لا بد من الاعتراف هنا، في الإشارة إلى الزائر اليساري إلى موسكو، بأنني، أنا اليساري من الجيل القديم، كنت واحداً من هؤلاء الزوار للمدينة. وكنت من أكثر الذين زاروها على امتداد 54 عاماً متواصلة، من دون انقطاع. كان ذلك في الزمن السوفيتي، في البدء، ثم استمر في الزمن الجديد. وكنت بين عامي 1988 و1989 شاهداً على بداية التحول الكبير العاصف في بلد الاشتراكية الأول، التحول في الاتجاه الذي سرعان ما قاد النظام السوفيتي، في زمن البريسترويكا تحديداً، إلى الانهيار. وكنت، مثل سواي من الاشتراكيين، القدامى والجدد، ممن صعقوا لهول الحدث، رغم أنني كنت على شبه اليقين، ولا أصدق بسبب تراكم الخلل الذي كنت شاهداً حذراً على بعض نماذجه، على امتداد عقود.

لكنني، بخلاف الكثيرين من اشتراكيي الزمن القديم والزمن الحديث، خرجت من دون تأخير، ومن دون تردد، من حالة الإحباط إلى البحث عن المستقبل، بواقعية، ومن دون أوهام، وبنفس طويل جداً، لا يحسب حساباً متعسفاً ومتعجلاً للأعوام. وقررت، وأنا في غمرة البحث، أن أزور موسكو، في ظل النظام الجديد، مزوداً بما حفلت به الأنباء عن أعمال النهب التي قادتها ونظمتها مافيات قديمة ولدت من رحم النظام السوفيتي، ومافيات حديثة، ولدت في زمن بوريس يلتسين. وكانت الزيارة تلك مع صديقي نديم عبدالصمد في أواخر تسعينات القرن الماضي. لم نفاجأ كلانا بما رأيناه. لكننا لم نخف ما أصابنا من ألم ووجع وحزن إزاء ما كنا نرى ونسمع ونقرأ.

وبعد عودتنا من تلك الزيارة كتبت بحثاً مطولاً حاولت أن أحدد فيه أسباب الانهيار. وكانت تلك الأسباب، في تصوري، 15 سبباً. كما حاولت في ذلك البحث أن أرسم الملامح الأولى لمستقبلنا كاشتراكيين، في الحقبة المقبلة، والملامح الأولى لما كان ينبغي علينا عمله من أجل النهوض بمشروعنا الاشتراكي من جديد، في شروط العصر، عصر العولمة الرأسمالية الطاغية بكل مظاهر التوحش فيها.

كانت زيارتنا تلك زيارة سياسية. كانت لنا لقاءات مع قادة الحزب الشيوعي الروسي، في شكل خاص. ودخلنا في سجالات عديدة مع من التقيناهم. وعدنا بأمل ضعيف، ضعيف جداً، بقدرة شيوعيي اليوم، من الروس خصوصاً، على اكتشاف أسباب الخلل التي أدت إلى سقوط التجربة، لكي ينهضوا بالمشروع الاشتراكي من جديد، ليس للعودة إلى النظام القديم، بل لاكتشاف الطريق الجديد الذي يقود إلى نظام أكثر ارتباطاً بقيم الاشتراكية، وأكثر تعبيراً عن طموحات الحالمين بالحرية وبالتقدم وبالعدالة الاجتماعية، وأكثر احتراماً لشروط العصر ولتحولاته.

وانقطعت عن زيارة موسكو عشرة أعوام بكاملها، كنت أراقب من بعيد التحولات التي كانت تجري في روسيا الجديدة وكنت أراقب، بحذر وقلق، بدايات أولية لتغيير ما، كانت تبدو لي ضبابية. وكانت تلك البدايات، كما كنت أتصورها، تطل على العالم وسط تلك الصراعات، مؤذنة بشيء ما.

وهي كانت تعبيراً أولياً وحذراً عن رغبة في مكان ما، على أبواب الكرملين أولاً، توحي بذلك التغيير القادم في زمن لاحق. ثم سرعان ما أصبحت هذه الرغبة أقرب ما تكون إلى سياسة رسمية عندما انتقل أحد حملتها والمعبرين عنها إلى داخل أسوار الكرملين. وهي رغبة كانت، ولا تزال، مقرونة بسياسة ذات نكهة قومية روسية، يريد أصحابها أن يعيدوا بها لروسيا مجدها القديم، والأكثر قدماً، ويحرروها، ولو بالتدريج، وبخطوات محسوبة.

وكان الرئيس بوتين صاحب تلك الرغبة، والرؤية، والهدف. وهو ما عبرت عنه سياساته خلال عهدين من ولايته، وعبرت عنها برامجه، وبعض إصلاحاته التي لم تستكمل بعد أهدافها المعلنة، والمضمرة، الأهداف التي ترمي إلى نقل روسيا من دولة «عالمثالثية»، إلى دولة عظمى من العصر الحديث، عظمى في السياسة وفي الاقتصاد، وفي التطور العلمي، وفي الميدان العسكري.

في زيارتي الجديدة هذه، الزيارة التي كانت زوجتي نجوى رفيقتي فيها، دخلنا إلى موسكو سياحاً لا سياسيين. لم نقض في موسكو سوى أربعة أيام. لكنها كانت أياماً جميلة وغنية استعدنا فيها ذكريات الماضي القريب وبعضاً من ذكريات الماضي البعيد. وزرنا المعالم القديمة والجديدة في المدينة.

كنا ضيوفاً لصديق قديم، من الجيل الجديد. وكان هذا الصديق قد غادر الشيوعية إلى نقيضها، من دون أن يتخلى عن أي من قيمها الإنسانية العظيمة. وهو، لذلك، يقدم نفسه، من دون افتعال، إلى أصدقائه القدامى والجدد، كإنسان يمتلك سمات وصفات الرجل الذي لم تقو طبيعة عمله كرأسمالي على إحداث تغيير سلبي في سلوكه. فهو، بهذه السمات والصفات، اشتراكي بمعنى من المعاني، حتى وهو يمارس عمله كرأسمالي. ولو أنني أعرف أنه لا يحب أن يذكر اسمه، تواضعاَ طبيعياً منه غير مفتعل، لجهرت باسمه من دون تردد، معتزاً به وبصداقته وبسماته وبصفاته الإنسانية الرفيعة.

اكتشفت في هذه الزيارة لموسكو أموراً لم أرها في زيارتي السابقة. تغيرت المدينة كثيراً في أمور عديدة. لكنها ظلت، بالنسبة إليّ، هي موسكو التي أعرفها منذ أربعة وخمسين عاماً. الذي تغير فيها هو النظام السياسي. وهذا أمر واضح لا لبس فيه. لكن الساحة الحمراء، وهي أجمل ساحات الدنيا، لم تتغير. والكرملين لم يتغير، حتى وإن كان تغير نوع ساكنيه، وتغير العلم الذي يرفرف فوقه. ولم تتغير الكنيسة التي تنتصب بتاريخها العريق إلى يمين الكرملين. واليمين، كاتجاه وكوجهة، هو الموقع الطبيعي للكنيسة.

لذلك فهي لم تتغير، ولا كان بمقدور أحد أن يغيرها، حتى ستالين، الذي تجرأ ذات عام على هدم كنيسة كانت قائمة على ضفاف نهر موسكو، وأقام مكانها مسبحاً شتوياً، كنت من رواده، وهي الكنيسة التي أعاد بناءها يلتسين بأكثر ضخامة مما كانت عليه، كشكل من أشكال التعبير عن ارتداده القبيح عن شيوعيته، وكشكل من أشكال التحدي لأجيال الشيوعيين القدامى والجدد، وذلك تحت الشعار الزائف الرامي إلى إعادة الاعتبار إلى حق المواطنين الروس في أن تكون لهم كنيستهم.

ضريح لينين لم يتغير هو الآخر. بل هو لايزال يحتل مكانه في قلب الساحة الحمراء خلف جدران الكرملين. الضريح هو ذاته الذي لايزال يحج إليه الشيوعيون الروس من الحرس القديم. أما جثمان لينين ذاته، المسجى داخل الضريح، فهو ذاته أيضاً. ولم يجرؤ أحد من أعداء الشيوعية، في السلطة وخارجها، على المس به والإساءة إليه.

وهو أمر لم تعد له علاقة بالآيديولوجيا. بل هو صار، في الزمن الحالي، شكلاً من أشكال التعبير عن موقف قومي روسي، في مواجهة بعض الرموز الروسية البشعة للرأسمال الطفيلي، التي لا صلة تربط بين مصالح أصحابها وبين مصالح روسيا الحديثة، كدولة سيدة ذات دور في العالم المعاصر. وباستطاعة الناظر إلى عينيّ لينين المحايدتين أن يستقرئ منها ماذا كان يريد هذا القائد التاريخي لروسيا ولثورة أكتوبر الاشتراكية أن يقول، لو نطق لسانه المحايد المطبقة عليه شفتاه المحايدتان، لمن ورثوا ثورته ومشروعه لبناء الاشتراكية، أو ادعوا وراثتهما.

يستطيع المشاهد، مثلي خصوصاً، أن يتخيل لينين وهو يلقي خطاباً نارياً يلعن فيه، بلغته الساخرة اللاذعة، وبلكنته المعروفة، كل أسلافه، القدامى منهم والجدد، الذين خانوه وخانوا «سياسته الاقتصادية الجديدة» (النيب) التي صوّب فيها وسدد مشروعه الاشتراكي، الأول من نوعه في التاريخ. أن يقوله في حياته العامرة. والشيء الذي كان سيقوله، لو كان بمقدور الصخر أن ينطق، هو أقوى وأشد سخرية مما كان يقوله في سجالاته مع أصدقائه.

ويكاد الواقف قبالة التمثال يسمع رنين الكلام القادم من الأزمنة القديمة، ينطق به ماركس بسخريته المعروفة، معاتباً لينين على تجاوزه، في ثورة أكتوبر، الشروط التي وضعها له كممر ضروري وأساسي للانتقال إلى الاشتراكية. وتبدو في ابتسامة ماركس الساخرة في التمثال، معالم سخرية من التاريخ الذي كان صنفه وحدد مساره، فيما يشبه الحتمية، بجملة من التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية كانت تتخلى كل واحدة منها، بعد استنفاد دورها التاريخي، للأكثر تقدماً، إلى المكان الذي يعود لها، وصولاً بالتسلسل التاريخي إلى الشيوعية، التي كان ينهي بها ماركس التاريخ.

لهذه السخرية المكبوتة على شفتي ماركس، في تمثاله البالغ الدقة في الصنع حتى ليكاد ينطق بالحياة، معنى راهن يشير، في تصوري له، إلى نقد ماركس للذين لم يقرأوا استشرافه للمستقبل، حتى وهو يقدم للحقبة التي عاش فيها مشروعاً فيه الكثير من الحلم حول مستقبل العالم. بل أن المتأمل في التمثال يشعر، أو يتخيل، ماركس حياً، يفكر فيما آلت إليه أفكاره، وفيما آل إليه مشروعه العظيم لتغيير العالم من خراب.

يفكر ماركس ويتأمل ما حدث، مذكراً الأجيال الاشتراكية الجديدة بأن التاريخ لا ينتهي إلا عندما يتحقق ما وعد به هو البشرية في مشروعه. وما وعد به، وهو عظيم لم يسبقه إليه أحد، يتلخص بتحقيق الحرية والسعادة والتقدم للشعوب كافة، كأقاليم ثلاثة متحدة فيما بينها اتحاداً عميقاً وراسخاً.

لكن ما هو مثير للدهشة، سياسياً في الدرجة الأولى، هو ما شاهدناه في المتحف الحربي من اعتزاز قومي روسي وسوفيتي في آن، بالانتصار الذي حققه الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية، التي يعطيها الروس صفة الحرب الوطنية الكبرى، الانتصار على الفاشية، وعلى جيوش هتلر التي اجتاحت أقساماً واسعة من أراضي الاتحاد السوفييتي، وخلفت عشرين مليون شهيد، ودماراً عظيماً كان لمدينتي لينينغراد وستالينغراد النصيب الأكبر منه.

إلا أن ما استغربته واستهجنته، وشاركتني زوجتي نجوى استغرابي واستهجاني، هو تغيير اسم غوركي الذي كان يطلق على الشارع الذي يقودك من ساحة ماياكوفسكي إلى الساحة الحمراء، مروراً بالساحة التي كانت تفصل بين «المانيج» وفندق موسكو الكبير الذي يخضع اليوم للترميم والتجديد. ولن أتحدث عن العديد من التشويهات التي أدخلت إلى بعض ساحات موسكو، باسم الحداثة، ولا عن ناطحات السحاب في أطراف موسكو، التي تشبه النشاز في اللوحة الجميلة.

لكن المهم، في نهاية المطاف هو أن موسكو تظل هي ذاتها، في معالمها الأساسية. إذ ان هذه المعالم لم تتغير، رغم أن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي تغير بالكامل. وكون موسكو لم تتغير في معالمها الأساسية، هو أمر يفرح قلب محبي هذه المدينة التاريخية، القدامى منهم والجدد، السياسيين منهم والمثقفين والسياح، الشيوعيين منهم، القدامى والجدد، وأعداء الشيوعية، على حد سواء.

لا يمكن لزائر موسكو إلا أن يتذكر تاريخ هذا البلد العظيم، وأن يتذكر الرموز الكبيرة لهذا التاريخ، وأن يتذكر، في الآن ذاته، الإنجازات الكبرى التي تحققت في عهد الاشتراكية، وأن يتذكر الأخطاء الفادحة التي ارتكبت، باسم الاشتراكية وباسم مشروع ماركس لتغيير العالم، وخانتها وخانته، وأدت إلى سقوط التجربة. التذكر، هنا، ليس عملية مفتعلة. ولا هو واجب كل من يزور موسكو، شيوعياً كان أم معادياً للشيوعية. التذكر يأتي تلقائياً، من دون افتعال.

فليس سهلاً أن تذهب إلى موسكو، بعد أقل من عقدين من الزمن، ولا يدهشك كيف تم الانتقال بهذه السرعة المذهلة، بعد ثلاثة أرباع القرن، من نظام كان عالمياً، وكانت موسكو مركزه، إلى نظام نقيض لذلك النظام، نقيض له بكل المعاني، وبأسوأ ما يكون عليه النقيض للنقيض.

إلا أن التذكر، والحنين إلى الماضي، والوهم باستعادته، والمراهنة على ذلك، والبقاء في أسر هذا الماضي، وعدم التحرر منه، وعدم الالتفات إلى المستقبل، وعدم التفكير في كيفية بنائه من جديد في شروط العصر، في الاتجاه الأفضل والأرقى، إن التذكر، من دون هذه الأمور والوقائع شيء، والتذكر، مع أخذ هذه الأمور والوقائع بعين الاعتبار، والعمل لتغييرها بآليات جديدة، وبقوى جديدة، وبأفكار ومفاهيم جديدة، شيء آخر.

وأعترف بأنني، برغم ما أصابني، أسوة بالآخرين من اشتراكيي بلادي واشتراكيي العالم، من صدمة ومن خيبة من جراء الانهيار، فإنني تجاوزت، منذ وقت مبكر، تلك الخيبة، وانخرطت، في البحث عن المستقبل، مستنداً إلى الأساسي من أفكار ومفاهيم ماركس التي لا تزال قابلة للحياة، تاركاً للتاريخ ما شاخ من أفكاره ومفاهيمه، ومسترشداً بمنهج ماركس المادي الجدلي، على وجه الخصوص. لذلك سبقت زيارتي إلى موسكو، وهي زيارة سياحية بالدرجة الأولى، قراءة نقدية للتجربة الاشتراكية، وقراءة نقدية لتجربتي فيها. وهي قراءة تضمنتها كتبي وكتاباتي.

وهي كتب وكتابات لم تنته بعد، وسترافقني فيما بقي لي من عمر. إلا أنها قراءة أنتقل فيها من الماضي إلى المستقبل، آخذاً في الاعتبار أن التاريخ هو تواصل بين ماض مضى ومستقبل آت، وأن لكل حقبة في التاريخ البشري شروطها وأفكارها ومفاهيمها، وأن لكل حقبة قواها الجديدة، ولها تناقضاتها الجديدة الخاصة بها، ولها أساليب وأدوات صراع بين هذه القوى الجديدة، صراع على الحاضر القائم، وصراع على المستقبل بوجه خاص.

كأن موسكو لم تتغير بعد السوفييت

يبدو، للوهلة الأولى، بالنسبة إلى اليساري من الجيل القديم خصوصاً، حين يزور مدينة موسكو، العاصمة الحالية للإتحاد الروسي، كما لو أن موسكو الجديدة هذه لا تزال هي ذاتها موسكو القديمة تلك، عاصمة للإتحاد السوفيتي.

وللاشتباه، في هذه الرؤية الأولية للمدينة، بعض ما يبرره في الشكل. فالمدينة لا تزال تحتفظ بالأساسي من معالم عمرانها. لكن الأساس فيما يدعو إلى الاشتباه، هو من صنع الخيال الذي تحيكه الذاكرة القديمة عند اليساري من الجيل القديم، خصوصاً.

وهي ذاكرة يستعصي ما في داخلها من وقائع ومن أحداث ومن أحلام، على النسيان. ذلك أن الحنين إلى ماضي الاتحاد السوفيتي القديم وإلى وعود الاشتراكية التي كانت مليئة بالأحلام الجميلة، هو، بمعنى من المعاني، نوع من الملاذ يلجأ إليه المحبطون من جراء الانهيار المدوي، ومن جراء سقوط الاشتراكية برمتها، بعد ثلاثة أرباع القرن من بداياتها.

ذلك أن تاريخ الإتحاد السوفيتي السابق على الانهيار كان تاريخاً عظيماً، لا يقلل من عظمته حجم الاختلالات الكبيرة فيه التي قادته إلى الانهيار.

لكن هذا الزائر اليساري القديم لموسكو الجديدة سرعان ما يخرج من أحلام يقظته، حين يرى أن الأمور تغيرت تغيراً جوهرياً، وأن الوقائع الجديدة في حياة المدينة وفي حياة أهلها هي من نوع مختلف بالكامل عما كان عليه الحال قبل عقدين من الزمن أزالا آثار سبعة عقود من الزمن الاشتراكي القديم، عندئذ يبدأ الزائر اليساري لموسكو رحلته السياحية من دون أحلامه القديمة، ومن دون أوهامه فيها، على وجه الخصوص.

كريم مروة