نيويورك أو التفاحة الكبيرة كما يحلو لساكنيها والمغرمين بلياليها الصاخبة الممتدة من شارع المال والأعمال «وول ستريت» مروراً بشارع الثقافة والفنون «برودواي» وليس انتهاءً بمنطقة ناطحات السحاب «مانهاتن» التي يمكن وصفها بمدينة داخل مدينة هي عاصمة العالم دون منازع.

فهنا كل اللوبيات وهنا تهبط أسعار العملات بل ومن هنا تتخذ جميع القرارات. قيض لي أن أهبط في مطارها الأشهر جون كيندي في شهر سبتمبر نفسه!! ولكن بعد سنين ثلاث من ذلك النهار المظلم. وصلتها متعباً بعد أكثر من 8 ساعات من الطيران المتواصل ولكن شيئاً ما أيقظني مع ابتعادنا شيئاً فشيئاً عن السحاب واقترابنا من مانهاتن السفلى. لم يكن بالطبع لخوفي من خطف الطائرة والارتطام بها بإحدى ناطحات السحاب بل لأنني أردت رؤية موقعي البرجين المدمرين اللذين أضحيا رمزاً للمقاومة من أعلى.

سمعت الكثير عن سوء المعاملة والتمييز الذي تعرض له المسلمون في الولايات المتحدة إثر تلك الهجمات، وما بيانات المباحث الفدرالية الأميركية المتكررة عن رصدها لآلاف جرائم الكراهية ضد مسلمين أميركيين في الداخل إلا بدليلٍ بين عن صعوبة أن تكون مسلماً، أو شرق أوسطياً كما يحلو لهم أن يطلقوا علينا، في أميركا ما بعد 11 سبتمبر. لفت انتباهي علم أميركي لطالما اعتدت على مشاهدته يحرق في شوارع جاكرتا وإسلام أباد والقاهرة. دققت النظر به مجدداً، فإذا بي أرى أسماء الضحايا الثلاثة آلاف نقشت على زاويته اليمنى العليا بدلاً من نجوم العلم البيضاء المعتادة.

كان من السهولة بمكان ملاحظة المشاعر الوطنية الحماسية التي اعتلت رؤوس المواطنين في الشارع وعيني تلاحقان أعلاماً أميركية تعلو أسطح منازلهم أينما ذهبت. بدت نيويورك كطائر العنقاء الذي ينفض عنه الغبار ليحلق في سماء الحرية بعد سبات. «غراوند زيرو» أو المنطقة الصفر كما بات لقب مكان انهيار البرجين بدت أشبه بالمنطقة «الألف» لكثرة العاملين والبنائين الذين يسابقون الزمن للنهوض ب«برج الحرية» الذي سيستبدل بالبرجين الراحلين.

أدركت أن تلك الأحداث شكلت نقطة تحول جوهرية في مقاربة الأميركي العادي ابن ولاية تكساس وأريزونا ونورث كارولاينا لمفهوم الإسلام وعقيدة المسلمين. ولمست وعياً كبيراً لدى الأميركيين الذين سبق لهم وأن عبروا ضفة الأطلسي خارج بلدهم في «فصلي» عن «أسامة» وعدم أخذي بجريرته. لن أنسى سؤال إحدى المسنات الأميركيات لي حينما كنت أتجاذب أطراف الحديث معها عما حصل في ذلك اليوم: «لماذا؟، لماذا يقتلوننا؟، ما الذي فعلناه؟».

في واقع الأمر لم أكن لأملك جواباً شافياً أرادت تلك المرأة إشباع فضولها به، لأن مثل ذلك الجواب كان يحتاج زمناً يعبر مدة التأشيرة السامية، ويسفك مداداً أكثر بكثير من المساحة المعطاة على هذه الصفحات.

bbaker@albayan.ae

رؤوف بكر