قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الليلة قبل الماضية بزيارة لليبيا، مفتتحة مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، وبحثت مع قائد الثورة الليبية العقيد معمر القذافي سبل تطوير العلاقات الثنائية، ورغم إشادتها ب«اللحظة التاريخية» وبدور ليبيا الايجابي في المغرب العربي والاتحاد الإفريقي وانفتاحها على العالم، ناقشت مع القيادة الليبية القضايا الخلافية بشأن حقوق الإنسان والمعارض الليبي فتحي الجهمي.

ووصلت رايس إلى ليبيا وسط اجراءات أمنية شديدة التعقيد في زيارة وُصفت بالتاريخية، لتكون بذلك أول مسؤول أميركي رفيع يزور طرابلس منذ العام، أي «قبل أن تولد رايس» نفسها، بحسب تعبير مساعدها ديفيد وولش. وتشمل جولة رايس في شمال أفريقيا، التي تستغرق أربعة أيام، تباعاً ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وقالت مصادر دبلوماسية غربية في العاصمة الليبية طرابلس ان وزيرة الخارجية الأميركية تأمل في فتح الباب أمام الشركات الأميركية للاستثمار في حقول النفط الليبية، وهو هدف لم يخفِه مساعدها ديفيد وولش، واصفاً ليبيا بأنها «بلد صغير من حيث عدد السكان لكنه غني بالموارد». كما قد تثير مسألة صندوق التعويضات لأسر ضحايا تفجيري لوكربي وبرلين. ويتوقع أن تمهد لتبادل السفراء بين البلدين، وتيسير إجراءات استخراج التأشيرات.

وكان في استقبال رايس مساعد وزير الخارجية الليبي لشؤون الأميركتين أحمد الفيتولي والقائم بأعمال السفارة الأميركية في ليبيا وعدد من موظفي السفارة. وبحث عبدالرحمن شلقم وزير خارجية ليبيا مع كوندوليزا رايس العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات، وذلك تمهيدا للقاء رايس في وقت لاحق مع العقيد معمر القذافي. وقال شلقم ان علاقات بلاده مع الولايات المتحدة تسير في الاتجاه الصحيح خاصة بعد توقيع الاتفاق التاريخي بين الجانبين في 14 أغسطس الماضي وزيارة رايس إلى ليبيا لتدشين هذه الصفحة في العلاقات الثنائية. ويرافق رايس في زيارتها إلى ليبيا ديفيد وولش وجون بنجر المستشار القانوني للوزيرة. وفور وصولها توجهت للقاء الزعيم الليبي معمر القذافي في خيمته بباب العزيزية امام بيته الذي دمرته الطائرات الأميركية عام 1986 ابان فترة رئاسة الجمهوري رونالد ريجان بهدف قتل القذافي.

وقبل لقائها القذافي على مأدبة إفطار قالت رايس انها ستبحث محنة المعارض المحتجز المريض فتحي الجهمي مع الزعيم الليبي خلال اجتماع تاريخي عقد في وقت لاحق.

ونقل الجهمي وهو محافظ سابق احتجز قبل اربع سنوات في وقت سابق هذا العام إلى مركز طبي حيث يجري علاجه من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم ومرض بالقلب.

وقالت رايس للصحافيين الذين رافقوها إلى طرابلس في زيارة تاريخية إلى ليبيا هي الاولى لوزير خارجية اميركي منذ عام 1953 «بالطبع سأثير المسألة.» واضافت «من المهم فحسب ان يطلق سراحه ليس كبادرة على حسن النية لكن من المهم ببساطة ان يطلق سراحه».

واعتقل الجهمي لأول مرة في عام 2002 بعد ان انتقد القذافي ودعا إلى إجراء انتخابات حرة وصحافة حرة والى الإفراج عن السجناء السياسيين. وأصدرت محكمة حكما بسجنه خمس سنوات.

وفي اول مارس عام 2004 اجتمع جوزيف بايدن السناتور الاميركي عن ولاية ديلاوير والمرشح الديمقراطي الحالي لمنصب نائب الرئيس مع القذافي ودعا إلى الافراج عن الجهمي. وبعد تسعة ايام اصدرت محكمة استئناف حكما مع وقف التنفيذ بسجنه لمدة عام وأمرت بالإفراج عنه في 12 مارس.

غير ان الجهمي أعيد اعتقاله في وقت لاحق من هذا الشهر بعد أن اجرى مزيدا من المقابلات مكررا انتقاداته. واتهم بمحاولة الإطاحة بالحكومة واهانة القذافي والاتصال بسلطات أجنبية منها دبلوماسيون غربيون.

وفيما يتعلق بسجن الجهمي بسبب اجتماعه مع دبلوماسيين غربيين ضمن أسباب اخرى قالت رايس «بالطبع انه أمر مزعج وسأثيره».

وقال محمد الجهمي شقيق فتحي والذي يعيش في الولايات المتحدة قرب بوسطن ان رايس مخطئة في لقاء القذافي بينما لا يزال شقيقه محتجزا.

وقالت رايس في لشبونة حيث توقفت في طريقها إلى العاصمة الليبية «هذه لحظة تاريخية، تأتي بعد مصاعب كبيرة ومعاناة للعديد من الاشخاص الذين لن يتم نسيانهم او التخلي عنهم، وبالأخص الأميركيون من بينهم الذين يشغلون بالي كثيرا».

وكانت رايس تشير بهذا التصريح إلى ضحايا الاعتداء الذي استهدف طائرة بوينغ 747 تابعة لشركة بان اميريكان فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية في 1988، ما ادى إلى مقتل 270 شخصا، وكذلك إلى ضحايا اعتداء ملهى لابيل في برلين الذي كان يرتاده جنود اميركيون والذي أوقع ثلاثة قتلى و260 جريحا في 1986.

ولكن رايس التي عقدت مؤتمرا صحافيا مع نظيرها البرتغالي لويس امادو اعلنت أنها «سعيدة للغاية» بلقاء الزعيم الليبي مؤكدة ان هذه الزيارة هي «نتيجة للقرار التاريخي الذي اتخذته ليبيا بالتخلي عن أسلحتها للدمار الشامل وعن الإرهاب».

وشكرت رايس امادو، الذي تربط بين بلاده وليبيا علاقات جيدة، على النصائح التي زودها بها قبل لقائها مع القذافي لناحية طبع الزعيم الليبي الذي غالبا ما يتصرف بتلقائية.

وأشارت رايس إلى «الدور الهام الذي يمكن لليبيا ان تلعبه - وقد لعبته بالفعل - في المغرب العربي وفي الاتحاد الافريقي»، مؤكدة على رغبتها في ان تبحث مع الزعيم الليبي الوضع في السودان «حيث تلعب ليبيا دورا هاما».

وقالت «اريد ان ابحث الطريقة التي تتغير فيها، لان ليبيا اكثر انفتاحا، ليبيا تتغير، ستكون امرا جيدا لليبيا كما للمجتمع الدولي».

بدورها قالت دانا بيرينو المتحدثة باسم البيت الأبيض ان «زيارة رايس إلى ليبيا تمثل فصلا جديدا في العلاقات الثنائية» بين البلدين.

وأضافت ان العلاقات «تغيرت في اعقاب قرار البلد ليبيا التخلي عن أسلحة الدمار الشامل وقدراتها على إنتاجها. وهذه تغيرات كبيرة ومهمة».

وستغتنم رايس الزيارة لتؤكد لايران وكوريا الشمالية على فوائد التقارب مع الغرب، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك ان «ليبيا مثال يثبت انه اذا قام بعض البلدان بخيار يختلف عن خيارهم الراهن، تستطيع اقامة علاقات مختلفة مع الولايات المتحدة والبلدان الاخرى، واننا نفي بوعودنا».

حجر أساس

وضعت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أمس بحضور نظيرها الليبي عبدالرحمن شلقم حجر الأساس للسفارة الأميركية الجديدة في العاصمة الليبية طرابلس. وكانت الولايات المتحدة قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا منذ العام 1981.

ويصادف وصول رايس الى طرابلس الذكرى السنوية لنجاح الوساطة الأميركية العام 1905 في الوصول إلى معاهدة بورتسموث لإنهاء الحرب الروسية اليابانية في مطلع القرن العشرين، ومعركة (رأس فرجينيا) البحرية العام 1781 بين فرنسا وبريطانيا والتي انتهت بهزيمة الأسطول الإنجليزي الذي شكل البداية الحقيقية للاستقلال الأميركي عن بريطانيا، كما يصادف هذا اليوم من العام 1978 بدء محادثات السلام بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد.

ليبيا تخيف الشركات الأميركية رغم تحسن العلاقات

جاء الإعلان عن زيارة كوندوليزا رايس إلى العاصمة الليبية طرابلس بمثابة ضوء أخضر للشركات الأميركية التي ظلت بعيدة عن ليبيا لفترة طويلة. لكن الدخول إلى ليبيا الغنية بالنفط قد يكون الجزء السهل من المهمة. ويقول محللون ان تفشي البيروقراطية وعدم اتساق عملية صنع القرار والارتياب الذي تراكم عبر عشرات السنين من العزلة كل هذا يعني أن الشركات الأجنبية قد تواجه صعوبات في الاستفادة الكاملة من فرص الكسب الكثيرة في ليبيا.

وتحسنت العلاقات الأميركية الليبية بشدة منذ العام 2003 عندما تخلت ليبيا عن برنامج للأسلحة المحظورة واستفاد البلدان من رفع العراقيل التي كانت تقف في طريق التجارة والاستثمار. ودخلت شركات أميركية قطاع النفط والغاز الليبي بعد انتهاء العقوبات، لكن شركات كثيرة أحجمت خشية ان تجمد المحاكم الأميركية أصولها لإبرامها تعاملات مع ليبيا قبل تسوية مطالب بتعويضات عن أعمال إرهابية. وانحسرت هذه المخاوف هذا الشهر بعد أن اتفق البلدان على إقامة صندوق لتسوية هذه المطالب.

ومن المتوقع أن تعمل زيارة رايس وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من نصف قرن على تمهيد السبيل أمام تبادل السفراء وتيسير إجراءات استخراج التأشيرات وتسهيل منافسة الشركات الأميركية في التجارة والاستثمار. وزار عدد من الزعماء الأوروبيين ليبيا لإبرام صفقات.

ويوم السبت مطلع الأسبوع الماضي وافقت ايطاليا على دفع مبلغ خمسة مليارات دولار تعويضات عن فترة الحكم الاستعماري وحصلت في المقابل على وعود بإبرام صفقات في قطاع الطاقة وغيرها. وقال رئيس غرفة التجارة الأميركية العربية ديفيد حمود «الشركات الأميركية ستواجه منافسة ضارية مع الشركات الأوروبية والآسيوية وغيرها، ولذلك نحتاج لركوب الطائرة والسفر إلى ليبيا وبناء علاقات وجهاً لوجه».

وتُظهر أرقام حكومية أميركية أن التجارة مع ليبيا نمت من الصفر العام 2003 إلى 9,3 مليارات دولار العام الماضي أي ما يزيد على أربعة أمثال تجارة أميركا مع تونس جارة ليبيا والتي يزيد عدد سكانها بكثير على سكان ليبيا. وحصلت صناعات الطاقة في ليبيا على أكثر من 40 مليار دولار عام 2007 وتريد الحكومة مضاعفة طاقة إنتاج النفط تقريباً إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول العام 2012.

طرابلس ـ سعيد فرحات و«الوكالات»