تغيَّرت، مع كل هذه الشروط، أساليب مطاردة أبطال الحرية، وأدوات إزالتهم من الوجود. حلَّت أنظمة الاستبداد الجديدة محل الاستبداد القديم. وحلَّ محل المشانق التي كان يعلَّق عليها الأحرار سلاح الإعدام بالرصاص الحي، وسلاح القتل بالجملة وإلقاء جثامين الأحرار في المقابر الجماعية، وسلاح الاغتيال بالرصاص المغطى بكاتم الصوت، وسلاح الاغتيال بالقنبلة أو بالعبوة الموقوتة المزروعة في الأماكن الخفية.

وتعذَّر على أبطال الحرية الجدد، بفعل هذه المتغيرات كلها، أن يعلنوا، قبيل لحظة الموت غير المرتقبة، بأعلى ما في حناجرهم من قدرة على الصراخ، التزامهم بالدفاع عن الحرية، واختيارهم الطريق ذاته إلى تحقيقها، إذا ما أتيح لهم أن يعودوا إلى الحياة من جديد. ويكررون من جديد موقفهم إياه، بالشجاعة ذاتها في قول الحقيقة، وبالنقد الذي لا هوادة ولا مهادنة فيه، حتى إذا ارتأوا أنه لا بد من تقديم حياتهم ثمناً غالياً دفاعاً عن الحرية، ومن أجل تأمين شروط انتصارها. إن هذه المتغيرات جميعها التي يشهدها عالم اليوم إنما تشير، بوضوح، إلى أن الطريق إلى الحرية في بلداننا لايزال، منذ قديم الزمان، غير سالك، وأنه مليء بالألغام وبقطاع الطرق وباللصوص وبالقَتَلة. ومع ذلك فما أكثر الذين يرون في سلوك هذا الطريق، وبأغلى الأثمان، مهمة لا ترقى إلى مستواها أية مهمة.

كان مهدي عامل مفكِّراً ماركسياً ملتزماً. كان يحاول تقديم رؤية جديدة للعالم ولبلاده، في شروط عصر كان يضج بأحلام التغيير، ويزدحم بوقائع تصعِّب وتعقِّد وتعيق تحقيق تلك الأحلام. ولذلك كان فكر مهدي كله نقدياً في أساسه. وكان نقده يطاول الوقائع القائمة، ولا يستثني حتى مشاريع التغيير، بما في ذلك المشروع الاشتراكي ذاته الذي كان ينتمي هو إلى مرجعيته الفكرية، مرجعية ماركس. لكن مهدي عامل، الذي اغتيل بكاتم الصوت، كان عنيفاً في نقده للطائفية وللنظام الطائفي في بلده لبنان. وكان عنيفاً أيضاً في نقد السلفية الدينية التي كان، ولايزال، يتشبث أصحابها، بالنظام القديم وبكل ما يعيق عملية التقدم في عالمنا العربي، يتشبثون بهذا القديم، باسم فهمهم المشوَّه للدين، الفهم الذي يغيِّب قيم الدين ويتجاوزها إلى نقيضها.

وحين اغتال كاتم الصوت الصديق الكبير لمهدي، ورفيقه في الدرب وفي الفكر وفي المعركة دفاعاً عن الحرية، حسين مروة ـ ابن الثمانين ـ في فراش نومه، لم يعبأ مهدي بكل ما جاءه من إشارات كان بعضها صريحاً إلى حدود الوقاحة بأنه، أي مهدي، سيكون الهدف الثاني بعد حسين مروة لكاتم الصوت أو لسواه من أسلحة الاستبداد والظلامية. ولم يلتفت إلى تحذيرات رفاقه وأصدقائه بضرورة التنبُّه إلى ما يحيط به من مخاطر. ولم يشأ أن يغيِّر مكان إقامته، ولا طريق سيره المعتاد إلى معهد العلوم الاجتماعية كل صباح لملاقاة طلابه. لم يشأ أن يغيِّر أياً من عاداته.

إذ كان يعتبر أن مثل ذلك سيكون من قِبَله رضوخاً أمام الخصم في تقليص حقّه بالحرية. وظلَّ يمارس نشاطه الفكري بالطريقة ذاتها من دون تعديل. وظلَّ يمارس حياته كما لو أنَّ شيئاً جديداً خطيراً لم يحصل.

وظلَّ يواصل انتقاله إلى معهد العلوم الاجتماعية للقاء طلابه مشياً على الأقدام، إلى أن اعترضه كاتم الصوت ذات يوم، من داخل سيارة كانت تنتظره في طريقه إلى المعهد. اعترضه كاتم الصوت برصاصات أصابت قلبه الذي كان عامراً بالحياة، وأصابت المركز الذي كانت تختزن فيه أفكاره الجديدة الرائدة.

وهكذا غادر الحياة هذا المفكر النقدي الكبير، من دون أن يتمكن من الإعلان أنه، لو عاد إلى الحياة من جديد، سيكمل السير في الطريق ذاته الذي اختاره بوعي لحياته الفكرية والسياسية والشخصية.

سمير قصير، ابن الخامسة والأربعين عاماً، الذي كان بمثابة الأخ الصغير لمهدي عامل، وبمثابة الابن لحسين مروة في الفكر وفي العمر وفي التجربة وفي السلوك، لم يختلف، في مواجهة الأخطار التي كانت تحيط به وتهدده من كل جانب، لا عن هذين الرمزين الكبيرين من رموز النضال بالفكر وبالسلوك من أجل التغيير، ولا عن أولئك الأبطال الذين ارتبطت أسماؤهم وسماتهم وصفاتهم بالحركة الثورية المناضلة من أجل التغيير في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي.

كان سمير قصير، منذ مطلع شبابه، يسارياً يحلم بتغيير بلاده في اتجاه التقدُّم. ولم يغيِّر موقعه اليساري قط إلاَّ في الاتجاه الأكثر تحرراً من القديم الذي كان يشيخ، والأكثر تحرراً من اليقينيات التي تعيق التطوير والتجديد. وظلَّ في موقعه هذا، رغم انضمامه إلى منابر لم تكن معروفة بيساريتها، لكنها كانت منابر للدفاع عن الحرية لبلداننا ولشعوبنا وللإنسان الفرد فيها، ضد كل أنواع الاستبداد، أفكاراً وسياسات وأنماط سلوك وأنظمة حكم.

كان سمير قصير صاحب قلم جميل. وكانت أرقى عناصر الجمال في قلمه أفكاره الجريئة، حاملة الرغبة الجامحة في التغيير، الرافضة بحزم لكل أشكال الاستبداد القديم منها والمتجدد. لذلك فقد كانت كتاباته نقدية لاذعة.

وكان النقد فيها سلاح المثقف، سلاحه الماضي الكاسر، السلاح المحصن بالشجاعة، والمصوَّب في الاتجاه الصحيح، من دون مهادنة أو مساومة.

وكانت واجهت سمير قصير قبل اغتياله حملة قاسية من المضايقات والضغوط النفسية من قِبَل أجهزة النظام الأمني اللبناني السوري، من أجل إرهابه.

لكنه صمد في وجه تلك المحاولات، وعضَّ على جراحه، واستمرَّ في الطريق ذاته الذي اختاره منذ مطلع شبابه. وكان يعرف أن سلوك هذا الطريق مليء، ليس بالأشواك وحسب، بل بكل أنواع المخاطر، التي قادت إلى الموت قبله رفاقاً له وأصدقاء من المدرسة ذاتها، وحتى من مدارس فكرية أخرى، كان الشيخ صبحي الصالح أحد أبرز ممثليها.

وما أظنه كان غافلاً، حين اختار ذلك الطريق، عن رؤية مثل ذلك المصير الذي كان ينتظره. فجاءت العبوة المفخخة القاتلة لتؤكد أن ذلك الاحتمال الفظيع قد تحوّل إلى أمر واقع.

ودخل سمير، مع مهدي عامل وآخرين قبله وبعده، وآخرين قبلهما وبعدهما، في قافلة شهداء الحرية، الذين يشكلون أحجار الزاوية في بناء نهضتنا العربية الجديدة القادمة، المتمثلة بإقامة دولة الحرية والتقدم والعدالة، في لبنان وفي سائر بلداننا العربية.

وكان على جورج حاوي، رفيق مهدي وسمير، أن ينال المصير ذاته، مع كوكبة من القادة السياسيين والإعلاميين الذين ذهبوا، الواحد منهم تلو الآخر، خلال السنوات الثلاث العجاف التي سبقت المرحلة التي يمر بها لبنان في الوقت الحاضر، المرحلة الواعدة، بقلق وبحذر، بخروج لبنان من الأسر إلى الحرية، ومن فوضى السلاح إلى الدولة.

كان سمير قصير، مثل مهدي عامل، مثقفاً ينتمي إلى جمهرة كبيرة من المثقفين القدامى والمحدثين، الذين تشكل الأفكار مادة إنتاجهم، وتشكل الكتابة وسائل التعبير عن أفكارهم. كانوا، في حقيقة أمرهم، كائنات إنسانية فردية، بحكم طبيعة عملهم، أي كمنتجي فكر أفراد.

لكن أفكارهم الحرة، أفكارهم التي كانت تمثل صيغة انتمائهم إلى شعوبهم في نضالها من أجل الحرية والتقدم، جعلتهم كائنات إنسانية جماعية، يشكلون بأفكارهم ومواقفهم الشجاعة جزءًا أساسياً مكوناً من الحركة العامة الرامية إلى صياغة مستقبل زاهر لبلداننا بالمفرد وبالجمع.

كان سمير قصير من أبرز الذين ساهموا في انتفاضة الاستقلال في لبنان. كان رفيقاً دائماً للشباب في ساحة الحرية. لكنه كان يدرك أن الصعوبات والعقبات لاتزال تشكل عوائق لا يستهان بها أمام الوصول إلى المبتغى من الأهداف. وعبَّر في كتاباته عن هذه الحقيقة، تحذيراً منه للشباب من خطر الوقوع في أسر الأوهام.

وكان يعرف، في الوقت عينه، أن هذه الصعوبات والعقبات لن تكون أزلية، وان شروطاً جديدة ستنشأ في مستقبل قادم، أكثر وضوحاً من الأزمنة السابقة، لمواجهة تلك الصعوبات والتعقيدات.

وكان أهم عناصر هذه المواجهة في نظره يتمثل في هذه اليقظة الجديدة لدى الأجيال الشابة للعب دور كانت مغيبة عنه، وكانت هي ذاتها منكفئة عن ممارسته، رغم أنه حق لها وواجب عليها.

كان سمير قصير، في قناعاته تلك، وفي ثقته تلك بالمستقبل، يستشرف، ويحلم. لكنه لم يكن يرى حجم العناصر المعيقة لتحقيق ما كان يحلم به. ولو أنه عاش إلى أيامنا هذه لكان أكثر من النقد الذي كان سيوجهه إلى كل من القوى السياسية التي رفعت شعار الحرية والسيادة والاستقلال، وأكثر نقداً للأجيال التي عادت إلى انكفائها القديم، بفعل الصعوبات والتعقيدات القائمة والمستجدة.

سمير ومهدي، ورفيقهما القائد الشجاع جورج حاوي، وقبلهم المفكر الكبير حسين مروة، والإعلامي المتميز سهيل طويلة، والمناضل المثابر خليل نعوس، وقائدهم الكبير السابق عليهم في الاستشهاد فرج الله الحلو، والقائد الكبير للحركة الوطنية كمال جنبلاط، جميع هؤلاء الشهداء سيشكلون، باستشهادهم مع سواهم من أبطال الحرية في لبنان، وفي مقدمتهم الرئيس رفيق الحريري جسر العبور الصعب إلى مستقبل أفضل لوطنهم لبنان، ولو طال المدى.

الطريق إلى الحرية هو ذاته دائماً. والثمن الباهظ الذي يدفعه الأبطال الذين يسلكون هذا الطريق، هو ذاته أيضاً. ولا مجال للتردد في الاستمرار في السير على هذا الطريق حتى بلوغ الأهداف المبتغاة، الأهداف المرتبطة بالتغيير، التغيير الديمقراطي المقترن بالحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

إنَّ فجر الحرية قادم لا محالة. وأبطالها الذين يسقطون على الطريق إليها هم أحجار الزاوية في بنيانها القادم، في لبنان وفي أرجاء عالمنا العربي من الخليج إلى المحيط.

نماذج من أبطال الحرية

المثقف، مثل سائر البشر، هو الذي يختار طريقه إلى الحياة. لكنه، بخلاف سائر البشر، يختار بوعي الطريق الصعب إلى حريته. لذلك فإنه يواجه، بخلاف سائر البشر، شكلاً آخر لنهاية حياته، لا يختاره هو، بل يقرره سواه بالنيابة عنه، وبالقسر، عقاباً له على اختياره ذلك الطريق الصعب إلى الحرية.

وقد تردَّد كثيراً في الأدبيات الثورية (الشيوعية والاشتراكية) في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي أنَّ أبطال الحرية الذين قادهم طغاة بلدانهم وجلادوها إلى أعواد المشانق كانوا يعلنون، بما كان قد تبقَّى في حناجرهم وفي مشاعرهم من طاقة على الصراخ، في اللحظات الأخيرة التي سبقت التفاف حبال المشانق حول أعناقهم: لو أتيح لنا أن نعود إلى الحياة من جديد لما اخترنا سوى هذا الطريق ذاته إلى الحرية، ولو بهذا الثمن الباهظ ذاته!

لهذه النماذج الفذَّة من أبطال الحرية أسماء ذات صفات وسمات يضج بها ويفخر تاريخ تلك الحقبة من النضال الثوري المفعم والمثقل بهمّ وبمهمة تغيير العالم، عندما كان مشروع ذلك النضال في أوج ازدهاره، وعندما كانت الأفكار التي استند إليها ذلك المشروع في أوج مجدها.

أما النماذج الحديثة لأبطال الحرية هؤلاء في بلداننا العربية فهي كثيرة، والأبطال فيها متعددون. لكن الطريقة التي أنهيت بها حياتهم كانت واحدة في الأعم الأغلب. ذلك أن عالم اليوم قد تغيَّر واختلف عن عالم الأمس. وتغيَّرت واختلفت سمات تاريخه.

وتغيَّرت ظروف النضال فيه من أجل التغيير، أي من أجل الحرية بكل مضامينها، الحرية للأفراد وللجماعات وللشعوب على حد سواء. وتعددت أشكال التعبير عن ذلك الهم وعن تلك المهمة المتصلة بالتغيير. وتغيَّرت، في الوقت عينه، أنماط الطغيان وتعددت صيغها. وتغيَّرت الأنظمة والسلطات التي تمثل هذا الطغيان.

كريم مروة