الجمهورية الأوكرانية جزء من الكيان السلافيني في الإمبراطورية السوفيتية القديمة، ولا يزال نصف السكان يتماهون مع روسيا على الأقل من الناحية الإثنية، وهو ما يجعل من الصعب جداً على الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو العمل بمفرده على نقل أوكرانيا إلى المدار الغربي، وما يزيد الأمور تعقيداً أن التدخل في السياسة الأوكرانية لا يتوقف على روسيا وحدها، بل يتعداه إلى أوروبا التي تنظر بعين الاهتمام إلى الغاز الروسي أكثر بكثير مما تهتم بالديمقراطية الأوكرانية.

وتذكر حالة فيكتور يوشينكو في أوكرانيا بسياسيين آخرين في عالم ما بعد الحقبة السوفييتية، الذين عولوا كثيراً على الغرب، وخاب ظنهم في النهاية. وربما حان الوقت لإلقاء نظرة أكثر واقعية إلى ما يجري في الاتحاد السوفييتي السابق. ومرة أخرى يخسر كل منهما الآخر. ظل التجاذب والتنافر بين الغرب وروسيا الاتحادية قائما لقرون منذ القدم، حتى أن المؤرخين أحصوا حوالي 25 دورة تجاذب وتنافر منذ عهد القيصر الروسي إيفان الثالث. وترجع الأزمة الحالية بين الطرفين إلى سعي حلف ناتو لتوسيع عضوية أعضائه منذ انهيار المنظومة الاشتراكية، وبعد قبول دول أوروبا الشرقية واستونيا ولاتفيا وليتوانيا في هذا الحلف، جاء دور جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الأخرى، وفي مقدمتها أوكرانيا.

وتلعب أوكرانيا دوراً نشطاً في برنامج شراكة حلف شمال الأطلسي للسلام، وأعلنت بأن أحد أهدافها الاستراتيجية هو الانضمام للاتحاد الأوروبي، وبأنها ستتخلى عن حيادها وستتقدم بطلب رسمي للانضمام لعضوية حلف شمال الأطلسي. وهو الأمر الذي لاقى ترحيباً من قبل الحلف، مشروطاً بأن تجري أوكرانيا المزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والعسكرية قبل أن يتم ضمها.

ورغم ذلك، قامت أوكرانيا بإرسال أكثر من 1500 جندي من قوات حفظ السلام إلى العراق كجزء من القوات التي تقودها بولندا، كما أنها شاركت بقوات لعمليات حفظ السلام بكوسوفو وأفغانستان.

وبالنسبة لحلف الناتو، يعتبر انضمام أوكرانيا إلى أعضائه أكبر توسع له منذ انضمام ألمانيا الغربية إليه العام 1956، وسينشأ عن ذلك واقع سياسي جديد يعيد رسم خارطة القوى في أوروبا الشرقية، لن تسمح روسيا أن يمر مرور الكرام.

وحتى الآن، لم تقبل أوكرانيا في خطة العمل من أجل التحضير للعضوية في الناتو والتي تعتبر المرحلة الختامية من إجراءات تأهيل الدول المرشحة للانضمام إلى الحلف، علماً أن قادة الحلف أكدوا أن التعاون معها وتحضيرها للانضمام للناتو سيستمران.

ويرجح مراقبون وخبراء أن حلف شمال الأطلسي يتعامل مع مسألة انضمام أوكرانيا لعضويته كورقة رابحة في وجه روسيا الاتحادية، وأنه لن يلعب هذه الورقة إلا في حالة وقوع تدهور حاد في العلاقات بين الطرفين، وهو الأمر الذي بدأ يلوح في الأفق فعلياً.

وثمة الكثير من العوامل التي يمكن أن تساهم في إفساد العلاقات بين الناتو وروسيا في المرحلة القادمة، بدءاً من الأزمة الجورجية إلى الملف النووي الإيراني أو الخلافات بشأن تصدير موارد الطاقة في ضوء ارتفاع أسعارها.

وعلى أي حال يتطلب انضمام أوكرانيا إلى خطة العمل الخاصة بالانضمام للناتو، وتنفيذ كل الإجراءات اللازمة الأخرى، ما بين عام إلى عامين، ويرجح تنطلق هذه العملية قريبا.

وتبرز في هذا المجال العديد من المشاكل العالقة وفي مقدمتها وجود القواعد الأجنبية في الأراضي الأوكرانية، أو على وجه التدقيق قاعدة سيفاستوبيل الروسية في شبه جزيرة القرم. إذ تتطلب القواعد النافذة حاليا في حلف شمال الأطلسي أن تكون أراضي الدول المرشحة للعضوية فيه خالية من القوات الأجنبية.

إلا أن ثمة سابقة في هذا المجال، إذ لم يحل وجود القواعد الروسية شرق ألمانيا دون انضمام ألمانيا الموحدة إلى حلف شمال الأطلسي، مما يدفع إلى افتراض أن الحلف يستطيع أن يعدل مقاييسه إذا أملت الضرورة ذلك.

وتكمن المشكلة الأخرى في تباين المواقف من الانضمام إلى الحلف داخل أوكرانيا نفسها، ومن المعروف أن معظم المواطنين يعارضون في الوقت الراهن فكرة انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وهم يعتقدون بأن البلد يجب أن يتمسك بنهجه الحيادي المنصوص عليه في التشريعات الأوكرانية الأساسية في المجال العسكري الاستراتيجي.

وبالنظر إلى الوضع السياسي المعقد داخل أوكرانيا، يهدد الإسراع في عملية الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي بإحداث انشقاق في المجتمع، يواكبه انفصال عدد من المحافظات، ومن الواضح أن هذه النتيجة غير مرغوب فيها في أوكرانيا.

إذ منذ عقد شهد العالم عينة لما قد يحدث حين تستغل الانقسامات العرقية لأغراض سياسية فاسدة، ولم يكن ما حدث في يوغسلافيا سوى صورة مصغرة مما قد يحدث في أوكرانيا إذا ما سمح لتكتيكات السياسيين في أوكرانيا بتصعيد الخصومات العرقية إلى نقطة الغليان.

وفي حال تجاوز هذه العقبات، وتسهيل انضمام أوكرانيا في حدودها الحالية لحلف شمال الأطلسي، فإن ثمة عواقب كثيرة ستنتج عن ذلك يمكن تقسيمها على النحو التالي:

-العواقب العسكرية البحتة: سيشتد التوتر بشكل حاد على حدود روسيا الغربية، بالنظر إلى تقلص وقت اقتراب طيران حلف شمال الأطلسي التكتيكي من موسكو من ساعة واحدة حاليا إلى ما بين 20 و25 دقيقة، وستعزز قوات الحلف بعدة فرق من المشاة وب200 - 350 طائرة قتالية و10 - 12 قطعة بحرية مما سيزيد من تفوق حلف شمال الأطلسي العسكري الكبير أصلا على روسيا الاتحادية.

-العواقب السياسية: وتتصل بالعواقب العسكرية، وتتمثل بالدرجة الأولى في اشتداد التوتر في العلاقات بين روسيا والغرب، وسيعود المناخ السياسي إلى ما كان عليه في عهد «الحرب البادرة» عندما شهدت أوروبا المجابهة الحادة، ولكن هذه المرة ستكون الجبهة أقرب بكثير إلى حدود روسيا.

-العواقب الاقتصادية: سيضطر المجمع الصناعي العسكري الروسي إلى تقليص رقعة التعاون مع أوكرانيا، وإلى نقل إنتاج مكونات ووحدات الآليات الحربية والأسلحة من هناك إلى أراضي روسيا، أو تنظيم إنتاج بديل لها، وهذه المنتجات متعددة بما فيه الكفاية، إذ تشمل الإلكترونيات ومحركات الصواريخ والطائرات والسفن والدبابات وشتى أنواع المعدات المساعدة، وفي حال انضمام أوكرانيا إلى الحلف لا يمكن حتى الحديث عن مواصلة هذا التعاون.

ولكن النتيجة الأهم لانضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي ستتمثل في التثبيت القانوني للواقع الجيوسياسي الجديد. وهو واقع ستزول فيه سيطرة روسيا على هذه المنطقة، والتي استمرت ثلاثة قرون، وسمحت لروسيا بأن تعتبر نفسها قوة قائدة وموحدة وحامية للحضارة السلافية الشرقية.

ومن المرجح ألا تمعن القيادة الروسية التفكير في مثل هذه القضايا الفلسفية، ولكن مما لا شك فيه أن موسكو ستستخدم كل الوسائل السياسية والاقتصادية المتوفرة لديها من أجل إبقاء أوكرانيا في وضعها الحيادي الحالي على الأقل، أو زيادة نفوذها فيها على الأكثر، إذ أن مصائر روسيا وأوكرانيا تشابكت وتداخلت منذ عهد طويل بحيث يستحيل أن يكون فقدان هذا البلد أمرا لا يأبه له الكرملين.

الحياد غير مرغوب أميركياً

منذ نيل استقلالها في مطلع التسعينيات، لم تشهد أوكرانيا استقراراً سياسياً بمعنى الكلمة، البعض يربط ذلك بعدم نضوج الممارسة السياسية في البلاد، وآخرون يرجعون الأمر إلى أن الغرب يتدخل بالشؤون الداخلية لأوكرانيا، ويحاول جرها إلى البنى العسكرية والسياسة الأورو أطلسية.

وكغيرها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي تعرضت لهزات اقتصادية وسياسية، وظلت سمة القلق ملازمة للمستويين المذكورين، بقيت أوكرانيا فريسة للتدخلات الخارجية.

وبالفعل حاول الغرب طيلة السنوات الماضية التدخل في شؤون البلاد الداخلية، وتأتي محاولات جر أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي في هذا السياق، وبات التوتر الذي سببته الولايات المتحدة الأميركية بنشر قواعد منظومة الصواريخ في بولندا وتشيكيا، عنصراً فعالاً في الصراع السياسي، ليس بين موسكو وواشنطن فقط، بل توسع ليصبح عنصر تجاذب داخليا في الجمهورية الأوكرانية بين تيار الموالاة لموسكو ممثلاً بفيكتور ينكوفيتش، وتيار دعاة تحالف أوكرانيا الكامل مع الغرب وانضمامها إلى الناتو ممثلاً بالتيار البرتقالي الذي يتزعمه الرئيس فيكتور يوشينكا ويوليا تيموشينكا زعيمة حزب «بيوت».

وتعكس التصريحات المتبادلة استمرار الأزمة السياسية الأوكرانية الداخلية، وتنذر بتطورها نحو عودة التوتر بين مختلف الأحزاب السياسية الداخلية.

كما تؤكد من جانب آخر مدى تأثير الاستحقاقات الإقليمية والدولية على الوضع الداخلي في أوكرانيا التي ما زالت بحالة عدم حسم لخياراتها بين الالتحاق بالشرق أو بالغرب.

وبينما يستمر الصراع بين قادة السلطة في أوكرانيا، تسارع يوليا تيموشينكو زعيمة المعارضة إلى الحصول على أوسع تأييد من الغرب ودعم من واشنطن، في ما يمكن تقييمه كخطوة أولى نحو ثورة ملونة جديدة، قد تعلنها تيموشينكو لتسيطر على السلطة في أوكرانيا، وتحقق حلمها القديم الذي كان سبب فشل تشكيل تحالف حكومي يهيمن على أوكرانيا أثناء المحادثات بعد الانتخابات البرلمانية. وللعلم، فإن المحادثات آنذاك فشلت لأن يوليا تيموشينكا أصرت على أن تكون هي رئيسة الحكومة، بينما رفض حليفها يوشينكا منحها هذا الموقع. فالصراع كان من أجل السلطة وليس من أجل أوكرانيا، والواضح الآن أنه ما زال كذلك.

يوليا تيموشينكو تدرك جيداً حقيقة اللعبة والأوراق الرابحة فيها، فهي واثقة أن إدارة بوش ليست راضية عن وصول ينكوفيتش المحسوب على موسكو إلى مركز القرار الحكومي، كما أن الإدارة الأميركية مستاءة من محاولات تودد الرئيس يوشينكا المحسوب أصلا على الغرب للكريملين.

إذ تؤكد التجربة الجورجية، والأوكرانية بعدها، أن الولايات المتحدة لا ترغب في رؤية رؤساء وقادة يعتمدون نهج الوسط في السياسة الخارجية، وتحديدا في العلاقة مع كل من موسكو وواشنطن. لهذا تخلصوا من الرئيس الجورجي الأسبق إدوارد شيفردنادزه، والأوكراني كوتشما، لأنهما تمكنا بذكاء من الحفاظ على علاقات طيبة مع طرفي التنافس.

د. معمر الفار