يحرص المؤلف منذ السطور الاستهلالية من كتابه على تصدير مقولاته بسطور كاشفة من المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي يقول فيها: إن التطور يتم عندما يتجلى التحدي الذي يستثير الاستجابة وإذا نجحت الاستجابة فهي جديرة بأن تولد بدورها تحديات جديدة.

وفي ضوء هذه السطور يطرح المؤلف أولى مقولات كتابه موضحاً أنه لا يكتب عن «نهاية» أميركا بل هو يكتب عن «بداية» القوى الأخرى في العالم أو على حد قول «متشيكو كاكوتاني» ناقد النيويورك تايمز: فقد طال العهد بأميركا وهي في موقع القوة الأعظم.. وربما حان الوقت لكي تجابه هذه ـ القوة ـ السوبر تحديات من نوع جديد تلخصها عبارة تقول: - إن الشمس تشرق على روابي الشرق. ونبادر لنقول ان الشرق المعني هنا يمتد من شبه القارة الهندية إلى الصين في أقصى مساحة القارة الآسيوية.

إن كتاب فريد زكريا يوجه انتقاداته إلى سلوك أميركا وتوجهاتها وينبه إلى أن الأفق العالمي واعد بصعود قوى جديدة تتخذ لنفسها مكاناً ومكانة في ساحة العالم - لكنه لا يتنبأ - كما فعل البروفيسور كينيدي - بسقوط المكانة الأميركية.. وحسبه أن يدلك في هذا الكتاب على أن الساحة الكوكبية ما زالت تتسع لأكثر من منافس. في الفصل الثاني من الكتاب ـ وهو بالمناسبة أطول فصوله.. يوجه المؤلف فريد زكريا أصبع الاتهام إلى المؤسسة الاجتماعية ـ الاتصالية ـ الثقافية التي نعايشها آناء الليل وأطراف النهار.

إنها مؤسسة «الإعلام» بكل ما تحفل به من ميديا الاتصال اللحظي عبر الأقمار الاصطناعية وبكل ما تضمه من خبراء ومخططين ومذيعين ومعلقين وفي الطليعة من هؤلاء تتفرد فئة أهل المهنة الكبار الذين باتت تحليلاتهم وتنبؤاتهم يتابعها الساسة وتصدقها الجماهير ـ ومن هنا فقد اصطنعوا لهم في واشنطن مصطلحاً مخصوصاً تعبر عنه بالانجليزية كلمة «Pundits» وقد يصطلح لترجمتها تعبير «دهاقنة الإعلام على شاكلة هنري كيسنجر». يذهب المؤلف إلى القول بأن ثمة مستويين للحقيقة في العالم الذي نعيش فيه هما:

ـ المستوى الإيجابي الباعث على التفاؤل وهو تفاؤل ومحسوب من وجهة نظره.. يقول بأن البشرية في وضع أفضل نسبياً عن ذي قبل.

ـ المستوى السلبي الباعث على القلق بل الخوف والتشاؤم ويقول بأن الإنسانية مهددة بتحديات العنف.. الإرهاب ـ التخلف ـ الجوع والصراعات.

واضح أن مؤلف الكتاب يتبني المستوى الإيجابي الأول. وفي هذا الصدد يحيل المؤلف إلى دراسة فريق من الباحثين في جامعة ميريلاند الأميركية وقصدت إلى رصد وتحليل مسار الصراعات والعنف في عالم اليوم.

تقول الدراسة: عندما تقصينا مسار العنف والصراعات وجدنا أن حجم الحروب في العالم قد تناقص وانحسر بنسبة تريد على 60 في المائة منذ منتصف الثمانينات إلى أن وصل مع نهاية عام 2004 إلى أدنى مستوياته. لقد ظل العنف بتزايد باضطراد خلال سنوات الحرب الباردة لدرجة أن تضاعف 6 مرات بين الخمسينات وأوائل التسعينات.. وهكذا حُق للبروفيسور «ستيفن بنكز» الأستاذ بجامعة هارفارد أن يقول معلقا على هذه النتائج: ربما نعيش اليوم في أكثر الأوقات سلاما على مر تاريخ البشر..!

من منظورنا ـ في الشرق الأوسط والعالم الثالث ـ قد نعترض على مثل هذه المقولات ولكن المؤلف يبادرنا بنبرة اعتراف يقول فيها: معكم حق في هذا الاعتراض.أما السبب الذي يسوقه فيتجسد فيما يصفه ذلك بالتباين.. التعارض بين الواقع الحقيقي وبين إحساسنا وتصورنا لأبعاد هذا الواقع.. هذا التعارض سببه تلك الثورة التي تفجرت في تكنولوجيا الإعلام وفي وسائل الاتصال.. هي السبل التي باتت الآن تنقل الأخبار حول العالم لحظة وقوعها.. وبصورة بالغة الحيوية وبغير توقف أو كلل أو انقطاع. يقول المؤلف:

ـ إن فورية وكثافة الصور المنقولة إعلاميا عبر الساعات الأربع والعشرين من دورة الأخبار تتركز على ترسيخ أوضاع موغلة في المبالغة ومثيرة للقلق وللخوف والتوتر، والتهاب الأعصاب. كل عاصفة تهب هي كارثة القرن، وكل قنبلة تنفجر تنقلها الميديا تحت شعار «خبر عاجل».

والناس تعيش هذه الملابسات وتتفاعل معها.. وما أبعد الأمس عن اليوم.. وفي السبعينات لم تنقل الميديا صورا ولا أفلاما عن نحو مليوني إنسان لقوا حتفهم في كمبوديا، وحتى في التسعينات لم يكد أحد يعرف على وجه التفصيل مصارع الملايين في حروب الكونغو في غرب افريقيا.. لكن ها نحن الآن نوافي في كل لحظة بآخر أخبار كل قذيفة تنفجر وكل دانة مدفع تنطلق وكل مأساة تحدث وكل فرد من ملايين المشاهدين أو المستمعين.. يطالع أو يسمع عن أخبار الضحايا فإذا به ـ بتأثير حالة التقمص السيكولوجي يطلق زفرة حادة ولسان حاله يقول: ـ كان يمكن أن أكون أنا.. من بين الضحايا المساكين.

هنا يحاول مؤلف الكتاب أن يلخص مقولاته في هذا الصدد فيضيف قائلاً: والمعنى أن ثمة شعوراً بأننا نعيش في عالم محفوف بالمخاطر.. ولكن الحقيقة هي على خلاف ذلك. فالبيانات والمعلومات التي تم جمعها وتحليلها علميا تكشف عن اتجاه عمومي يستبعد وقوع الصراعات الشاملة والمدمرة بين الدول الرئيسية في العالم.

بعدها يتحول المؤلف إلى نقطة جوهرية في تحليله حين يضع يده على ظاهرة يراها مستجدة في عالم اليوم: هي ظاهرة الطلاق كما قد نسميه أو عدم التلازم بين السياسة والاقتصاد ويقول في هذا الخصوص:

إن ظواهر وحالات الحروب والانقلابات وعنف الإرهاب.. فقدت قدرتها على إخراج الأسواق عن مساراتها ولدرجة أن بات الاضطراب السياسي يتعايش جنبا إلى جنب مع النمو الاقتصادي!

وليست هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها هذه الظاهرة: تأمل مثلا عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين... مع هذا كله يضيف مؤلفنا ـ كانت الاقتصادات الصناعية تنمو وتزدهر باضطراد لدرجة أن يطلق الاقتصاديون على تلك الفترة وصف عصر «الصعود العظيم الثاني» للحركة الرأسمالية حيث كانت الأموال تتدفق من الولايات المتحدة إلى كل من أوروبا وشرقي آسيا..

وأدى ذلك ـ كما هو معروف ـ إلى أن أعادت أوروبا الغربية بناء نفسها بعد دمار الحرب العالمية الثانية واستطاعت اليابان، وهي أول دولة غير غربية أن تنجح في تحولها إلى التصنيع وأن تنمو بمعدل مرموق بلغ 9 في المئة سنوياً وعلى مدار 23 عاماً.

رغم كل ما سبق من توترات وصراعات وبعضها كان ساخنا بل دموياً.. عايش عالمنا ما يطلق عليه الاقتصاديون مصطلح «صدمات العرض الإيجابية» بمعنى زيادة المعروض من السلع والخدمات ولأجل طويل ـ مما أفضى بدوره ـ إلى طفرات متوالية من الانتعاش وانخفاض الأسعار وانخفاض أسعار الفائدة وارتفاع معدلات الإنتاجية وخاصة في الاقتصادات التي كانت في طور الانطلاق في تلك الأيام «ألمانيا واليابان وأميركا».

من هنا.. ورغم ما نشهده من سلبيات، فإن اقتصاد العالم في حال من التوسع. وعلى مدار العقدين الأخيرين دخل نحو بليوني إنسان عالم الأسواق ومضمار التبادل التجاري.. وكان ذلك في الماضي عالما أشبه بالنادي المغلق العضوية حيث كان أقرب إلى احتكار عدد قليل من الدول الغربية.. هنا يعمد المؤلف إلى لغة الأرقام (ص 20 وما بعدها) والأرقام تقول:

ـ بين عامي 1990 و2007 حقق الاقتصاد العالمي نمواً من 8. 22 تريليون دولار ليصل إلى 3. 53 تريليون دولار وسجلت التجارة العالمية زيادة بنسبة 133 في المئة.. وشكلت القوى الاقتصادية المستجدة على الساحة الدولية ـ الأسواق الناشئة كما يسمونها أكثر من نصف هذا النمو الكوكبي.. مع العلم بأن قوة هذه الأسواق باتت تستند بالأساس إلى قدراتها الذاتية (في الصين أو الهند مثلا) وليس إلى مجرد تلقيها رؤوس أموال من الخارج ولا حتى لأنها تقوم بتصدير منتجاتها إلى الغرب.. وهذا معناه ـ في رأي المؤلف ـ أن ظاهرة هذه الأسواق الجديدة والصاعدة أيضا ليست أمراً عابراً لكن ثمة مقولات أخرى ـ تعارض هذا الاتجاه في منطق الكتاب وتقول:

ربما تكون هذه الاتجاهات المرموقة من النمو عند الصين أو الهند ظواهر عارضة بالفعل.. بمعنى أن تكون معرضة للتبدد أو الانتهاء. هذه المقولات معها حق إلى حد ليس بالقليل.. وأصحابها لا يلبثون يضيفون قائلين:

انظروا مثلا إلى «الحالة اليابانية»: في عقد الثمانينات كادت فرائص الغرب ترتعد خشية أن يواصل اليابانيون نموهم وتقدمهم وقد كان باهرا بحق، فإذا بهم يسيطرون على اقتصاد العالم. ولكن ها هي الأمور وقد تكشفت عن أن القوم إنما كانوا يخشون شبحا من يابان ـ ذلك الزمان..

والذي حدث ـ يفسر المؤلف ـ أن اليابان عانت من فترة ركود في النمو والاقتصاد دامت أكثر من 15 عاماً: صحيح أنها كانت تصنف في عام 1985 بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأنها «كانت» ـ نقول كانت في طريقها إلى إزاحة أميركا عن مكانة الاقتصاد الكوكبي رقم واحد. لكن طوكيو لم تتمكن من إنجاز هذه القفزة لماذا؟ لأن نظمها ومؤسساتها وسياساتها لم تنل من التحديث القدر الكافي أو المطلوب.

وها هي اليابان تكاد تفسح الطريق أمام القوتين الصاعدتين من آسيا أيضاً وهما الصين والهند صحيح أن الفرد في كل منهما سيظل دخله السنوي فقيراً نسبياً إذا ما قورن بمتوسط دخل الفرد في الدول الغربية.. إلا أن كلاً من بكين ودلهي سائرتان على الطريق بفضل 3 عوامل متفاعلة وأساسية وهي:السياسة، الاقتصاد، التكنولوجيا.

في مجال السياسة أدركت القوى الصناعية أهمية تحرير الاقتصاد من قيود البيروقراطية وأغلال الأيديولوجيات.. وجاء زوال الاتحاد السوفييتي ليؤكد على هذا الجانب ويحض على انتهاج سياسات جديدة مع حلول عقد التسعينات ومن ثم ارتقاب القرن الحادي والعشرين لا عجب مثلا أن يصف «ألان غرينسبان» رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سقوط الاتحاد السوفييتي في عبارة ذات دلالة بالغة يقول فيها: إنه أهم حدث.. «اقتصادي» في زماننا.

في كل حال شهد العالم في أعقاب هذا الحدث السوبر ـ خطير ظاهرة جديدة ما زالت متفاعلة حتى هذه اللحظات: إنها ظاهرة حرية الحركة لرؤوس الأموال عبر أرجاء المعمورة. وجاءت هذه الحركة الحرة بمثابة البعد الأول لتلك الثورة كما يسميها المؤلف في مجالي السياسة والاقتصاد مع سنوات القرن الجديد. أما البعد الآخر.. وربما كان الأخطر فقد جاء مجسداً في ثورة جديدة هي ثورة تكنولوجيا الاتصال التي حولت العالم بالفعل إلى قرية كوكبية على نحو ما تنبأ رائد الإعلام الدولي ماكلوهان في أوائل الستينات.

ولأن السياسة في عناق دائم مع الاقتصاد والعكس بالعكس.. فقد كان طبيعيا أن ترتبط دعوة التحرير الاقتصادي بدعوات التحول والممارسة الديمقراطية.. ومع هذه التفاعلات على صعيدي الاقتصاد والسياسة بدأ العالم يعيش متغيرات القرن الجديد.. وبالتحديد بدأ الناس، وفي مقدمتهم الساسة والمفكرون، يشعرون بأن خارطة القوة المؤثرة في مجريات الأمور في طريقها إلى التغير..

ورغم أن أميركا كانت سباقة ـ كما يقول المؤلف ـ إلى نشر الأفكار عن تحرير الاقتصاد ومقرطة السياسة إلا أن سياستها ـ في ظل الإدارة الجمهورية عبر السنوات السبع ـ الثماني بدت وكأنها لا تدرك تماما أبعاد هذه المتغيرات حتى أن واشنطن تعيش، كما يقول المؤلف (ص 47) داخل فقاعة كبيرة.. أي في حال من الانعزال عما يتفاعل في العالم من أفكار وأطروحات وتيارات.

بل أن المشكلة ـ يضيف فريد زكريا ـ أن هذا الأمر امتد عبر 15 عاما من السلوك السياسي الغريب على الساحة الدولية. ويصفه المؤلف بدقة في العبارات التالية: عبر تلك السنوات عمدت أميركا إلى فرض عقوبات على نصف سكان العالم وأصبحنا البلد الوحيد في الدنيا الذي يصدر تقريراً سنوياً أشبه بالشهادات المدرسية لكي يصنف سلوك كل بلد آخر في أنحاء الدنيا.

الصفحات: 292

الكتاب: عالم ما بعد أميركا

تأليف: فريد زكريا - عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: نورتون وشركاه - نيويورك