ينسحب الإنقسام السياسي، الذي يعيشه لبنان منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، على كل مرافق الحياة اليومية للبنانيين. ووصل هذا الإنقسام ليحتل عالم الإعلانات والتسويق التجاري، فيصير جزء كبير من لوحات الإعلانات، المنتشرة على طول الطرق وفي كل الشوارع.
ومع تصعيد السجالات الحزبية بين الكتل والتيارات والأحزاب يشعل الانقسام« بروباغاندا الإعلانات السياسية» التي يستخدمها كل حزب وكل طرف من الأطراف اللبنانيين في صدامه ومواجهته مع الطرف الآخر. كل الأحزاب اللبنانية تقريباً تسوق لغتها وخطابها وشعاراتها على اللوحات الإعلانية، بحسب مناطق نفوذها.
يعتمد حزب القوات اللبنانية أسلوبا محدداً لتسويق أفكار حزبه، فهو يتعاطى مع الإعلان السياسي على أنه تسويق لأفكار قديمة، يحاول طرحها من جديد في السوق السياسية الداخلية. ولهذه الغاية يقوم اليوم بطرح شعار «أنتم الأرزة ونحن خطها الأحمر»مرفقاً بصور لمؤسسي حزب القوات المنشق والمتحدر من حزب الكتائب اللبنانية. وليس في هذه الحملة أي إشارة إلى قائد القوات اللبنانية الحالي سمير جعجع.
كما أن الماكينة الإعلامية للقوات لم تقم بالتسويق لجعجع لدى خروجه من السجن بعد أحد عشر عاماً، على عكس التيار الوطني الحرّ، الذي تهيأ لاستقبال قائده ميشال عون قبيل عودته من منفاه الفرنسي، بإعلانات عملاقة كتب فيها: «عون راجع» وكانت لهذه الحملة تتمة في مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة، وجاء في التتمة: شعون رجّع الحق لأصحابه». هذا فضلاً عن الحملات الإعلانية التي قام بها تيار المستقبل للتسويق للمحكمة الدولية والحقيقة والعدالة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
بعد إنتهاء حرب يوليو تموز في عام 2006، وزع حزب الله لوحات إعلانية كثيرة تشيد ب«النصر الإلهي» وتمجده، وكتب في هذه الإعلانات عبارات النصر باللغتين الإنكليزية والعربية على حدّ سواء. منذ ذلك الوقت بدأت الماكينة الإعلانية لحزب الله تتخذ طابعاً منظماً وحديثاً مواكباً للتطور في مجال التصميم الغرافيكي.
ثمة أحجية إعلانية في العبارات التي انتقاها حزب الله للتسويق ل«يوم الإنتصار والوعد الصادق». اللعبة ترتكز على ملئ الفراغ بالكلمات المناسبة. كأن تحمل لوحة صفراء طويلة عريضة عبارة «نحن قوم...»، بلا تفسير ولا ملئ للنقاط الثلاث. حلّ الأحجية يأتي في لوحة صفراء كبيرة، بعد كيلومترات كتب عليها: «نحن قوم لا نترك أسرانا في السجون».
اللعبة هذه تعتمد على عدة عبارات ـ أحاجي، منها مثلاً واحدة تقول «الحرية كما النصر...». وحل الأحجية هذه: «الحرية كما النصر آتية من فوهات البنادق». أحاجي أخرى تكون اقل صعوبة لأنها ترتبط بكلمات زعيم الحزب حسن نصرالله طبعت مرحلة الحرب ولا يمكن نسيانها، منها «لو جاء الكون كله...». والتتمة معروفة، قالها نصرالله في خطابه الشهير الذي أعلن فيه الحرب المفتوحة: «لن يعود الجنديان إلا من خلال التفاوض غير المباشر».
يجب الإعتراف ها هنا بأن هذه الأحاجي والألعاب مسلية لهواة النوع من راكبي السيارات والباصات على طول الطرقات المؤدية من وإلى المدن والقرى الموالية لحزب الله.
طبعاً لا يقتصر عمل الماكينة الإعلانية لحزب الله على التسويق ل«يوم الانتصار والوعد الصادق»، بل يتعداه إلى التسويق لكل المناسبات والأعياد التي ترتبط بالمقاومة ومجتمعها وثقافتها.
وفي خانة الإعلان السياسي يمكن إدراج حملة «أحب الحياة» التي أطلقت بعد حرب يوليو تموز، والتي عمدت المعارضة إلى انتقاد تكاليفها الباهظة في ظل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يتخبّط فيها اللبنانيون، لكن المعارضة سرعان ما استعارت عناوين هذه الحملة في هجمة مضادة على شعارات الأكثرية.
تعتمد الأحزاب اللبنانية، بحسب بعض العارفين في شؤونها الداخلية، على مطابع وشركات ورق وقماش عدة لإنتاج «البروباغندا» الإعلانية والإعلامية الخاصة بها. ويميّز هؤلاء بين الإعلانات الضخمة التي تتبناها الأحزاب بتوقيعها، وبين تلك التي يكتبها مناصروها ومحازبوها على القماش عبر خطاطين في مختلف المناطق اللبنانية. أحد الخطاطين هؤلاء، واسمه سليم، يقول إنه يحضّر أحياناً لافتات للأحداث قبل أن تقع، في تكتيك استباقي من الأحزاب.
ويقول إنه يستطيع أن يعرف ما سيحدث في السياسة، من العبارات التي يُطلب إليه أن يخطّها على القماش. وهذه الأيام بدأ عنده موسم الإنتخابات، التي ينتظر اللبنانيون موعدها في العام المقبل.
بيروت ـ رامي الأمين
