يحل اليوم شهر رمضان ضيفاً على معظم الدول العربية والإسلامية ماعدا ليبيا التي صام مواطنوها أمس، وإيران وشيعة العراق وباكستان الذين يبدأ عندهم الشهر غداً، وسط موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية ما يثقل كاهل ملايين الأسر.

وبات هذا الشهر المبارك عند الكثيرين شهر الإنفاق وارتفاع الأسعار جراء المضاربات وارتفاع الطلب. بحيث استقبل مع بداية العام الدراسي بكل ما يحمله ذلك من مصاريف إضافية قد تتقل جيوب المواطن البسيط.. فيما استقبله العراقيون بطعم ألذ بعد عودة الأمن للمنطقة بحيث يأملون في رمضان أكثر أمنا وهو نفس أمل الجزائريين الذين يتخوفون من عودة هاجس عنف التسعينات في هذا الشهر، فيما يتسلل الاحتلال الإسرائيلي إلى عادات فلسطين الرمضانية بسماع صوت الغارات بدلا من صوت مدفع الإفطار.

أمل في العراق: وبعد انقطاع استمر فترة طويلة بسبب أعمال العنف شبه اليومية، عادت البغداديات أثر التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية إلى سوق الشورجة الشهير لشراء متطلبات شهر رمضان، رغم التشكي من «ارتفاع الأسعار». وقالت أم سجاد (28 عاما) التي تسير برفقة زوجها وسط السوق «انها المرة الأولى التي أرافق فيها زوجي إلى سوق الشورجة منذ احتلال العراق (...) لم يكن يوافق سابقا على مجيئي إلى هنا أبدا». من جهته، أوضح أبو سجاد الموظف في وزارة الكهرباء، ان «الوضع الأمني مهم، قبل أشهر كان الأمر صعبا جدا للتنقل مع امرأة وسط الازدحام داخل أسواق بغداد». وأكد الرجل الثلاثيني على أن «الأوضاع أفضل بكثير حاليا... فقد اشترينا كل ما نريد رغم ارتفاع الأسعار عموما»، معبرا عن أمله في أن يكون هذا الشهر المبارك أكثر أمنا في العراق وباقي الدول العربية والإسلامية.

رمضان بلا رمضان

وفي فلسطين، غابت العادات الرمضانية، التي يمارسها الفلسطينيون، والتي تناقلتها وتوارثتها الأجيال على مدار عقود مضت نتيجة الاحتلال، وانفصال الضفة عن قطاع غزة وما تلاه من حصار أرهق المواطنين وجعلهم يعيشون فقرا مدقعًا، ويعبر الفلسطينيون أيضا عن شوقهم لصوت مدفع رمضان الذي غاب عنهم بقرار إسرائيلي رسمي، حيث منعت القوات الإسرائيلية الفلسطينيين من الحصول على المادة المتفجرة المستخدمة في إطلاق المدفع، وهو ما جعلهم يعتمدون على صوت الآذان في مكبرات صوت المساجد لإشعارهم بموعد الإفطار.

بالإضافة إلى أن الاجتياح والتوغلات الليلة المتكررة للعديد من المدن الفلسطينية، حدت من عادات رمضانية كثيرة، فاختفت الكثير من السهرات الرمضانية التي كانت تشهدها المدن الفلسطينية. كما يتشوق الفلسطينيون لسماع صوت «المسحراتي» الذي غاب عن المدينة بفعل عمليات التوغل الإسرائيلية شبه اليومية في هذه المدن، الأمر الذي منع المسحراتي من الخروج لإيقاظ المواطنين خوفا على حياته.

مصاريف تثقل الكاهل

وبعيدا عن مظاهر الاحتلال والعنف، استقبلت معظم الدول العربية موازاة مع شهر رمضان ضيفا آخر قد يكون ثقيلا هذه المرة، وهو بداية العام الدراسي بكل ما يحمله ذلك من مصاريف إضافية قد تثقل جيوب المواطن البسيط بسبب كثرة المصاريف التي تصاحبهما، جاءتا بعد نهاية العطلة الصيفية التي تستنزف ميزانيات الأسر ويقول البعض إن تداعيات كل ذلك ستأثر على حياة المواطنين طيلة الشهور المقبلة.

ويحتار الكثيرون خصوصا ذوي الدخل المحدود بين الإنفاق على إطعام البطون الجائعة أو دراسة الأبناء، وقالت فاطمة وهي أم لثلاثة أطفال من لبنان إن تزامن شهر رمضان مع دخول بداية الموسم الدراسي سيضغط على ميزانية أسرتها التي يشتغل ربها كعامل بناء بسيط، لكنها تقول انها ستولي الأولوية لتعليم أبنائها، لأن رمضان كما تراه فاطمة شهر للعبادة والتقرب إلى الله، وليس شهرا للاستهلاك كما يعتقد البعض. من جهته، قال مصطفى وهو موظف حكومي في المغرب إن «رمضان هذه السنة استثنائي بكل المقاييس لأنه جاء بعد نهاية العطلة الصيفية وبداية الموسم المدرسي الجديد».

وأضاف: «إنني لحد الآن أؤدي القرض الذي قضيت به العطلة الصيفية ويتوجب علي في نفس الوقت توفير ميزانية خاصة لشهر رمضان والدخول المدرسي مما سيلزمنا سنة كاملة من التقشف لخلق التوازن وهذه مسألة ليست بالسهلة».

وقال فريد وهو مواطن سوري «تزامن رمضان مع الدخول المدرسي نجم عنه ضغط كبير على ميزانية الأسرة، مما جعلنا نلتجئ إلى الأسواق الشعبية لان الأسعار فيها منخفضة مقارنة مع المحلات الكبرى وأيضا نحاول أن نقتني المواد الضرورية ونغض الطرف على المواد الأقل أهمية لأننا مطالبون بتأدية فواتير الماء والكهرباء والإيجار والأدوات المدرسية بالإضافة إلى أشياء أخرى، وبالتالي نطالب الحكومة بالتدخل العاجل لمساعدة المواطن البسيط على مواجهة المشاكل الاقتصادية التي تواجهه بسبب الظروف الحالية».

ولعل الأسواق الشعبية كانت عنصر الجذب الأول لأولياء الأمور ممن لم تمكنهم رواتبهم من شراء الزى المدرسي ومتطلبات رمضان. فإحدى الأمهات وقفت حائرة أمام ارتفاع الأسعار وتعدد الاحتياجات. وقالت إنها اضطرت لبيع جزء من أثاث المنزل لتوفير نفقات الكتب والملابس والدروس الخصوصية ومستلزمات رمضان في الجزائر. وقالت إنه كان من الأفضل تأجيل بدء العام الدراسي إلى ما بعد عيد الفطر.

وقال الأب انه «محرج للغاية أمام أبنائه. وكاد يبكي وهو يقسم انه لم يشتر أي شيء لهم لضيق ذات اليد برغم انه يعمل موظفا في احد محال الملابس في المساء بالإضافة إلى عمله في إحدى الوظائف الخدمية في الصباح».

وبعيدا عن الغلاء وافلاس الجيوب، يشتكي المواطنون الجزائريون من تصاعد الأعمال الإرهابية في الآونة الأخيرة حيث ابدوا تخوفا من عودة عنف التسعينات بحيث شهد رمضان سنة 1995 مقتل مئات المواطنين في تفجيرات ضربت العاصمة التي كانت محصنة امنيا، وهو الأمر الذي جعل المواطنين يتخوفون من عودة هذه المشاهد بحيث قلت الحركة نوعا ما في الأسواق، حسب تأكيد وليد 42 سنة موظف الذي أكد أن غلاء الأسعار والتخوف من الهجمات الإرهابية جعل المواطنين يلازمون بيوتهم في هذا الشهر رغم الإجراءات الأمنية المشددة.

ومع قدوم شهر رمضان كل عام يبدأ السباق لعمل الخير بين المصريين. وأحد مظاهر هذا السباق التي برزت هذا العام هو حقيبة رمضان التي تحتوي على مأكولات وتوزع على الأسر الفقيرة. فالسباق هذا العام دخله رجال أعمال وجمعيات أهلية وشباب من المتطوعين ومحال البقالة الكبرى، الفكرة تقوم على التبرعات ثم شراء مستلزمات رمضان من المأكولات وتوزيعها في حقائب بالتساوي ثم توزيع هذه الحقائب على المحتاجين.

وتتكلف الحقيبة الواحدة حوالي 40 جنيها مصريا أو ما يعادل ثمانية دولارات وتحتوي على خزين يكفى أسرة لمدة شهر وتحتوي على أرز ومكرونة وسمن وزيت وفول وعدس وبلح وسكر وشاي. والعمل مقسم بين الأصدقاء فالفتيات يقمن بتجهيز الحقائب فيما يقوم الفتيان بتوزيعها.

(وكالات)