يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع أكثر أجزاء هذا الكتاب أهمية، حيث يتناول المؤلف وضع الصين التي يتوقع أن تتولى وحدها قيادة ما يسميه بمرحلة المحيط الهادي، بعد أن تصدت أوروبا ومن بعدها أميركا لقيادة مرحلة المحيط الأطلسي، وهو يرى في هذا التطور المنطقي للصعود الهائل الذي تشهده الصين حاليا، وذلك على الرغم من انه يبادر على الفور تقريبا إلى الإشارة إلى أن بكين لايزال أمامها شوط طويل لكي تصبح قوة عالمية كبرى.
وهو يذكرنا بأنه إذا كانت اليابان هي مهندس آسيا بامتياز، فإن كوريا الجنوبية هي أبرز قصص النجاح في آسيا على الإطلاق، وهو يصل أخيرا إلى طرح جدير بأن يتوقف عنده القارئ، فالصين قد انفتحت على ظاهرة العولمة بطريقتها الخاصة النابعة من تراثها وليس استجابة للضغوط الأميركية. وقد مارست هذه اللعبة بمهارة بالغة، فانتقلت بالرأي العام الأميركي من شعار «الخطر الصيني» إلى اتجاه يلخصه شعار مستجد، هو «الفرصة الأميركية» الأمر الذي انعكس بوضوح على مسيرة العلاقات بين البلدين، وانتقل بها من التوتر المتتابع إلى انفتاح على إمكانيات الحوار والنتائج الإيجابية التي تترتب عليه.
واضح من سطور هذا الكتاب أن مؤلفه يحسب حسابا ويقيم اعتبارا لصعود الصين إلى حيث تشكل قوة عالمية يعتد بها في دنيا العولمة التي تزامنت مع حلول القرن الحادي والعشرين. ولأنه سليل لتراث فكري يأخذ بالمنهج العلمي في تناول الظواهر الجيوسياسية في عالمنا فهو لا ينطلق في تحمسه هذا من فراغ ولا من منطق الغلو أو التهليل.. ومع ذلك فهو يفتتح الباب الخامس والأخير من الكتاب بشعار يبدو خطابيا وهو: آسيا.. للآسيويين. هنا تتجلى الأصول الآسيوية ـ الهندية بالذات للمؤلف الذي يعمل في سلك مؤسسات البحوث في الولايات المتحدة ـ ومع ذلك فهو يستهل دراسته لأحوال الكيان الآسيوي بالإحالة إلى ما سبق إلى أن تنبأ به سياسي أميركي كبير كان مشهورا بنزعته.. الاستعمارية وهو الرئيس الأميركي الأسبق تيودور روزفلت (1858-1919)... يقول مؤلف الكتاب: منذ قرن مضى من الزمن، تحدث تيودور روزفلت بجسارة واضحة قائلا: أن الحقبة الأطلسية بلغت ذروة تطورها، ولا بد أن تصل إلى حيث استنفاد الموارد الواقعة تحت سيطرتها.. وهي تسلمنا إلى حيث نعيش فجر حقبة جديدة أخرى هي الحقبة الباسيفيكية.
ويعلق المؤلف على الفور ليقول: حقبة المحيط الأطلسي قادتها أوروبا ومن بعدها أميركا.. أما حقبة المحيط الهادئ (الباسيفيكي) فلسوف تقودها الصين ولا أحد سواها.
ويواصل المؤلف الحديث: في الآونة الأخيرة بدأت الصين فقط صعودها إلى حيث تصبح من دول العالم.. الثاني وإن كان أمامها شوط لا يزال طويلا لكي تصبح قوة عالمية كبرى.
مع ذلك علينا أن نستدرك مع المؤلف لكي يوضح عدة حقائق ظلت جميعها تصب في صالح الصين.
من هذه الحقائق مثلا أن كانت الصين هي الدولة الوحيدة من أهل العالم.. الثالث.. التي حظيت بمقعد دائم جنبا إلى جنب مع الأربعة الكبار الآخرين في مجلس الأمن منذ إنشاء الأمم المتحدة طبعا كان المقعد المحظوظ. ممنوحا في الأصل إلى «الصين الوطنية» التي حملت اسم فور موزا ثم تحولت إلى تايوان وزادت حظوظ الصين تألقا مع زوال الاتحاد السوفييتي فكان أن استوت عالميا وكأنها القوة الراديكالية الأهم. فما بالك عندما عمدت بكين إلى المزج بين الراديكالية الثورية في حكم الحزب الشيوعي الواحد وبين لعبة التطور الرأسمالي ومحاكاة أساليب الحياة في الغرب.
في هذا السياق بالذات يؤكد المؤلف أن الصين ورثت ضمن التركة السوفييتية وضع الاتحاد السوفييتي الذي كان في عرف كتابنا دولة تنتمي إلى نفس العالم الثاني. ومن ذكاء القيادة الصينية أن حرصت على أن تظل مرتبطة بوشائج وثيقة مع أهل العالم الثالث (في افريقيا بالذات) فيما ظلت محافظة على روابط إيجابية وتعاونية أيضا مع أهل العالم المقيمين في المنطقة الباسيفيكية ذاتها ما بين اليابان (وهي من العالم الأول) إلى سنغافورة وما بين استراليا إلى كوريا الجنوبية.. وهذه الدول بدأت تتباعد عن العالم الأول في الغرب الأوروبي ـ الأميركي إلى حيث أصبحت في حال من التقارب لدرجة التكافل مع الصين.
من هنا يورد المؤلف الاستنتاج المهم التالي (ص 269): لم يعد العالم الأول ناديا تهيمن عليه أميركا، فالحاصل أنه حتى الحلفاء الذين تعتمد عليهم أميركا لموازنة نفوذ الصين ـ صاروا، هم أنفسهم، يخطبون ود الصين وأحيانا يسهمون بعلاقاتهم في المزيد من صعودها. صحيح أن اليابان ظلت تحمل لقب «مهندس آسيا رقم واحد» على امتداد عقود إلا أن جانبا كبيرا من نشاطات «المهندس الياباني» كان مستثمرا في الصين ذاتها.. حيث كانت صناعة السيارات اليابانية تستخدم الملايين من الأيدي الصينية العاملة الماهرة التماسا لرخص أسعار المنتجات ومن ثم التفوق في سوق المنافسة على غريمتها، صناعة السيارات في أميركا. من جانبها بعثت الصين نحو نصف مليون عامل ماهر إلى اليابان فضلا عن آلاف الطلاب الدارسين من الصين إلى الجارة الآسيوية المتقدمة في الشرق الأقصى، كل هذا أفضى إلى توطيد الوشائج في علاقات كل من بيجين وطوكيو حتى أن مطار العاصمة الصينية شيّدوه بمعونة يابانية فضلا عن الصعود الفلكي على نحو ما يعبر المؤلف لواردات اليابان من الصين بفضل رخص الأسعار بما في ذلك مثلا نصف استهلاك الشعب الياباني سنويا من أصناف الفاكهة.
من هنا كان على المؤلف أن يخفف ولو قليلا من غلواء تحمسه للصين من أجل أن يعطي جارتها اليابانية ما تستحقه من تقدير واهتمام.
من هنا أيضا يمضي المؤلف ليوضح مكانة اليابان بوصفها جسرا أو همزة وصل بين العالم الأول والعالم الثاني يقول: ما زالت اليابان قوة اقتصادية يحسب لها كل الحساب على مستوى العالم ـ لدرجة أن طوكيو تمثل أكبر مانح للمعونات الإنسانية.. فضلا عن ذكائها في إدارة احتياجاتها لأغراض الدفاع. فقد عمدت اليابان أولا إلى ترسيخ تحالفها الدفاعي مع أميركا، ثم أدخلت أحدث أساليب التكنولوجيا العسكرية في أسطولها لحمايتها بوصفها دولة مؤلفة أساسا من جزر في مياه المحيط ـ إضافة إلى ما أنجزته من تطوير لأحدث أنواع الصواريخ الأمر الذي أتاح لها اختصار ميزانياتها المخصصة لأغراض الدفاع الوطني.
لكن الصورة لا تنطوي على شهر عسل دائم بين الصديقين ـ اللدودين في الصين واليابان: صحيح أن التجارة والاستثمارات في حال من الانتعاش، لكن الصحيح أيضا أن الصين ترى أن على اليابان ـ تحت مختلف الظروف ـ أن تقتنع بمكانة الدولة الكبرى رقم 2 وليس رقم واحد في الشرق الأقصى ـ على الأقل من الناحية السياسية والإستراتيجية ثم في مضمار العلاقات الدولية. لا عجب مثلا أن نرى الصين وهي تعارض منح اليابان مقعدا دائما في عضوية مجلس الأمن. لكن هناك ـ كما يوضح كتابنا أيضا ـ عناصر في كلا البلدين تنتمي في معظمها إلى أجيال الشباب وترفع شعارا بات واضحا في كل من الصين واليابان وهذا الشعار هو: الفكر الجديد ومعناه أن على الصين واليابان التماس طريق أفضل لتوطيد وترسيخ العلاقات بينهما والنهوض بها من مستوى التعاون إلى مستوى الشراكة.. ونسيان تراث العداوات والثارات الذي حفل به الماضي. وأمامهما نموذج واضح في أوروبا وهو نموذج ألمانيا التي خاضت مع جيرانها قتالا مريرا وعداوات رهيبة في حربين عالميتين ثم أعيد تأهيلها (تعبير المؤلف) لكي تعاود مسيرتها وتصبح كما هو معروف حاليا أحد الركائز الأساسية لذلك الكيان الذي بات يشكل ـ في رأي مؤلفنا ـ أحد الأقطاب المهمة في العالم الأول وهو ـ الاتحاد الأوروبي.
يحكي المؤلف أيضا عن كوريا الجنوبية ويضعها في خانة تالية لتصنيف اليابان ويطلق عليها الوصف التالي (ص 270): كوريا الجنوبية هي أبلغ قصص النجاح في قارة آسيا.
لماذا؟ لأنها تحولت من دولة درجت على طلب المعونات من الخارج (زبون معونة كلاسيكي على حد مصطلحات الكتاب) إلى حيث اكتسبت شمائل دولة يمكن أن تنتمي إلى العالم.. الأول!
ولأن الدنيا تتغير في حين أن علاقات الدول، شأن علاقات الأفراد من البشر ـ تصاب بحالات من الإجهاد في بعض الأحيان، فإن المؤلف يرصد حالة توتر انتابت العلاقات الحميمة بين كوريا الشمالية وبين واشنطن لدرجة وصلت أحيانا إلى المواجهة حيث بدأت كوريا تطالب أميركا بخفض قواتها العسكرية المرابطة على أراضي الجنوب من شبه الجزيرة الكورية على مدار أكثر من نصف قرن، الأمر الذي أدى إلى نتيجة يصفها المؤلف على النحو التالي: إن القواعد الأميركية، التي طالما كانوا يعدونها دروعا حامية خارج الأراضي الأميركية أصبح وجودها مرهونا بتسامح أو تساهل أو تغاضي المجتمعات المضيفة لتلك القواعد، والمشكلة أن باتت هذه المجتمعات في حالة تشكك إزاء نوايا أميركا ذاتها ودوافعها.
لعل هذا هو الذي دفع كوريا الجنوبية إلى مزيد من التعاون مع جارتها الكبرى، الصين من أجل التعاطي مع الجارة الثالثة الواقعة بينهما والمتاخمة لحدودهما وهي كوريا الشمالية التي يصفها المؤلف بأنها تجمع بين السلاح النووي والبؤس الاقتصادي.
كيف أثمر هذا التعاون؟
يجيب هذا الباب ـ الآسيوي من الكتاب كما قد نسميه قائلا: الصين اشترت بالفعل المناجم وخطوط السكة الحديد في كوريا الشمالية (بيونغ يانغ). أما كوريا الجنوبية فقد أعلنت سياسة تحمل عنوان «سياسة الشمس المشرقة» وبمقتضاها أنشأت مشاريع للإنتاج المشترك مع جارتها الشمالية، وافتتحت مناطق للتصدير لديها. وزادت أواصر التعاون لدرجة أن الكوريتين توفدان (ص 271) فريقا واحدا (أو موحدا) إلى الدورة الأولمبية في عاصمة الصين.
وبمناسبة الصين فإنها تشهد في المرحلة الراهنة ولا شك ظاهرة هي الثانية من نوعها في تاريخها الحديث، بالتحديد في عمر دولتها الجديدة (الصين الشعبية). المقدر أن تكمل في العام القادم عامها الستين. الظاهرة حملت في تاريخ الصين أيضا اسم «القفزة الكبرى» والقفزة الأولى إلى الأمام وكان يقودها زعيم الثورة الشيوعية في الصين ماوتسي تونغ وكان موعدها في عقد الخمسينات من القرن الماضي وقصدت إلى تحديث وتصنيع مجتمع الفلاحين في ربوع الصين.
الصين تعيش حاليا القفزة الكبرى الثانية،وهي ـ على حد وصف كتابنا ـ قفزة أكبر حجما بكثير وأرقى تقدما بمراحل. والحاصل أن الصين تمارس اللعبة بمهارة وصبر ودأب وهدوء أسيوي بالدرجة الأولى وهكذا نجحت في تحويل الاتجاه الأميركي من شعار «الخطر الصيني» الذي كان يحذر منه ساسة أميركا إلى شعار مستجد هو «الفرصة الصينية» والأهم من ذلك كله ـ أن الصين انفتحت في التعامل مع ظاهرة العولمة ـ ولكنها ما زالت تحرص على أن يظل هذا التعاون والانفتاح بشروطها وحسب ظروفها.. وهو ما تجلى مثلا في تعاملها مع معايير منظمة التجارة العالمية.. فبدلا من الانصياع لضغوط أميركا بأن تفتح أسواقها على مصاريعها ظلت الصين تمارس هذا الانفتاح على أساس من التؤدة والانتقائية والتدرج والتواؤم وكلها مصطلحات مستقاة من تراث الأسلاف.
حقائق
ــ يدرج المؤلف المادة الأساسية المتعلقة بالقارة الآسيوية في الكتاب تحت العنوان الدال «آسيا للآسيويين» وهو عنوان يبدو ملفتا للنظر إلى ابعد الحدود من حيث صدوره عن باحث هندي الأصل درس ويعمل في مؤسسات أميركية شكلت جزءا من أدوات المشروع الأميركي للسيطرة على العالم.
ــ غواية الصين العالمية الأولى هو العنوان الذي يتصدى تحته المؤلف لمعالجة وضع الصين في إطار تحليل شامل يخلص في نهايته إلى توقع أن يتوج صعود الصين إلى قطبية عالمية جديدة ستشكل بديلا للحظة الهيمنة الأميركية التي لم يمتد بها العمر طويلا.
ــ يلفت نظرنا على الفور تقريبا في تحليل المؤلف لوضع الصين أن هذا العملاق الآسيوي ليس صينا واحدة، وإنما هو أربع صينات تضم إلى جواربكين كلامن شنغهاي وتايوان وهونغ كونغ.
ــ على الرغم من أن المؤلف يؤكد عبر عنوان آخر من عناوينه الدالة أن الحجم له أهميته، إلا أنه ينتقل من التركيز على الصين إلى تناول وضعية اليابان الراهنة والمستقبلية، ويحلل مطولا تجربة التحديث في كوريا الجنوبية، التي يرى فيها التجربة الأكثر نجاحا في آسيا.
ــ يتابع المؤلف أيضا بمزيد من الاهتمام ما يسميه بالمثلث الداخلي الذي يشمل كلا من ميانمار وتايلاند وفيتنام.
الصفحات: 256 (وسط)
الكتاب: العالم الثاني
تأليف: باراج خانا.عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك ـ 2008


