يقدم المؤلف في هذا المنعطف المهم من كتابه رؤية متفائلة للعالم العربي، حيث يرى أن ظاهرة العولمة الراهنة جاءت لتتيح أمامه الفرصة لتوحيد صفوفه واستثمار موارده وإمكاناته للحاق بركب العالم الثاني، الذي يعلو بهذه الإمكانات عن العالم الثالث الموغل في الفقر والتخلف من دون أن يبلغ مرتبة العالم الأول المتقدم في مجالات التكنولوجيا والعلوم.
وهو لايتردد في تأكيد أن المنطقة العربية، خلافا لكل من إفريقيا وجنوب آسيا تتمتع بجميع المقومات التي تكفل لها أن تكون كتلة جيوسياسية فاعلة ومؤثرة إلى أبعد الحدود، ويلفت نظرنا في الوقت نفسه الى أن العالم العربي يشكل محكا حقيقيا لاختبار تأثير العولمة على حياة الناس بشكل عام، بكل ما يحتويه هذا التأثير من عناصر الإيجاب والسلب. ونتوقف طويلا عند تأكيد المؤلف على أن العالم العربي يشهد عودة لا سبيل لإنكارها إلى العروبة ويلفت نظرنا أن المؤلف يشدد على أنه سواء كانت الغلبة للتيار العروبي أم للتوجه الإسلامي في العالم العربي، فإن أميركا ستظل هي الخاسرة في نهاية المطاف لأن الاتجاهين كليهما يلتمسان حل المشكلات العربية بوسائلهما وبالشروط النابعة من أعراف المنطقة ومصالحها.
التعبيرات الذائعة في الإنجليزية الدارجة هي المسؤولة حتى الآن عن مصطلحات من قبيل الشرق الأدنى، الشرق الأوسط، الشرق الأقصى. بهذا يعترف مؤلف هذا الكتاب وهو يفتتح واحداً من أهم أبواب كتابه، على الأقل بالنسبة لنا كقارئين ومحللين عرب.
هذا هو الباب الرابع الذي اختار له الأستاذ باراج خانا العنوان التالي: بحثا عن الشرق الأوسط
ويتألف هذا الباب المهم من 7 فصول تعرض في سطورها لأحوال المنطقة ما بين المغرب العربي الكبير إلى أقطار المشرق والجزيرة العربية عبورا بمصر العربية فضلا عن إيران.
ويوضح المؤلف أن التسميات المختلفة التي ذهب إليها البريطانيون كانت تحقق المصالح الإمبريالية ومقاصد الإمبراطورية البريطانية، وخاصة في معرض تحديد وتوضيح معالم المناطق التي كانت لندن - الاستعمارية طبعا - تسيطر، أو تحاول السيطرة على مقاليدها:
* الشرق الأدنى كان يعني أن تبدأ سفن جلالة الملكة فيكتوريا تموينها بالمؤن وتزويدها بالمعدات وتجديد طواقمها من القباطنة والملاحين من قاعدة الإمبراطورية في جزيرة قبرص الأقرب موقعا من شرق البحر الأبيض المتوسط.
* الشرق الأوسط كان يشير إلى مناطق الجزيرة العربية الممتدة جنوبا حيث اليمن الكبير وميناء عدن الذي سبق الإنجليز إلى احتلاله منذ عام 1839 وظلوا محتلّين للمنطقة بأسرها في جنوب اليمن الطبيعي حتى جلائهم عنها في عام 1967.
* الشرق الأقصى قصد به سدنة الإمبراطورية الإشارة إلى المحيط الهندي ومن ثم المناطق التي تجاوزه من قارة آسيا وصولا، كما هو معروف إلى الصين واليابان.
لكن يعاود المؤلف الاعتراف بأنه رغم هذا الخلط في التسميات.. إلا أن مصطلح «الشرق الأوسط» في الزمن الحالي يرتبط تعريفه في أغلب الأحيان بالعرب: لغة وثقافة وشعوبا وتاريخا.. ومن المحللين من كان يطلّ على المنطقة من منظور الخلافات والتوترات والانقسامات وشرذمة الصراعات ونتائج النزاعات حتى لقد أطلق عليها بعض الدارسين الغربيين على أصقاع تلك المائجة بالتيارات وصفا غريبا هو: الحزام المشتت.
لكن المؤلف لا يلبث أن يؤكد أن ظاهرة العولمة الراهنة جاءت كي تتيح أمام الشرق الأوسط (العربي في أغلبه) فرصة لتوحيد الصفوف واستثمار الموارد والإمكانات من أجل تصنيف أقطارها ضمن فئة «العالم الثاني» الذي يعلو بفضل هذه الإمكانات عن فئة العالم الثالث الممعن في الفقر والتخلف.. دون أن يبلغ بالطبع مراقي العالم الأول المتقدم في ميدان الصناعة ومضمار العلم ومجال التكنولوجيا.
نلاحظ في هذا الصدد بالذات أن المؤلف يتحلى برؤية متفائلة - هل نقول ومتحمسة أيضا في نظرته إلى العالم العربي.. يقول على صفحتي 172 و173: على خلاف كل من أفريقيا وجنوب آسيا، فالمنطقة العربية تمتلك إمكانات في غاية الأهمية ما بين الموارد الطبيعية إلى الأموال إلى الأيدي العاملة إلى القدرات والكوادر والمواهب البشرية مما يؤهلها إلى أن تمارس تنمية نفسها وتطوير قدراتها..
لا ينسى المؤلف أيضا تذكير قارئيه بأن العالم العربي ظل على مدار قرون عدة.. يعنى من أيام طريق الحرير في الزمن القديم ثم أيام الحروب الصليبية والحربين العالميتين في القرن العشرين - يشكل طريق المرور وهمزة التواصل بين أوروبا وأفريقيا وآسيا ناهيك عن بديهية أن أهم موارد النفط العالمية حاليا موجودة في الأرض العربية وهو ما يجعل العرب عنصرا محوريا لا سبيل إلى إنكاره أو تجاهله في الاقتصاد العالمي. يضيف المؤلف قائلا:
*إن ذلك الأرخبيل العربي الذي يتألف من عدد من المحاور والمراكز التجارية ما بين القاهرة إلى الرياض ـ ومن بيروت إلى عمان ثم دبي.. يشكل محكا حقيقيا لاختبار أثر العولمة على حياة الناس بشكل عام.. بكل ما يحتويه هذا الأثر من عوامل السلب والإيجاب.
وعندما نسأله عن أثر شبكة الإنترنت مثلا بوصفها من المعالم البارزة لظاهرة العولمة، يسارع المؤلف في نفس السياق إلى الإجابة بقوله: من المغرب إلى مسقط. تلقى مقاهي الإنترنت حاشدة بالشباب.. على مدار الساعة وخاصة في الليل عندما تنخفض درجة الحرارة ويطيب الهواء.
يرصد المؤلف أيضا كيف يتفاعل مع أرض هذه المنطقة العنصران الأساسيان اللذان يشكلان هويتها بمعنى ما هو «إسلامي» وما هو «عروبي»، موضحا أن العرب يولون اهتماما كبيرا إلى الجوانب الاقتصادية ـ وأنهم (ص 175) يتعاملون مع «العروبة» على أنها حركة سياسية وثقافية تسود منطقتهم الإقليمية..
وفي كل حال فالطرفان ـ العروبي والإسلامي في المنطقة - يشعران بأن ثمة تحديات لا بد من مواجهتها من جانب القوى العظمى التي تجلت في عصر العولمة الراهن وهذه القوى هي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وهي التي أصبحت تشغل بال أهل الشرق الأوسط على امتداد المنطقة، التي تمتد ـ كما يقول المؤلف ـ من المغرب (شمال أفريقيا) إلى المشرق (جنوب غربي آسيا) ثم مناطق وشواطئ الخليج.. أو باختصار هي رقعة اليابسة والماء والناس والتاريخ الممتدة أفقيا من طنجة إلى طهران وعلى أديمها يتعانق ويتفاعل عنصرا المكان والزمان فضلا عن عنصر الطموح المشروع إلى المستقبل.
نلاحظ أيضا أن الفصل (21) الذي يتناول الحديث عن المنطقة المغاربية.. يتكرر فيه من جديد اسم «الصين» بشكل لافت حقا للنظر والاهتمام. وفي هذا يقول كتابنا (ص 188): بحكم النهم الشديد إلى الموارد الطبيعية فقد باتت الصين تتصدر قائمة المتعاملين مع النفط والغاز الطبيعي من شمال أفريقيا (المنطقة المغاربية) إلى وسط القارة وأصقاعها الجنوبية وبالتحديد من الجزائر إلى تشاد إلى السودان إلى أنغولا سواء من حيث مواقع الإنتاج أو التصدير.
. من هنا فإن تفاعل الصين مع تلك الأرجاء ما زال يعني داخليا الفرق بين السلام والصراعات الداخلية.. ورغم أن الأمم المتحدة أوفدت بعثات من جانبها لحفظ السلام في مناطق متعددة من أفريقيا، إلا أن الصين - بوصفها قوة عظمى - وبحكم مصالحها الطائلة والحيوية أيضا - تحرص على استخدام قوى مستترة لحراسة منشآتها ومعاملها ومواقعها على أرض القارة.. أما في مناطق الشمال الأفريقي المغاربية العربية.
. فهي تستخدم مواقع عديدة (طنجة مثلا) لتسريب منتوجاتها - من المنسوجات بالذات إلى أفريقيا مستغلة في ذلك ثغرات في معايير منظمة التجارة العالمية.
عن مصر كان من الطبيعي أن يهتم المؤلف بالتحولات التي استجدت على شمالي وادي النيل بعد ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر وخاصة بعد أن اتخذ ناصر خطوته التاريخية بتأميم قناة السويس في يوليو عام 1956.. وهي الخطوة التي كانت كما يقول المؤلف (ص 193) مصدر إلهام لجيل كامل من العرب الذين أعلنوا مناهضتهم للاستعمار.
وقتها ـ يلاحظ المؤلف ـ تَصَوّر الاتحاد السوفييتي أن بوسعه أن يجد موطئ قدم ونفوذ في المنطقة العربية بعد إندحار الغزو البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي في حرب السويس وقتها أيضا كانت موسكو يراودها الحلم الروسي الموروث تاريخيا من عصور القياصرة الذين توالوا على حكم الكرملين، وهو حلم الوصول إلى المياه الدافئة.
ومع هذا كله يسجل التاريخ أن السوفييت لم يتمكنوا من التمازج مع العناصر الحاكمة في القاهرة مما شكل فجوة أو فراغا حرصت على استغلاله أميركا. والذي حدث في التحليل الأخير أن جمال عبد الناصر رفض من جانب آخر أن يكون أداة في يد أميركا للبطش بالشيوعية..
ومن التاريخ الماضي إلى زمن العولمة الراهن. ورغم تعقيدات القرن الحادي والعشرين - يلقي المؤلف نظرة أشمل وأعمق على أحوال العالم العربي فإذا به يخلص، وهو الهندي الأصل، الأميركي التعليم إلى ظاهرة يراها متجلية في العالم العربي. ويلخصها في مقولة يسجلها على صفحة 201 تقول باختصار شديد وبليغ قائلا: إنها العودة إلى العروبة.
ثم يقول في معرض الإسهاب والتوضيح: أرى أن البندول النفسي العربي يعود اليوم إلى حيث اتجاه الالتزام بالعروبة (تأكيد الانتماء القومي للعرب).
بعدها يستعرض المؤلف التجارب الوحدوية العديدة التي لم تحز التوفيق في تاريخ العرب المعاصر، ويشير أيضا إلى ما لاقاه العرب من الغرب من جحود واستغلال ثم يخلص إلى ما يلي: أن العرب يملكون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، جميع العناصر التي تؤهلهم لتشكيل كتلة جيوسياسية طبيعية في زمن العولمة - عناصر ما بين الأرض إلى العمل.. إلى رأس المال إلى اللغة المشتركة فضلا عن إمكانات الحصول على التكنولوجيا فما بالك بالمصالح المشتركة بين جميع الفرقاء.
صحيح - يضيف المؤلف - أن هناك من محللي الغرب من يرى ظاهرة التشتت في العالم العربي لكن الأمل معقود على الأجيال الشابة من العرب التي تنطلق من مبدأ المطالبة بالتغيير السياسي (ص 253) وعلى حد ما كتبه الصحفي اللبناني رامي خوري في جريدة ديلي ستار في بيروت: ليس بوسعنا أن نكون آخر منطقة في العالم ترفض التحول الديمقراطي.
ومع السطور الختامية من هذا الباب الذي يعرض لأحوال الشرق الأوسط.. يحرص المؤلف على تسجيل ملاحظتين مهمتين:
*يقول في الأولى (ص 249) أن «دبي» أصبحت تمثل همزة الوصل التي يمكن أن توحد بين العالمين الأول والثالث وكأنهما يلتقيان على ساحتها الجغرافية بمعنى اللقاء بين العلم والتكنولوجيا اللذين يأتيان إلى دبي من الغرب مقترنين بإمدادات متدفقة من العمالة الرخيصة الآتية من آسيا.
* أما الملحوظة الثانية فيقول فيها مؤلف الكتاب (ص 253) ما يلي: سواء كانت الغلبة في العالم العربي للاتجاه العروبي أو كانت التوجه الإسلامي فإن أميركا هي الخاسرة في الحالتين، لأن كلا الاتجاهين يلتمسان حل مشاكل العالم العربي بوسائلهما الخاصة وبالشروط النابعة من أعراف المنطقة ومصالحها.
صحيح - يضيف المؤلف - أن أميركا ترى أن المنطقة مهمة لها من الناحية الاستراتيجية، لكن هذا لا يضمن لها حق التدخل العسكري، وبالذات لأن الأخطاء التي تنجم عن هذه التصرفات، وهي ليست أخطاء العرب أنفسهم، ما زالت تشكل السبب الرئيسي لاندلاع الصراعات وتفشي نزاعات الإرهاب والتحريض على انتشار الأسلحة في أنحاء المنطقة.

