جنوبا يكون الفقر غالبا، ويكون الطقس أكثر رأفة بالبشر المتجمدين لا سيما إن كانوا آتين من الشرق الأوسط. هناك ابتهجنا بعد آلاف الأميال من الثلوج والريح الصرصر.. الآن بات في وسعنا أن نتخفف قليلا من أطنان الملابس الثقيلة : نحن في لويزيانا.

المحطة الأخيرة في رحلتنا إلى الولايات المتحدة، كانت ملتبسة بعض الشيء: كآبة ومرح فاقع. أجواء انتخابية ماطرة، لكن سخونة الحماس بادية على الجميع، وتحديدا مدينة نيو أورليانز، عاصمة الولاية شبه المحسومة للحزب الديمقراطي. الجميع في المدينة مع السيناتور باراك أوباما. لا يكاد يخلو حديث أي ممن قابلناهم من الغضب على الإدارة الأميركية الجمهورية الحالية بقيادة جورج بوش.

«انظر إلى شوارعنا»، قال سائق التاكسي الأشقر«هل هذه شوارع مدينة في دولة عظمى، لا، إنها شوارع مدينة محسوبة على الحزب الديمقراطي ولذلك لا تكترث الحكومة». لكن، وللمفارقة، تترك لديك موظفة الفندق الأميركية من أصل إفريقي، انطباعا متناقضا «لا لا هذه مبالغة، شوارع نيو أورليانز كانت ممتازة لكن تأثيرات إعصار كاترينا والضغط الهائل على البنية التحتية خلفا هذه المطبات، لا شيء أكثر». الجدل هذا اعتدناه نحن جمهور الصحافيين، ففيه استسهال مقيت: لا أسهل من رد الأمور إلى التمييز العرقي أو الطائفي. نعم لكنها بحق مدينة مظلومة .. ومنكوبة بالطبع.

نيو أورليانز، لم تسترد بعد عافيتها من الإعصار المدمر «كاترينا» الذي حلت سنويته الثالثة أمس الجمعة، فكل شيء في المدينة وفي دواخل سكانها يذكر بالمأساة، بل ويتحدد استنادا إليها: هنا تيار جارف وعارم يزحف لنصرة باراك أوباما فهو الفارس الأسمر «الذي سيعيد للمدينة حقوقها واعتبارها وإنصافها». وفي المقابل تتحرك أطراف أخرى في المدينة في الاتجاه المضاد، نحو هيلاري كلينتون، وحتى السيناتور جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة.

لارج آرني فيلكو، رئيس مجلس المدينة، يفسر ما يحدث بالقول «صحيح ان غالبية سكان ولاية لويزيانا هم من العرقين الفرنسي والاسباني قبل أن يتكاثر فيها الأميركيون الأفارقة، وغيرهم من الأعراق، لكنها تعلمت وتدربت جيدا عبر مئات السنين على ثقافة التعددية واحترام الآخر، ومن هنا ورغم انتمائي للحزب الديمقراطي لكنني افهم بالضبط ضرورة أن لا تتحكم ردة الفعل بخيارات الناخب، وصولا إلى ما يشبه عملية الانتقام من الجمهوريين بسبب اتهامات الإهمال وعدم التحرك الجاد لدرء خطر الإعصار ومن ثم إغاثة المنكوبين».

التعددية هذه لمسناها في نيو أورليانز فالذين التقيناهم من الناشطين والمسؤولين هم : الدكتورة ساندرا ويلسون أمينة سجل الناخبين(أميركية افريقية)، جويل مايرز الرئيسة السابقة لعصبة النساء الناخبات (أميركية يهودية شقراء)، والدكتور اد رنويك مدير جامعة لويولا (أميركي مسيحي).

حرص رئيس مجلس المدينة فيلكو، وجويلز التي أثارت انطباعا سيئا لجمودها قبل أن نفهم العقلية الأميركية البراغماتية التي لا تخجل من السؤال في بداية أي لقاء: ماذا تريدون مني؟، الاثنان حرصا على الإشارة إلى «نهاية أسبوع حول السلام والصداقة»، وهي من أنشط المجموعات في المدينة برعاية كنيس يهودي يدعى تورو، وتدير حوارا ناضجا وجادا بين اليهود والمسلمين في المدينة.

لكن على اختلاف الاجتهادات، فان الإحساس بالتهميش يوحد جميع هذه المشارب نحو مصب واحد: انتخاب المرشح الديمقراطي للرئاسة، ولا سيما إن كان أوباما.

الحياة على طرفي نقيض

أيا يكن فالزائر مهما اجتهد، يبقى أسير الانطباعات، وانطباعنا عن المدينة ازداد إرباكا حين رأيناها شطرين: واحد فرح حد المجون، وآخر كئيب حد الإحباط.

أثناء تجوالنا في الأحياء المنعمة من المدينة، لمسنا مدى النظافة والنظام العمراني الخشبي المتعدد الطابع. دخلنا منزلا وفق البرنامج ونعمنا بضيافة معقولة، وفي الليل استكشفنا حياة صاخبة في شارع عنوانه اليافطات الحمراء غير الخاضع للرقابة.

هنا مدينة عصرية ومتحررة بمعنى الكلمة، لاسيما ان حظنا كان مواتيا لمشاهدة أشهر مهرجانات نيواورلينز، انه «عرض ثلاثاء المرفع»، أو «ماردي غراس» بالفرنسية.

فوجئنا بأنه رغم أن ليل المدينة يستحيل نهارا صاخبا، إلا أن العديدين ممن سألناهم عما يعني هذا المهرجان لم يجدوا إجابة، فاضطررنا إلى البحث: هو مهرجان مسيحي الأصل أتى به الفرنسيون، ويقام مساء الثلاثاء من يناير الذي يسبق أربعاء الصوم عندهم، ففيه ينفلتون من عقالهم، إذ إنهم سيعيشون أربعين يوما من الانضباط. طبعا هذا ما آل إليه المهرجان حاليا، لكنه في الأصل كان رمزا للعطاء، يطوف فيه المحتفلون الشوارع يوزعون عطاياهم على المحتاجين، ثم «تطورت» هذه العطايا لتستقر في شكل عقود من الخرز وأكواب بلاستيكية ملونة وغيرها من هدايا رمزية لا تخلو من معنى غريزي.

في الشارع المخصص لمرور مواكب المهرجان، كان المطر غزيرا تلك الليلة لسوء حظ المنظمين، لكن الإقبال لم يضعف. على جانبي الشارع اصطف المحتفون في انتظار مرور المواكب وغالبية أفرادها من طلاب وطالبات المدارس العليا والجامعات. كل مجموعة بزي معين، بعضهم يحمل نوعا محددا من الآلات الموسيقية وآخرون يرتدون لباسا موحدا ويؤدون رقصات تعبوا طيلة العام في التدرب عليها.

بين هذه المجموعات تمر مركبات وعربات كرنفالية بأشكال عدة: قلاع، منازل، وحتى أشكال حيوانات وأبراج، من عليها تقذف العطايا التي في غالبيتها رمزية القيمة، فيتدافع الحشد على جانبي الشارع لالتقاط اكبر كمية ممكنة منها، وسط صيحات الابتهاج.

مسيرة المواكب تصل إلى نهايتها، لكنها تتواصل في شارع آخر، أكثر شوارع المدينة تحررا. هو مبني على الطراز الفرنسي والاسباني، حيث تزنره من أعلى شرفات المنازل والمحلات التجارية وغالبيتها أماكن لهو، هناك في الأعلى يصطف حشد كبير، وجميع أفراده يحملون قلائد الخرز البلاستيكية، وفي الأسفل يزدحم الإسفلت بمرتادي الحانات والأندية الليلية، وما إن يستبد العبث المجنون حتى تبدأ القلادات في التساقط على النساء تحديدا، لكن بشرط أن يكشفن عن الصدور! ينتهي الليل هنا وسط ذهول الشرقي بأحدث منجزات العبث الغربي، ففي الصباح هناك رحلة إلى النقيض.

البؤس يزداد قتامة على الساحل

في الحافلة، كانت الدليل امرأة من أصول افريقية، لكنها بحق مناضلة، جهدت بما لا يوصف للتخفيف على منكوبي «كاترينا»، لكنها أيضا بدت اقرب إلى الدليل العقاري لما تحفظه ذاكرتها الخارقة من أسعار الأراضي والمنازل وحتى مواد البناء.

كلما اقتربت الحافلة من شاطئ المحيط الأطلسي، كلما اكفهر المشهد بحطام العوز والمأساة في البلد الأقوى والأغنى في العالم. رويدا رويدا تظهر المنازل الخشبية المحطمة والطرقات المدمرة تماما.

ها نحن في مناطق الإعصار الشهير، تحت سطح البحر بنحو 700 متر، ننظر إلى المياه في الأعلى ونتعجب كيف لا تجتاح اليابسة، فكرنا:« ربما هذا ما دفع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك إلى التحذير حين كان طالبا في المدينة من هذا الاجتياح».

القصة معروفة: أمواج عاتية أحالت الجزء المحاذي للمحيط من المدينة إلى خراب، قتل وشرد الألوف، لكن الأقسى هي تلك المأساة الإنسانية التي عاشها الناجون، حين تجمع بعضهم في مؤسسات عامة كالمدارس والملاعب والبعض الآخر هام على الأرصفة، وما رافق ذلك من أمراض الجثث المتفسخة.

المرأة الدليل أشارت إلى بقايا سور اسمنتي متواضع « هذا ما كان يفترض ان يمنع الكارثة.. فلم يصمد أمام أول موجة».

كل المنازل التي سحقتها الأمواج، كانت مصنوعة من الأخشاب، وهو تقليد تاريخي في المدينة، هذه تطايرت كالورق أمام هجوم الماء، والأغرب ان المنازل البديلة التي تبنى حاليا هي من الأخشاب أيضا، لكن مع فارق واحد: قاعدة إسمنتية للأكواخ أكثر ارتفاعا. سألنا عن السبب فقالت الدليل«هذا النمط اقل كلفة فضلا عن كونه تقليدا متوارثا».

المنازل الجديدة تتناسل إلى جانب أنقاض القديمة، ومعظم كلفتها من مساعدات حكومية، وأخرى من منظمات إغاثة إنسانية، والبعض من مشاريع خيرية تجارية، كتلك التي سارع إليها فنانون بينهم براد بيت وزوجته انجلينا جولي، عبر بناء مساكن يبلغ ثمن احدها 150 ألف دولار، فتباع على سبيل المساعدة بـ 70 ألفا.

عرجنا في ختام الرحلة على المنقذ الجديد للمدينة من غدر المحيط: سور إسمنتي أعلى وأفضل حالا قليلا عن سابقه المهزوم، لكنه في أفضل حالاته لا يفوق في متانته سور أي منزل خليجي!

الدبابات المتوجهة إلى العراق والعائدة منه للصيانة تمر من هنا

لحظة كنا نمر تحت احد جسور نيواورلينز، كنا نظن اننا على الطرف الآخر من العالم بالنسبة للشرق الأوسط، ولا سيما ان فارق التوقيت بين المنطقتين نهار كامل (12 ساعة).

لكن وبلمح البصر رأينا غبار الشرق الأوسط هنا في هذه المدينة: لمحت قافلة من الدبابات تمر على سكة حديد، فسارعت إلى سؤال دليلتنا المناضلة عنها، ردت ببرود «هذه ارتال دبابات أميركية للمشاركة في الحرب الدائرة في العراق»، وقبل أن تنهال الأسئلة تابعت «من ميناء المدينة يتم نقل الدبابات إلى الشرق الأوسط وتحديدا إلى العراق، أو إعادتها من هناك لأعمال الصيانة والاستبدال».

ودعنا مشهد الدبابات بابتسامة اغريقية: «حتى انت يا نيو أورليانز»!

سمعة

من أين أتى لقب «مدينة الخطيئة»؟

إبان إعصار «كاترينا»، كان هناك من تحدث عن عقاب الهي لنيو أورليانز الذي كانت ذكراه السنوية الثالثة أمس بسبب فسوقها. لم تستطع ابتسامة رئيس مجلس المدينةلارج آرني فيلكو ان تخفي ضيقه من سؤالي عن سر تسميتها ب«مدينة الخطيئة»، وقال «كما تعلمون المدينة ذات طابع أوروبي متحرر، والأمر يتعلق بتراكم هذه السمعة حتى ترسخت في الأذهان، اذ ان ما يجري هنا لا يقارن بما يجري في نيويورك مثلا لكننا نحمل هذه السمعة».

والحق إننا لم نجد ما يؤكد هذه الصفة، باستثناء شارع ضيق وصغير لا يتعدى طوله الـ 700 متر.

ظاهرة

جريمة ظرفية لا مخططة تحيط باختفاء المراهقين

في تجوالنا في مدينة نيو أورليانز وتحديدا خلال إحدى فقرات برنامج الزائر الدولي، تعرفنا إلى السيدة أليس، شقراء تماما لكن أجدادها من أصول فلسطينية، كانت متزوجة من عربي وعاشت عشر سنوات في القاهرة، لذلك تتقن اللهجة المصرية، بصحبتها مررنا على أكثر من لوحة إعلانات في «المولات»، كلها تحمل صورا لمراهقين ومراهقات مفقودين، وتناشد من يعرف أي شيء عنهم.

سألنا عما يشاع عن تفشي الجريمة في نيو أورليانز، فسارعت السيدة إلى القول«لا، لا يشترط أن يكون هؤلاء تعرضوا لجريمة ما فهنا تتفشى ظاهرة ترك المراهقين لمنازلهم. هنا الجريمة ظرفية، بمعنى لا يخرج العاطل عن العمل مثلا من منزله يحمل قرار ارتكاب جريمة، بل يكون متسكعا مثلا في زقاق ما فيصادف امرأة فيسارع إلى خطف حقيبتها أو سلبها مالها».

ذكرنا عاملا حانوت، فلسطيني وصومالي، بهواجس الجريمة وهما يلوحان بمسدس، ويشيران إلى الكاميرات المنتشرة في الحانوت وقوانين منع ارتداء القبعات التي تحجب الوجه داخل الحوانيت، لكنهما مع ذلك يشيران بحسرة إلى عامل يمني لم يحالفه الحظ وقضى برصاص أحد اللصوص.

جدل

طفل في كعكة

في ضيافة إحدى العائلات في نيو أورليانز، دخلنا منزلا خشبيا تقليديا يدعى «ممر الرصاصة»، أي انه يبنى بحيث يستطيع صاحبه إطلاق رصاصة من الباب الأمامي في خط مستقيم فتخرج من الباب الخلفي. لا ندري ما الحكمة في ذلك، ولا احد هناك يدري ايضا، لكن لكل عاداته.

من هذه العادات، كعكة تقليدية يعدها اهالي المدينة، مذاقها أشبه بحلوى ال«سينابون» الشهيرة، عادة تكون هذه الكعكة في المناسبات التي يتجمع فيها الاصدقاء في منزل احدهم. داخل الكعكة دمية صغيرة جدا لطفل بحجم نصف الاصبع الصغير. تقسم الكعكة الى قطع، ومن يجد دمية الطفل في قطعته يكون دوره في العزومة التالية.

اضاءة

مدينة نيواورلينز هي عاصمة ولاية لويزيانا، وتقع على ضفاف نهر الميسيسبي، ما يجعلها الميناء الاميركي الثاني من حيث الحمولة بالطن بعد نيويورك، وعدد سكانها يقترب من نصف مليون نسمة. تأسست المدينة سنة 1718، وسميت على اسم حاكم فرنسي يدعى دوك اورلينينز.

انتقلت المدينة من الحكم الفرنسي إلى الحكم الاسباني، لكنها عادت إلى فرنسا في العام 1803، وهو العام الذي انتقلت فيه إلى الحكم الأميركي مقابل 50 مليون دولار في إطار صفقة شراء لويزيانا. تعتبر نيو أورليانز أصل ولادة موسيقى الجاز الأميركية الشهيرة، التي كانت أشبه بثورة ثقافية افريقية.

نيو أورليانز ـ خالد ابوكريم