في خطاب «حالة الاتحاد» في يناير 2002 رسم الرئيس الأميركي جورج بوش ملامح عالم ما بعد 11 سبتمبر بإلقائه كلمةً أكد فيها على مصيرية الحرب ضد الإرهاب وضرورة حماية الأمن الداخلي الأميركي من أي هجمات إرهابية في المستقبل. وأشار إلى «محورٍ للشر» يتوجب القضاء عليه يتكون من كوريا الشمالية وإيران والعراق.

كان لكاتب خطاباته السابق ديفيد فروم اليد الطولى في صياغة تلك العبارة التي ستصبح فيما بعد ديدناً للسياسات الخارجية الأميركية. أعلن بوش حرباً مقدسةً أخرى من طرفه على إرهابيي العالم الإسلامي. وجال مستشاروه ووزراؤه عواصم صنع القرار الإسلامي من إسلام اباد إلى الرباط لإعلان جبهة عالمية للجهاد ضد الأصولية الإسلامية.

استغلت الإدارة الأميركية تعاطف العالم أجمع معها لتنفيذ أجنداتٍ مؤجلة كان أبرزها الإطاحة بالنظام العراقي السابق عام 2003 بدعوى علاقاته المفترضة بتنظيم القاعدة ودعمه للإرهاب الدولي. ولا تزال تقديرات العديد من أجهزة الاستخبارات الغربية حول العالم تشير إلى أن «القاعدة» لا يزال يمتلك القدرة على توجيه ضرباتٍ ليست بالضرورة بضراوة تلك التي حدثت قبل سبعة أعوام كما أشار رئيس الاستخبارات الألمانية مؤخراً وذلك رغم اقتلاع «القاعدة» من «قاعدته» الأساسية في أفغانستان.

وبرهن على صحة تلك التقديرات إرهابيون صغار قاموا بتنفيذ تفجيرات مرعبة في بالي ومدريد ولندن والرياض وشرم الشيخ والدار البيضاء. تشظى ذلك التنظيم إلى خلايا صغيرة منفصلة تعمل بمجهوداتها الخاصة دون أن تأتمر مباشرةً بأمر بيشاور أو قندهار فانتشرت انتشار الخلايا السرطانية في جسم الإنسان.

وهنا تبدو فداحة الأخطاء التي ارتكبت خلال الحرب على الإرهاب التي قذفت بمعسكرات خوست وجلال اباد ومزار شريف إلى ضواحي باريس ولندن وهامبورغ ولوس أنجلوس، ما حدا بالحكومات الأوروبية وواشنطن نفسها إلى التجسس على مواطنيها واتصالاتهم وتحركاتهم وإحصاء عديد شهيقهم وزفيرهم اتبعت بحملات اعتقال ليلية ومحاكمات طائرة غير قانونية أثارت حنق المنظمات الحقوقية وظهور مصطلحات جديدة في العرف الإعلامي الأميركي مثل «القومية الأميركية» واتهام كل من لا يؤيد الحرب ب«انعدام الحس الوطني».

بالإضافة إلى آلاف الحالات من الاعتداء على المسلمين الأميركيين والأوربيين وتشديد سياسات الهجرة إلى الدول الغربية. وتبدو إدارة الرئيس الأميركي في ورطةٍ محرجة أمام مواطنيها على وجه التحديد أكثر من أي وقتٍ مضى وهي تبدو عاجزةً عن اعتقال رأس التنظيم أو يده اليمنى وقد قاربت شمسها على المغيب.

فهل كانت جبال تورا بورا هي الهدف الأكثر إلحاحاً حقاً في وجه إدارة بوش الابن، أم أنها لم تكن أكثر من تسخينٍ روتيني قبيل إطلاق صافرة البداية في مباراة واشنطن المصيرية أمام نفط العراق؟. أليس الأميركيون أنفسهم من يحلو لهم ترداد المثل الشائع: في الحرب والحب كل شيء مباح؟.