ليس من قبيل الصدفة أن المؤلف يختتم كتابه بفصل أخير يحمل العنوان الدال «بحثاً عن توازن في عالم غير أميركي»، وهو أمر يمكن تفهمه تماماً لأن باراج خانا يتوقع انتهاء لحظة الهيمنة الأميركية على العالم، لتحل محلها قطبية ثلاثية تمر بالولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وهو لا يتردد في الإعراب عن اعتقاده بأن أميركا لم يظلمها عالمها، وإنما ظلمها ساستها.

وبالتالي فإنها مستدعاة اليوم لإعادة اختراع نفسها عن طريق تصحيح أخطائها في المقام الأول، لأنها إذا لم تبادر إلى القيام بذلك فإنها ستغدو مرشحة للانزلاق هبوطا إلى غيابات العالم الثاني بعيدا عن صدارة المسيرة الحديثة على مستوى العالم، خاصة وأن ذلك يقترن بتراجعها اقتصاديا بصورة ملموسة، فقد انخفضت مساهمتها في الاقتصاد العالمي من 50% إلى 25%. والآن وقد انتهت مرحلة المجتمع العظيم في المسيرة الأميركية، فإن على واشنطن أن تدرك أن المكانة الامبراطورية تتحقق من خلال التوازن بين عنصري الخشية والتسامح، أي بتعبير آخر من خلال الجمع الذكي والناجح بين عناصر القوة الخشنة واللينة في إطار معادلة تعكس الذكاء والاقتدار في آن.

من واقع العرض التحليلي الذي عايشناه لأبواب وفصول هذا الكتاب، تتجلى أمامنا حقيقة محورية يكاد يترجمها ذلك «الوسواس» الذي لاحظناه وقد استبد بالمؤلف، وهو ما يدفعه إلى التربص بالصين، وهي اللاعب الشغوف الذي يراه مؤلفنا في حال من الصعود المستمر، منافسا عنيدا بل وشرسا لمكانة الولايات المتحدة من ناحية وطرفا شديد الفعالية، صعب المراس في معادلة توازن القوى الدولية من ناحية أخرى. ويرى المؤلف في الخلاصة الضافية التي أودعها الفصل الختامي من هذا الكتاب أن العالم بحاجة ماسة إلى نمط جديد من أنماط هذا التوازن، وهو يعبر عن رؤيته هذه في العبارة الموحية التي اختارها عنوانا لتلك الخاتمة. وهي: بحثا عن توازن في عالم غير أميركي.

بمعنى عالم هذا الزمن الاستهلالي الذي نعيشه من القرن الحادي والعشرين، عالم يرى المؤلف أن أميركا لم تعد فيه هي محور التوازن أو رمّانة الميزان كما يقول المثل العربي السائر.

يبادر المؤلف كي يوضح أن أميركا لم يظلمها عالمها، وربما يكون ساستها هم الذين ظلموها. ونضيف نحن في مضمار التحليل أن صانعي القرار الذين تحكموا في سياسات أميركا وسيطروا على مقاليدها ـ سلما وحربا في هذا العقد الأول من القرن الجديد.. كانوا ـ كما أصبح معروفا ـ من فصيل (المحافظين الجدد) الذين تبنوا طروحات وأفكارا يختلف الناس عليها.

وفي مقدمتها تسويغ حق التدخل العسكري وتكريس مذهب الضربات الاستباقية ـ الإجهاضية كما يسمونها. وتأكيد النظرة الاستعلائية على سائر الأمم والشعوب، حتى على أبناء العمومة الأقربين في أوروبا الغربية ذاتها، حيث طلع هؤلاء المحافظون الجدد بنظرية تقول: إن الأميركيين ينتمون إلى الكوكب «مارس» فيما ينتمي الأوروبيون إلى الكوكب «فينوس».

وبمعنى أن الأميركيين يقرنون أنفسهم برمز الحرب والرجولة والقتال ـ المعبود مارس في أساطير الرومان الأقدمين في حين أن الأوروبيين لايزالون بنظر أهل أميركا مقترنين بالمعبودة الرومانية التي ترمز إلى الجمال، الرقة، النعومة والأنوثة بطبيعة الحال إلى آخر التوصيفات السلبية التي تفيد العجز والخور والرخاوة وما إلى ذلك بسبيل.

في ضوء هذا كله يقول مؤلف كتابنا (ص 223): ظلت أميركا متأرجحة في مواقفها بين التفاعل والتعاطي مع المجتمع الدولي، وبين التباعد والعزلة عن هذا المجتمع الدولي. وفيما كانت أميركا تراوح مكانها وتتأرجح مواقفها كان المكتب السياسي الحاكم في الصين (البوليت بيرو) أقرب إلى الصندوق الأسود في الطائرات بمعنى اللغز الحافل بالمعلومات والمخططات والتصورات والنوايا والأسرار.

بعدها يوضح المؤلف كيف أن السياسة الخارجية الأميركية باتت تتسم بالتشتت وتفتقر إلى محاور التركيز. بينما تستغل السياسة الخارجية الصينية سلبيات هذا القصور أو مساحات هذا الفراغ فإذا بها تحرص على التواصل والتفاعل مع أقطار آسيا الجارة الصاعدة وأفريقيا المتلهفة على الخروج من ربقة الفقر ومأزق التخلف وأميركا اللاتينية الواعدة من حيث الموارد والتكامل والتحولات الديمقراطية.

ويرى المؤلف أن التقدم الاقتصادي هو المحور الأساسي الذي يمكن أن يرتكز عليه النفوذ السياسي، بقدر ما أن الانحسار الاقتصادي يأتي ليعبر عن أزمة، ليس في دنيا المال والأعمال وحسب، ولكن أيضا في مجالات العلم والتكنولوجيا. وفي حالات الابتكار والإبداع حيث تتعانق في مثل هذه الساحات القوى «الخشنة» (الاقتصاد.. التسليح.. الإنتاج المادي) مع القوى «الناعمة» (الفكر.. والاختراع.. والفن والإبداع) على حد ما تذهب إليه النظرية الشهيرة التي طرحها في مرحلة ما بين القرنين. الماضي والراهن ـ البروفيسور جوزيف ناي ـ أستاذ علم السياسة وأصول الحكم في جامعة هارفارد الأميركية.

في السياق نفسه يحيل مؤلفنا إلى أطروحة المؤرخ البريطاني الأشهر أرنولد توينبي (1889-1965) في دراسته عن تاريخ الحضارات (ونحن نراها من منظورنا العربي خلدونية الطابع والتأثير).. يقول أرنولد توينبي:

* الحضارة حركة (دينامية) وليست حالة (ساكنة)

* الحضارة رحلة نقطعها.. وليست ميناء نأوي إليه

وبالمناسبة فقد أكد أرنولد توينبي أن من أسباب سقوط وتدهور الحضارات (أسباب انقطاع العمران بتعبير ابن خلدون) توسّع واستشراء النزعة العسكرية على حساب تقلص وذبول قدرة التجديد وروح الابتكار، ويمضي أن الأمة التي تستسلم لروح الخمول والدعية بعيدا عن إذكاء روح الإبداع محكوم عليها بالتعثر ومن ثم التخلف عن ركب الحضارة الذي لا ينتظر أحدا.

من ناحية أخرى فالمؤلف يحرص ـ كحرصنا أيضا كقارئين ومحللين ـ على توخّي نهج الموضوعية في معالجة القضايا المطروحة. من هنا نراه يؤكد من ناحية أخرى أن مشكلات أميركا كقوة امبراطورية معاصرة ليس معناها أن مصيرها سوف يكون مضاهيا لمصير امبراطورية الرومان القديمة التي دمرتها قبائل البرابرة الهمجية التي اكتسحت جنوب القارة الأوروبية: لن تلقى الإمبراطورية الأميركية مصير إمبراطورية روما لكنها قد تواجه مصير الإمبراطورية الأسبانية التي تداعت أركانها عندما أصبحت تعتمد على التمويل الخارجي وليس على قدراتها الذاتية.

عند هذه النقطة يوضح لنا المؤلف (ص 223 وما بعدها) كيف أن نصيب الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي قد انخفض من 50 في المئة إلى 25 في المئة منذ فترة الحرب العالمية الثانية.

صحيح ـ يضيف الكتاب ـ أن حلفاء أميركا خلال الحرب الباردة كانوا يتغاضون عن مبالغة واشنطن في تسعير الدولار إذ كانوا يدركون أنه كان ضروريا لصمود أميركا عسكريا بغرض حمايتهم من الخصم المتمثل في المعسكر الشرقي السوفييتي، لكن هذه الأوضاع في حال التبخر حاليا (مصطلح المؤلف) لدرجة أن تحولت الأمور إلى حيث أصبحت كل من اليابان والصين هما أكبر حائزين لاحتياطيات الدولار الأميركي (!) بل لدرجة أغرب وربما أخطر وهي أنه لأول مرة في التاريخ أصبحت عملة الاحتياطيات الرئيسية في العالم (الدولار) تخص دولة مدينة.. وفي ذمتها ديون مستحقة لصالح خصومها أو منافسيها..

ومن ثم فقد تبدلت الظروف إلى حيث أن اختلالات التوازن المالية والتجارية في الاقتصاد الأميركي جردت الدولار من مكانته السامقة التي كانت، حيث لم يعد الملاذ الأسلم المأمون كعملة لتسعير السلع والممتلكات.. وبهذا فهناك جمهرة من المحللين والمراقبين ممن عكفوا، في ظل هذه المتغيرات على متابعة ورصد تحركات العملات الأخرى التي يتصدر قائمتها بالذات اليورو عملة أوروبا والرنمينبي ـ عملة الصين.

ما الذي يكفل لأميركا في التحليل الأخير الحفاظ على مكانة الدولة الكبرى إن لم يكن القوة الامبريالية أو الدولة الامبراطورية المهيمنة على مقاليد كرة الأرض؟

هنا يعترف معنا المؤلف (ص 233) بالإيجابيات التي أفضت إلى دينامية الكيان السياسي في الولايات المتحدة: حزمة متكاملة من الآليات والديناميات الحيوية والفعالة هي التي كفلت لواشنطن إمكانات التفوق على امتداد مراحل شتى من التاريخ الحديث. منها مثلا قدرة أميركا على التجديد الذاتي أو هو التجدد المستمر على حد تعبير المؤلف. وقد يلفت أنظارنا في هذا المجال المصطلح الذي شاع في عقد التسعينات في أدبيات الشأن العام بأميركا وهو: إعادة الاختراع.

وقد كانوا يستخدمونه في سياقات من قبيل «إعادة اختراع الحكومة» بمعنى تجديد وتطوير إجراءات الروتين الحكومي وأساليب إدارة الشؤون الاتحادية والمحلية. وهكذا يمكن القول بقدرة أميركا بحكم حداثتها أو يفاعتها كأمة في التاريخ على «إعادة اختراع نفسها» إن صح التعبير ـ من النواحي السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية وهو ما يفيد ـ كما ألمحنا ـ معاني التجدد والتعافي والتصحيح الذاتي للأخطاء طبعا بعد إدراكها والاعتراف بها. بيد أن مشكلة أميركا ـ كما يشخّصها المؤلف (ص 233) هي في القيادات التي تسلمت زمام الأمور في الفترات القريبة الماضية ـ قيادات تنطلق من روح تبشيرية وتدفع بالفرد إلى القول بأن تصرفاته تأتي بإلهام من السماء (!).

والمشكلة أن لم يقتصر الأمر على هؤلاء المحافظين الجدد ممن تصوروا أنهم جاءوا إلى العالم حاملين لرسالة تقضي بتغييره باتباع أساليب من قبيل الفوضى الخلاّقة وما في حكمها: إن المشكلة تفاقمت ـ كما يوضح كتابنا أيضا ـ عندما أضيف إلى هؤلاء القادة «الرساليين» كما يصفهم الكتاب عناصر أخرى هم قادة ومالكو الشركات العملاقة ورؤساء المؤسسات الكبرى والاحتكارات الاقتصادية العاتية.

وهذا الفصيل بدوره لا يهمه سوى تحقيق أرباح مليارية وتجسيد مصالح تعود بالنفع الوفير العميم على النُخب المتحكمة في مقاليد الأمور. ثم أضيف إلى هذا المزيج سلبيات أخرى ما بين القول بالصراعات الثقافية (تجسدها مقولة صدام الحضارات) + التخويف بالقوى والعناصر الخارجية + التشكك في حكمة وكفاءات القيادات.. كل ذلك أدى في عرف مؤلف الكتاب إلى أن أصبحت أميركا تفتقر إلى القدر المطلوب من حالة التوافق الوطني العام.

ثم يخلص المؤلف في هذا المضمار إلى أن يقول: هكذا انتهت في أميركا حقبة «المجتمع العظيم» التي شهدتها الولايات المتحدة مع ولاية ليندون جونسون في منتصف الستينات.. وعلى واشنطن أن تدرك أن المكانة الامبراطورية إنما تتحقق من خلال إدراك التوازن بين عنصرين أساسيين هما: الخشية.. والمحبة.

وعندنا أن امتزاج وتفاعل هذين العنصرين كفيل بأن يفضي إلى حالة مهمة بالنسبة لعلاقات الدول والشعوب بقدر أهميتها أيضاً في علاقات الأفراد وهذه الحالة يمكن أن تلخصها كلمة (الهيبة). في كل حال يدعو المؤلف. إلى تصور محور ثلاثي مستجد يتولى إدارة الشأن الكوكبي العام في علاقات القوى الكبرى.

لقد سبق أن شهدت حقبة الحرب الباردة محوراً ثلاثياً كان يستند إلى أميركا والاتحاد السوفييتي المتحالف بصورة أو بأخرى مع صين ماوتسي تونغ. لكن راحت تلك الأيام وجاء القرن 21 بكل طموحاته وتعقيداته ومن ثم فقد بات الأمر عند الكاتب «باراج خانا» يقتضي محوراً مستجداً يتولى تنسيق وإدارة العلاقات الدولية.

ومن ثم تأتي دعوته إلى صياغة مثلث للقوى العظمى تتألف أضلاعه من أميركا والاتحاد الأوروبي ثم الصين، البيرق الصاعد والجواد الرابح على رقعة الشطرنج الدولية.

المؤلف في سطور

ــ باراج خانا يعمل مديرا لبرنامج الاستراتيجية في مؤسسة «نيوأميركا» بالولايات المتحدة. عمل لسنوات زميلا باحثا في مؤسسة بروكنغز الشهيرة للدراسات والبحوث إضافة إلى فترة عمله في المنتدى الاقتصادي العالمي التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي.

ــ من مواليد الهند ، وتقول سيرته على غلاف الكتاب إنه تربى في أقطار شتى ما بين دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ألمانيا إلى الولايات المتحدة ، ثم تخرج في جامعة جورجتاون وتعلم الاقتصاد في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية.

ــ زار أكثر من 100 بلد في أنحاء العالم وشارك بالكتابة في كبريات الصحف البريطانية والأميركية، وبصفة خاصة «نيويورك تايمز» و«فاينانشال تايمز».

عرض ومناقشة: محمد الخولي