أصدقائهم في المنطقة وعلى الصعيد الدولي، ننبه ونحذر من الأخطار التي ينطوي عليها أي تساهل إزاء مطامح سورية للعودة إلى لبنان، مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

والتنبيه والتحذير يطالان الأشقاء السوريين أنفسهم، فالعلاقات الصحيحة بين البلدين ينبغي أن تتحرر اليوم، وإلى الأبد، من كل ما حفل به تاريخنا، من أشكال تدخل فظة في لبنان، تركت آثارها السلبية على البلدين وعلى الشعبين. ذلك أن ما يربط بين البلدين والشعبين من تاريخ مشترك ومن مصالح مشتركة إنما يقضي، بخلاف تلك السياسات السابقة، بتعزيز العلاقات بينهما، على قاعدة الندية واحترام كل منهما لخصوصيات الآخر. فهكذا، وفقط هكذا، تقوم علاقات مميزة بين البلدين، مميزة بكل المعاني. وهو ما ينشده الشعبان. وهو ما ينبغي أن تستند إليه العلاقات بين البلدين.