تجاهلت روسيا أمس كل التحذيرات والمناشدات الغربية واعترفت باستقلال جمهوريتي اوسيتيا الجنوبية وابخازيا الانفصاليتين عن جورجيا، الأمر الذي أثار موجة كبيرة من التنديد من قبل عواصم العالم الغربي التي شجبت أيضاً احتفاظ القوات الروسية بمواقع متقدمة لها في جورجيا.
وأعلن الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف رسمياً عبر التلفزيون الروسي توقيعه المراسيم المتعلقة باعتراف روسيا باستقلال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا، ودعا الدول الأخرى إلى أن تحذو حذوها، مبرراً ذلك على أنه «الخيار الوحيد للحفاظ على أرواح الناس».وبعد هذا الإعلان، خرج الرئيس الروسي على قناة «روسيا اليوم» ليعلن أن بلاده «لا تخشى شيئا» بما فيه عودة «الحرب الباردة» مع الغرب، مؤكدا في الوقت نفسه أنها لا تريد هذه الحرب.وأضاف انه «إذا أراد الغربيون المحافظة على علاقات طيبة بروسيا فهم سيفهمون أسباب قرارنا»، وجدد تأكيده أن بلاده طبقت بالكامل خطة السلام التي توسط فيها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بما يتعلق خصوصا بانسحاب القوات الروسية من جورجيا.
واستبعد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تعرض روسيا لعزلة دولية بسبب قرارها الاعتراف باستقلال أبخازيا واوسيتيا الجنوبية. وفيما بدا على أنه طمأنة للغرب، أكد لافروف على أن روسيا لا تتوقع الاندماج مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وأضاف ان «هذه المسألة لم تطرح علينا من جانب زعماء ابخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ولا اعتقد انها ستطرح»، كما أكد أن القوات الروسية ستنسحب من داخل اراضي جورجيا بمجرد ارساء منظومة دولية فعالة للحفاظ على السلام.
وقال لافروف ان روسيا تريد الآن الاحتفاظ بقواتها في المناطق العازلة داخل اراضي جورجيا «من اجل توجيه انذار مبكر اذا بدأت جورجيا مغامرة عسكرية جديدة».
وبعيد دقائق من هذا الخطاب اعلن الكرملين ان الرئيس الروسي كلف وزارة الخارجية التفاوض لإقامة علاقات دبلوماسية مع اوسيتيا الجنوبية وابخازيا.
ونددت جورجيا على الفور باعتراف روسيا بالجمهوريتين الانفصاليتين، وقال سكرتير مجلس الأمن القومي الجورجي الكسندر لومايا ان اعتراف روسيا باستقلال أبخازيا واوسيتيا الجنوبية «لا قيمة قانونية له» وستكون له «انعكاسات سياسية شديدة» على روسيا.
وقال نائب وزيرة الخارجية الجورجية جيجا بوكريا ان الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي عقد اجتماعا لمجلس الأمن القومي الجورجي لبحث قرار روسيا بالاعتراف باستقلال منطقتين جورجيتين انفصاليتين. وفي سوخومي وتسخينفالي عاصمتي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية، نزل السكان إلى الشوارع للاحتفال بالحدث وأطلقوا النار في الهواء لدى إعلان اعتراف موسكو بجمهوريتيهما.ووصف زعيما اوسيتيا الجنوبية وابخازيا هذا الاعتراف الروسي بأنه حدث «تاريخي».
وقال الرئيس الأوسيتي الجنوبي ادوارد كوكويتي «نحن مستعدون لإبرام اتفاقية صداقة مع روسيا»، مشيرا إلى انه سيقترح «على روسيا اقامة قاعدة عسكرية روسية على اراضي اوسيتيا الجنوبية، والقرار بهذا الصدد سيكون رهنا بخيار روسيا».
ولم تتأخر ردود الفعل الغربية على إعلان الرئيس الروسي، ففي لندن عبر وزير الخارجية البريطاني ديفيد مليباند عن رفضه لقرار روسيا الاعتراف باستقلال منطقتي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية الجورجيتين الانفصاليتين ودعا إلى تشكيل ائتلاف دولي للتصدي لهذا القرار. وقال في بيان «سأجري محادثات اليوم مع شركاء دوليين وسأزور أوكرانيا غدا لضمان اوسع ائتلاف ممكن ضد العدوان الروسي في جورجيا».
وقالت الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي انها تتشاور مع شركائها لاستصدار إدانة مشتركة للقرار الروسي الذي وصفه ناطق باسم الخارجية الفرنسية ب«المؤسف».
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه «نعتبر انه قرار مؤسف ونذكر بتمسكنا بوحدة أراضي جورجيا».
كما أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ان اعتراف روسيا باستقلال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا امر «مؤسف»، وقالت «بالنسبة إلى النية الروسية الواضحة بالاعتراف بجزئين، بمنطقتين كانتا في نزاع، وهما بشكل واضح داخل الحدود الجورجية المعترف بها دوليا بموجب عدة قرارات عن مجلس الأمن الدولي، اعتقد انه أمر مؤسف».
وكان الرئيس الأميركي جورج بوش حث روسيا أول من أمس على عدم الاعتراف بإقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الانفصاليين في جورجيا كدولتين مستقلتين بعد تصويت مجلس النواب الروسي على قرار يؤيد الانفصال، وأضاف بوش في بيان: «أدعو القيادة الروسية إلى الوفاء بالتزاماتها وعدم الاعتراف بهاتين المنطقتين، الاعتراف سيكون غير منسجم مع القرارات التي وافقت عليها الأمم المتحدة بالإجماع والتي دأبت روسيا على التصويت لصالحها في السابق».
ومن جهته عبر الأمين العام لحلف شمال الاطلسي ياب دي هوب شيفر عن «رفضه» اعتراف روسيا باستقلال اوسيتيا الجنوبية وابخازيا معتبرا ان ذلك «ينتهك» وحدة اراضي جورجيا.
وقال دي هوب شيفر «ارفض قرار الحكومة الروسية الاعتراف بمنطقتي اوسيتيا الجنوبية وابخازيا في جورجيا». واضاف إن «هذا انتهاك مباشر للعديد من قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بوحدة اراضي جورجيا، وهي قرارات وافقت عليها روسيا».
من جهتها وصفت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل القرار الروسي بأنه «غير مقبول» لأنه «يتناقض مع مبدأ وحدة الأراضي، وهو مبدأ اساسي في القانون الدولي للشعوب».
وشددت ميركل خلال زيارتها لإستونيا على ضرورة تنفيذ خطة السلام التي اقترحها الاتحاد الأوروبي «الآن وبأقصى سرعة»، والتي تنص على انسحاب القوات الروسية من جورجيا. وتوقعت أن يتحدث الاتحاد الأوروبي بصوت موحد خلال قمته الطارئة المزمع عقدها الأسبوع المقبل والتي ستناقش سبل دعم جورجيا.
وفي برلين عبر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن اسفه لقرار الرئيس الروسي وقال ان هذا القرار «غير مقبول بالنسبة إلينا».
واعتبرت عدة دول القرار الروسي غير شرعي معربة عن قلقها ازاء انعكاساته على الاستقرار الاقليمي. وفي السياق ذاته اشار وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فراتيني إلى «بلقنة على اسس عرقية في القوقاز» واعتبر ان القرار الروسي «الأحادي» لا يستند إلى «اطار قانوني دولي» ويشكل «خطرا جديا علينا جميعا».
وقال نظيره السويدي كارل بيلدت «ان هذا القرار يشكل انتهاكا واضحا ومتعمدا للقانون الدولي وللمباديء الأساسية للاستقرار في اوروبا».
كما نددت الرئاسة الفنلندية لمنظمة الأمن والتعاون في اوروبا باعتراف موسكو بالجمهوريتين الانفصاليتين باعتباره «انتهاكا لمباديء منظمة الأمن والتعاون في اوروبا» التي من المقرر ان ترسل 20 مراقبا عسكريا إلى جورجيا لينضموا إلى ثمانية كانوا ارسلوا قبل الأزمة الأخيرة.
كما أعلنت مجموعة السبع عن «قلقها الشديد» حيال الدعم الذي قدمه البرلمان الروسي لاستقلال الإقليمين، وأعلن مسوؤل في وزارة الخارجية الأميركية أول من أمس، وبعد مؤتمر بالهاتف مع المديرين السياسيين في دول مجموعة السبع، أن المجموعة «موحدة في دعمها لسيادة ووحدة أراضي جورجيا، وهي قلقة جدا من المعلومات التي تتحدث عن مشاريع روسية للاعتراف بأبخازيا واوسيتيا الجنوبية».
موسكو تعلق تعاونها مع «ناتو» باستثناء أفغانستان
أعلن مندوب روسيا الدائم لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) ديميتري روغوزين تعليق موسكو تعاونها مع الحلف في سلسلة من المجالات، فيما تم إرجاء زيارة للامين العام للحلف كانت مرتقبة إلى روسيا في أكتوبر.
وأكد المندوب الروسي تعليق تعاون بلاده مع الغرب على أن تبقي على تعاونها مع الحلف الأطلسي في ما يتعلق بنقل المواد الغذائية والتجهيزات إلى أفغانستان.
وكان السفير الروسي في كابول زامير كابولوف حذر في حديث لصحفية «التايمز» البريطانية أمس من أن استخدام حلف شمال الأطلسي الطرقات الروسية لنقل مواد غذائية ومعدات إلى أفغانستان يمكن أن يتوقف.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يحتمل أن تتواجد فيه قوات روسية وأميركية في وقت واحد في جورجيا منذ بدء النزاع الروسي-الجورجي.
فقد أعلنت الولايات المتحدة صباح أمس أن إحدى مدمراتها ستصل اليوم الأربعاء إلى مرفأ بوتي الجورجي، قبل أن تتراجع واشنطن عن هذا التصريح. ولا تزال وجهة هذه المدمرة مجهولة.
وقال الناطق باسم السفارة الأميركية في تبيليسي ستيف غويس إن السفينة ستنقل مساعدة إنسانية إلى الجورجيين.
وحتى صباح أمس كانت قوات حفظ السلام الروسية لا تزال متمركزة عند مدخل مرفأ بوتي، أهم مرفأ تجاري في جورجيا.
وفي تكلاتي على بعد أربعين كيلومترا شرقي بوتي تظاهر قرابة مئة جورجي أمام موقع للقوات الروسية للمطالبة بانسحابها وهتف المتظاهرون «ايها الروس عودوا الى دياركم!» و«لا لاحتلال جورجيا».
من ناحيتها أعربت موسكو عن قلقها من «مستوى النشاط المرتفع للغاية» للقوات البحرية الأطلسية في البحر الأسود.
وينتظر وصول قرابة 18 سفينة تابعة لدول الحلف الأطلسي إلى المنطقة كما أعلن نائب رئيس هيئة الأركان الروسية الجنرال اناتولي نوغوفيتسين الذي أكد وجود 10 من هذه السفن حاليا في المنطقة. والى جانب مهمتها في نقل مساعدات إنسانية إلى جورجيا فإن عددا من هذه السفن ستشارك في مناورات عسكرية «روتينية» في البحر الأسود.
وقال الجنرال الروسي من جهة أخرى إن عددا من السفن الروسية تتوجه إلى قبالة سوخومي عاصمة أبخازيا بغية إعادة معدات عسكرية روسية.
ومن جهة ثانية أكد الجنرال الروسي أن طراد الصواريخ «موسكو» التابع للأسطول الروسي المتمركز في البحر الأسود والذي غادر أول من أمس قاعدته في ستيفاستوبول في جنوب أوكرانيا سيعود إلى قاعدته مساء أمس. وكان الطراد عاد السبت إلى سيباستوبول بعدما نفذ مهمة قبالة الساحل الجورجية.
أوكرانيا منقسمة إزاء القرار الروسي
انقسم كبار القادة السياسيين في أوكرانيا بشأن اعتراف الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الجورجيين الانفصاليين.
وأعرب السياسي الموالي لروسيا فيكتور يانكوفيتش، رئيس حزب الأقاليم الأوكراني المعارض عن تأييده للخطوة التي اتخذها مدفيديف قائلا إن أوكرانيا يجب أن تحترم رغبة شعبي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
وفي مقابلة مع وكالة انترفاكس الروسية للأنباء، قال يانكوفيتش إن وضع الإقليمين يشبه انفصال إقليم كوسوفو عن صربيا وأكد أنه يجب على أوكرانيا أن تعترف باستقلال الإقليمين الانفصاليين.
إلا أن أرسيني ياتسينوك وهو سياسي مؤيد لأوروبا وحليف مقرب للرئيس فيكتور يوشينكو انتقد الكريملين قائلا إن: «الأمم المتحدة فقط هي التي تستطيع إصدار حكم حول هذه المسألة ـ وضع إقليمي إبخازيا وأوسيتيا الجنوبية». وجاءت تصريحات ياتسينوك للصحافيين خلال زيارة إلى إقليم إيفانو فرانكيفسك غرب أوكرانيا.

