دشن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمس زيارة هي الأولى لزعيم غربي إلى العاصمة السورية دمشق منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 حيث يشارك اليوم في قمة رباعية (سورية ـ فرنسية ـ قطرية ـ تركية) تتركز على ملف المفاوضات غير المباشرة التي تجري بين دمشق وتل أبيب بوساطة تركيا.

وعقد الرئيس الفرنسي مع نظيره السوري بشار الأسد أمس في مستهل زيارة تستغرق يومين اجتماع قمة بحثا خلاله العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية والدولية. وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن مباحثات الأسد وساركوزي تناولت العلاقات الثنائية وسبل تطويرها في مختلف المجالات إضافة إلى الأوضاع الإقليمية والدولية وعملية السلام في الشرق الأوسط بما في ذلك محادثات السلام غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركيا.

دور فرنسا

وقال الأسد في مؤتمر صحافي مشترك مع ساركوزي في ختام القمة الثنائية التي جمعتهما في دمشق «طلبنا الآن في هذه المرحلة من الرئيس ساركوزي دعم مرحلة المفاوضات غير المباشرة لأنها الطريق الوحيد التي تؤدي إلى المفاوضات المباشرة».

ورداً على سؤال عما تعتزم فرنسا القيام به لتجسيد دعمها للمفاوضات غير المباشرة التي استؤنفت في الماضي بعد توقف ثماني سنوات قال ساركوزي «دور فرنسا هو الذي يطالبها الأطراف المعنيون بأدائه»، مضيفاً «عندما يطلبونه نؤديه». كما طلب الأسد من ساركوزي رعاية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل عندما يحين وقتها.

ورداً على سؤال عن موعد بدء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وشروط الانتقال إلى هذه المرحلة شبه الرئيس السوري المفاوضات بـ «عملية تشييد بناءً لا يمكن إقامته بدون أساسات قوية». وقال «الآن (المفاوضات غير المباشرة) نحن في مرحلة وضع الأساس، يعني بناء الثقة بين أطراف عملية السلام، ثم علينا تحديد الأسس والمرجعيات التي ستعتمد عليها المفاوضات المباشرة».

وأضاف «عندما تتهيأ هذه العناصر نستطيع أن ننتقل إلى المفاوضات المباشرة. هذه المرحلة بحاجة إلى وجود الولايات المتحدة مع أطراف آخرين مشاركين في رعاية عملية السلام. عندها نستطيع أن نقول إن رعاة السلام هم الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا وأي بلد آخر يهتم بذلك».

وبدأ ساركوزي أمس زيارة إلى دمشق تستمر يومين هي الأولى لرئيس غربي إلى سوريا منذ ثلاث سنوات، لمواصلة عملية «التطبيع» مع سوريا ومحاولة الاضطلاع بدور على الساحة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. فيما تشهد دمشق اليوم قمة رباعية تجمع إضافة إلى الرئيس السوري بشار الأسد وساركوزي أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان .

واستقبل الرئيس الفرنسي في مطار دمشق وزير الخارجية السوري وليد المعلم وسفير فرنسا في سوريا ميشال دوكلو قبل أن ينتقل الرئيس الفرنسي الذي يرافقه وزير خارجيته برنار كوشنير ووفد اقتصادي رفيع المستوى إلى قصر الشعب في دمشق حيث أقام له نظيره السوري بشار الأسد استقبالاَ رسمياً. ولدى وصول الموكب إلى قصر الشعب ترجل ساركوزي حيث صافحه الأسد وسارا جنباً إلى جنب على السجاد الأحمر واستمعا إلى النشيدين الوطنيين.

خلوه ثنائية

ووفق معلومات قصر الاليزيه، عقد الرئيسان خلوة ثنائية تلاها اجتماع موسع للجانبين. وتتمحور المحادثات الثنائية حول تعزيز العلاقات بين البلدين في كل المجالات خصوصاً الاقتصادية. وقبل ظهر اليوم يفتتح الرئيس الفرنسي مدرسة شارل ديغول الفرنسية في دمشق حيث يحضر حفلاً على شرف الجالية الفرنسية في المدرسة نفسها.

ويشارك ساركوزي اليوم أيضاً في قمة رباعية تجمع إضافة إلى الأسد وساركوزي أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان ثم يغادر العاصمة السورية. وتتركز محادثات القمة الرباعية على ملف المفاوضات غير المباشرة التي تجري حالياً بين دمشق وتل أبيب عبر تركيا. وقال قصر الاليزيه إن الجولة الخامسة من هذة المفاوضات المقررة في السابع من سبتمبر ستكون مهمة لانها ستتطرق إلى أصعب مسألة بين إسرائيل وسريا وهي ترسيم الحدود على طول بحيرة طبريا.

التطورات في المنطقة

ويحضر ساركوزي القمة الرباعية أيضاً بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي ساعياً إلى فرض فرنسا وأوروبا في اللعبة الدبلوماسية الشرق أوسطية التي تسيطر عليها واشنطن بشكل طاغ. واتفقت معظم المصادر السياسية والدبلوماسية في سوريا على أن القمة مهمة وستناقش معظم الملفات المطروحة إقليمياً ودولياً، ولعل أبرزها العلاقات السورية مع فرنسا والغرب عموماً، والملف اللبناني، وبطبيعة الحال التغيرات الجيوبولوتيكية في المنطقة حيث سيأخذ الملفان العراقي والإيراني حيزاً من النقاش.

وأكدت مصادر دبلوماسية عربية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) في دمشق أنه سيتم خلال القمة التطرق للعلاقات العربية ـ العربية في إشارة إلى العلاقات السورية السعودية بالدرجة الأولى وربما العلاقات السورية ـ المصرية وبعض الدول العربية الأخرى، خاصة أن دمشق تترأس القمة العربية في دورتها الحالية.

وقال دبلوماسي في العاصمة السورية لوكالة «رويترز» «إن التوصل إلى أي شيء ملموس فيما يتعلق بلبنان هو انتصار لساركوزي. انه يحتاج شيئاً يعرضه على الأوروبيين الأكثر تشككاً يوضح أن التعامل مع سوريا يؤتي أكله.. وإلا فستؤدي هذه الرحلة لرفع مكانة الأسد من دون تقديم أي شيء جاد في المقابل».

وتقول مصادر مقربة من الحكومة السورية إن لقاءات الرئيسين ساركوزي والأسد في دمشق هي لقاءات بين رئيس الاتحاد الأوروبي على اعتبار أن فرنسا رئيسة للاتحاد الأوروبي ورئيس القمة العربية بصفة سوريا رئيسة للقمة العربية حالياً.

وتلعب تركيا دوراً محورياً في عملية السلام من خلال «تفردها» حالياً برعاية المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية غير المباشرة، فضلاً عن دورها وعلاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف في المنطقة خاصة مع إيران والعراق وسوريا وإسرائيل.

وكانت فرنسا جمدت الاتصالات مع سوريا بدفع من الرئيس السابق جاك شيراك بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير 2005 في عملية تفجير وجهت فيها أصابع الاتهام إلى سوريا فيما نفت دمشق أي ضلوع لها. غير أن ساركوزي قرر إثر انتخاب الرئيس ميشال سليمان في مايو مد اليد إلى سوريا مجدداً، بعد ان كانت متهمة بعرقلة انتخاب رئيس جديد في لبنان.

من جهته، أثنى الرئيس السوري بشار الأسد الثلاثاء متحدثاً لمحطة «فرنسا الثالثة» التلفزيونية على «السياسة الواقعية» و«البراغماتية» التي تنتهجها فرنسا. وكان ساركوزي استقبل في 12 يوليو الرئيس السوري الذي شارك في اليوم التالي في قمة الاتحاد من أجل المتوسط ثم حضر في 14 يوليو الاستعراض العسكري بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، ما أثار انتقادات حادة من المعارضة.

وطلب الأسد عندها من فرنسا أن تساهم إلى جانب الولايات المتحدة في الوقت المناسب في رعاية مفاوضات مباشرة مستقبلاً بين سوريا وإسرائيل. كما تأمل فرنسا أن تتحقق «على أرضية الواقع» وعود دمشق بإقامة علاقات دبلوماسية للمرة الأولى مع لبنان الذي هيمنت عليه سياسياً وعسكرياً لمدة ثلاثين سنة.

شاليت حاضراً

كما سيبحث الرئيسان مسألة الجندي الفرنسي الإسرائيلي جلعاد شاليت المحتجز منذ أكثر من سنتين لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة. ومن المواضيع المطروحة للنقاش أيضاً مسألة إيران إذ تدفع فرنسا سوريا إلى «نقل رسالة» إلى الإيرانيين لحملهم على التخلي عن أي مساع لحيازة السلاح النووي.

وقالت أوساط الاليزيه إن «سوريا في موقع يخولها القيام بذلك، وهي تعرف عواقب هذا الأمر»، في إشارة إلى الغارة الإسرائيلية التي دمرت في سبتمبر 2007 موقعاً في شرق سوريا يشتبه بأنه كان مفاعلاً نووياً شيد بمساعدة كوريا الشمالية ويخضع حالياً لعملية تحقق تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول طبيعة عمله.

الملف الاقتصادي

وعلى الصعيد الاقتصادي، ستتيح هذه الزيارة لمجموعة توتال النفطية التي تتولى استغلال حقول نفطية في شرق سوريا، توقيع عقود لتوسيع رقعة عمليات التنقيب والاستغلال، بحسب ما أفيد في الاليزيه. وقالت مصادر حكومية لوكالة «د.ب.أ» «تأمل سوريا في توقيع سلة اتفاقات اقتصادية مع باريس» خاصة مع شركة توتال وكذلك مع شركة إيرباص.

حيث سيوقع الجانبان الفرنسي والسوري مذكرة تعاون لشراء نحو 54 طائرة إيرباص خلال الفترة من عام 2009 حتى عام 2028 على أن تتضمن مذكرة التعاون استئجار أربع طائرات خلال فترة عام من الآن، وكذلك إعادة هيكلة شركة الطيران العربية السورية الرسمية التي يعمل بها أكثر من ستة آلاف موظف.

وتقول مصادر غربية ودبلوماسية في سوريا إن توقيع أي اتفاقية بين سوريا وفرنسا بخصوص صفقة الايرباص يحتاج لموافقة أميركية على اعتبار أن الجانب الأميركي يملك 10 بالمئة من شركة الايرباص، ومن هنا توجد صعوبة في تنفيذ هذه الاتفاقية لأن الولايات المتحدة تفرض على سوريا حظراً وفق قانون «محاسبة سوريا».

دمشق ـ «البيان» والوكالات