يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يلتقط طرف الخيط من حيث فشلت التفسيرات الكبرى لعالم القرن الحادي والعشرين، وهو ينجح في هذه المهمة بحيث يصفه البروفيسور زبجنيو بريجنسكي بأنه «نظرة بانورامية شاملة تتناول بجسارة أبعاد الأزمة التي يواجهها العالم حاليا والتي لا بد وأن يتعامل معها الرئيس الأميركي المقبل» ويصفه أيضا الكاتب الأميركي روبرت كابلان بأنه «سجل ميسر لتشكيل نظرية متكاملة لسياسة العولمة» في عصرنا.
ويحرص المؤلف على الجمع بين نهج الاطلاع الميداني على واقع البلدان التي يعرض لها وبين التحليل البحثي بالبيانات والأرقام، وهو يستخدم نهج العلوم السياسية في رصد ما يستجد من تطورات على خارطة العالم، مستخلصا ما يراه من قوانين حركة الكيانات الكبرى التي تسيطر على مقاليده ما بين أميركا إلى أوروبا إلى الصين التي يتوقع لها مزيدا من الصعود والانتشار من باب الاقتصاد إلى باب السياسة، ويصل المؤلف إلى تحذير أميركا من أنها جديرة بأن تهبط من قائمة العالم الأول إلى مستوى العالم الثاني «إذا لم تجدد نفسها كي تحدد دورها المرتقب على الساحة الدولية في دنيا العولمة بكل متغيراتها وتعقيداتها».
منذ 50 عاما نشر المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي كتابا عن رحلة حول العالم قام بها مع زوجته على مدار 17 أسبوعا واختار للكتاب العنوان التالي: الشرق إلى الغرب: رحلة حول العالم وعلى مدار نصف القرن الذي أعقب نشر الكتاب تغيرت أحوال العالم، حيث بدا منقسما إلى عوالم عدة بمعنى أحوال متباينة وظروف اقتصادية ـ اجتماعية شديدة الاختلاف لدرجة التناقض في بعض الأحيان: * العالم الأول وهو العالم الصناعي المتحضر ـ المتقدم في مضمار العلم والتكنولوجيا وهو بداهة ينعم بمستويات ثرية ومرتفعة للمعيشة. * العالم الثالث وهو يكاد يمثل عكس العالم الأول من حيث الفقر والتخلف والحرمان والمرض وتعثر مسيرة التنمية وتدهور مستوى معيشة البشر على السواء.
ماذا إذن عن العالم الذي هو «بين بين» كما قد نسميه؟ * العالم الثاني : لم يكد أحد يشغل نفسه كثيرا بهذا العالم الثاني ولا بأقطاره وشعوبه التي يتوقف عندها مليا مؤلف هذا الكتاب حيث يصفها مع سطور الاستهلال بعبارات يقول فيها: هذه الأقطار تكاد تكون محصورة بين الموقعين المتناقضين: ثراء ونفوذ العالم الأول وشقاء ومسغبة العالم الثالث. من ناحية أخرى فإن هذه الأقطار تستند إلى تواريخ مختلفة وتعيش ظروفا متباينة للغاية من حيث فرص النشوء ومعدلات التطور الاقتصادي والاجتماعي وبالذات من حيث النضج الثقافي والأدوار التي يضطلع بها كل بلد منها سواء على الساحة الإقليمية أو على الصعيد الدولي. لقد «ورثت» الساحة الدولية دول العالم الأول بالذات من تركة الإمبراطوريات والدول الإمبريالية التي بدأت مسيرتها نحو التصنيع ومن ثم السيطرة الاستعمارية في عقود القرن التاسع عشر ـ ثم أضيفت إليها أميركا.
ولا سيما بعد بلائها الحسن ضد النازية عند منتصف القرن العشرين أما دول العالم الثالث: فإنها حديثة من حيث النشأة وحتى من حيث التسمية والتوصيف ويكفي أنها ظهرت بوصفها كيانا متميزا مع حركات التحرير والاستقلال التي بدأت في الأربعينات ثم اشتد ساعدها مع نشوء حركة عدم الانحياز والحياد الإيجابي التي تم تدشينها في باندونغ عام 1954.. ولكن صاحبت هذا النشوء وربما لا تزال تركة مثقلة بالتخلف وتدني مستوى الحياة من آثار الحقبة الكولونيالية التي عانتها تلك الشعوب.
وفي كل حال فمعظم أقطار هذا العالم الثاني تُجسد أحوال العالمين الأول والثالث: إنها تنقسم إلى رابحين وخاسرين، أثرياء وفقراء، من يملكون ومن لا يملكون، كأننا أمام نوع من الشيزوفرانيا ـ انفصام الشخصية ـ في أرجاء هذا العالم الثاني. ولأن كتابنا معني أساسا بالمستقبل مع بدايات هذا القرن الجديد، فإن مؤلفه يتساءل قائلا: ترى هل يشهد المستقبل ردود فعل من جانب أقطار هذا العالم الثاني ـ هل نشهدها وهي ترفض أوضاعها المتناقضة. فتعلن تمردها وخاصة بوجه القوى العظمى التي تكاد تتقاسم مقاليد عالم اليوم؟
المؤلف يقف تحديدا عند القوى العظمى الثلاث التي يراها مسيطرة على مقاليد عالمنا وهي:
(1) الولايات المتحدة (2) الاتحاد الأوروبي (3) الصين. تلك هي «إمبراطوريات زمن العولمة» كما يصفها الكتاب. فكيف يكون مستقبلها في غمار ما يعتري عالمنا الراهن من متغيرات؟ خاصة في ضوء الحقيقة التي يحرص المؤلف على رصدها لتقول بما يلي: إن العالم الثاني منطقة تتمتع بإمكانات عظيمة منها ما هو واقع اليوم ومنها ما لم يتحقق حتى الآن.
وفي كل حال فإن أقطار العالم الثاني تعيش وضعا من التحول الغريب بل المتناقض في بعض الأحيان: بعضها ينتقل من حياة العالم الثالث بفضل مواصلة خطى التنمية والتقدم لكي ينضم إلى مسيرة هذا العالم الثاني.. بل هناك من دول العالم الأول من تتعثر خطاه إلى حيث يرتد لينضم إلى دنيا العالم الثاني.. والأيام دول وأحوال كما يقولون.
ولأن المؤلف معنيّ بعلاقات التفاعل المستقبلي بين هذه القوى المائجة بالحركة على خارطة العالم، وخاصة من منظور القوى الإمبراطورية ـ أو الإمبرياليات العظمى كما نسميها كما أنه مهتم بمستقبل النفوذ والتأثير على نظام العولمة الجديد، فهو يعمد إلى معالجة كل مجموعة جغرافية متجانسة أو شبه متجانسة في باب مستقل بذاته من أبواب كتابه.. ولعله اختار هذا التصنيف الجغرافي متبعا في ذلك مقولة نيكولاس سبيكمان: الجغرافيا هي أهم عوامل السياسة الخارجية، لأنها العامل الدائم الذي لا يتغير على الإطلاق.
لهذا احتوى كتابنا فصولا يختص كل منها بمنطقة جغرافية مستقلة من مناطق عالمنا.. وتمتد أطروحاتها على مدى 31 فصلا يعقبها خاتمة تحمل عنوانا لا يخلو من دلالة وهو: البحث عن التوازن في عالم غير أميركي.
أما الأبواب الرئيسية للكتاب فيبدأ أولها من الأقطار التي يصنّفها المؤلف ضمن فئة العالم الثاني رغم أنها تقع في أوروبا من غربها إلى شرقها.. بلاد ومناطق من قبيل روسيا.. البلقان.. أوكرانيا.. القوقاز... تركيا.. وهو يطلق عليها اسما طريفا من حيث تناقضه وهو: شرق الغرب!
بعدها يتحول الكتاب إلى مناطق الوسط أو القلب من منطقة أوراسيا (أوروبا ـ آسيا) هي منطقة «الهارتلاند» كما تقول الجغرافيا السياسية، وكان يحفها طريق الحرير الشهير الذي كان يصل بالتجارة عبر آسيا إلى مشارف الصين. لا غرو أن تصنف ضمن هذه الفئة جمهوريات آسيا الوسطى ـ السوفييتية سابقا.. وان يمتد منظور التحليل الفكري إلى باكستان وجنوب شرقي آسيا.. ليسلمنا المؤلف إلى حديث مسهب عن قارة أميركا الجنوبية التي ظلت الولايات المتحدة تنظر إليها بوصفها الفناء الخلفي لواشنطن حسب مبدأ الرئيس الأميركي مونرو (1758 ـ 1831).
أما الباب الرابع فهو مكرس لما يوصف بأنه البحث عن «الشرق الأوسط» حسب توصيف مؤلف الكتاب، حيث يغطي التحليل في هذا المضمار أقطار المنطقة العربية من المغرب إلى مصر ومن العراق إلى الخليج مضافا إليها إيران.
ختام الكتاب هو الباب الخامس والأخير الذي يرفع فيه المؤلف عنوان وبالأدق شعار «آسيا للأسيويين» ويفصّل الحديث عن دول جنوب شرقي أسيا وبعضها كان يطلق عليه في عقد التسعينات وصف «النمور الآسيوية» فيما يتوقف المؤلف مليا عند «الظاهرة الصينية» التي ما برحت تتجلى في عصر العولمة الراهن.. حيث يختتم هذا الباب بفصل خاص (الفصل الحادي والثلاثون) الذي يحمل بدوره عنوانا غريبا هو: الصينيات الأربع!
وهو يقصد المراكز ـ الأقطاب الرئيسية في حياة الشعب الصيني وفي مسيرة صعوده وتقدمه على المسرح العالمي. وهذه الأقطاب هي: بكين (ينطقونها بيجين) + هونج كونج + تايوان + شنغهاي.
بعد المقدمة التي يشرح فيها المؤلف منهج الدراسة في هذا الكتاب ـ موضحا ـ كما ألمحنا ما يقصده بمصطلح «العالم الثاني» تبدأ رحلتنا مع الموضوع من بروكسل ـ عاصمة بلجيكا بوصفها المقر الرسمي للاتحاد الأوروبي الذي يجيد المؤلف توصيفه حين يقول: الاتحاد الأوروبي هو ببساطة أكثر الإمبراطوريات شعبية وبخاصة في التاريخ.. لماذا؟.. لأنها إمبراطورية لا تسيطر ولا تهيمن بقدر ما أنها تنظم الأمور فقط وتضبط الأوضاع..
ويواصل المؤلف الإيضاح ليضيف: إن حوافز «الأوْربة» التي تتراوح بين معونات الدعم من المقر في بروكسل إلى إتاحة أكبر قدر للأعضاء من حرية الحركة، إلى اعتماد العملة الموحدة (اليورو) جاءت من اليسر والجاذبية لدرجة لا يمكن أن تقاوم.
لكن المسألة ليست بهذه السهولة التي تبدو على السطح. هكذا يؤكد المؤلف فيستطرد قائلا: أوروبا تظل بحاجة إلى أن تتوسع.. وألا تموت.. وعلى نحو ما يفضي به واحد من قادة الاتحاد الأوروبي في حديث خاص للمؤلف بمكتبه الحاشد بدراسات وإحصاءات من الحائط حتى السقف.. فإن سدنة الاتحاد الأوروبي لا يريدون أن يعترفوا بأن التوسع أمر ضروري بل حيوي.. لأن التوسع كفيل بمعالجة ما تعانيه أوروبا الغربية من تناقض بل تدهور في عدد السكان فيما تحتاج أساسا إلى تزايد بل تصاعد في حجم القوى العاملة.
ومن منظور المستقبل أيضا يرى المؤلف أن ثمة «طلاقا» سوف يحدث بين طرفي المحالفة الأطلسية بمعنى فراق سياسي بصورة أو بأخرى بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة.. بينما يرى أن مستقبل روسيا يكمن في التحاقها بمسيرة الغرب الأوروبي بمعنى أن روسيا كقوة عظمى قد ولّت أيامها (ص 15). أما أوكرانيا فلا تزال تراوح مكانها: صحيح أنها لم تعد جمهورية سوفيتية ولكن الصحيح أيضا أنها لا تثق بعد في نوايا المحالفة الغربية التي يجسدها حاليا الاتحاد الأوروبي.
أقطار البلقان لا بد في رأيه أن تتفاعل مع الاتحاد الأوروبي على أساس وضع إيجابي من التعاون بين الغريمين التاريخيين: تركيا واليونان. وإذا كان هذان الغريمان يطلان على مياه البحر الأبيض المتوسط فإن الطرف التركي يملك «فوق البيعة» كما يقولون ميزة الإطلالة على بحر له لون مناقض تماما هو البحر الأسود.
ولو أراد الاتحاد الأوروبي أن يصبح هذا البحر «بحيرة أوروبية» بما ينجم عن هذا الوضع من مزايا إستراتيجية وتجارية ـ فما زال المفتاح بيد تركيا.. وهي المدخل الذي يؤدي بالقوة العظمى الأوروبية ـ عبر البحر الأسود إلى منطقة القوقاز بكل وعودها النفطية من جهة، ولأنها تشكل من جهة أخرى جسرا بريا يفضي إلى مستودع الأسرار في قارة آسيا.
هذه الحركة الدؤوب من جانب الاتحاد الأوروبي تؤكد ما يذهب إليه مؤلف هذا الكتاب من أن أوروبا المتحدة (العظمى إن شئت) محكوم عليها بأن تواصل مسيرة التوسع، شرقا بالحتم إلى حيث سهول القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى.. صحيح أن للتوسع: الأوروبي مغارمه وتكاليفه ومخاوفه أيضا ـ لكن الأصح أن عدم التوسع هو الأخطر والأسوأ، من حيث المغارم والتكاليف. وهنا يستعير مؤلفنا ما ذهب إليه الفيزيائي البريطاني الشهير نيوتن (1642 ـ 1727) حين قال: إن كل جسم متحرك ـ يظل دائما في حال من الحركة
والمعنى كما يوضحه «باراج خانا» (ص 61) هو: إذا توقف الاتحاد الأوروبي عن التوسع فإن منطقة الغرب الأوروبي كفيلة بأن تفرز 4 مراكز مستقلة ذاتيا للحركة تسيطر عليها كل من لندن وبروكسل وأنقرة وموسكو.. وكأنها أربع عجلات لا تتحرك في مجموعها بالسرعة نفسها.. فما بالك ـ يحذر المؤلف ـ أن هذه القوى الأربع مضافا إليها الولايات المتحدة ذاتها ـ أصبحت تواجهها تحديات ناشئة في أقصى الشرق من الشرق الأوروبي ذاته.. المنطقة التي تحمل حاليا الاسم المعروف: جمهوريات آسيا الوسطى.
المؤلف في سطور
* باراج خانا يعمل مديرا لبرنامج الاستراتيجية في مؤسسة «نيوأميركا» بالولايات المتحدة. عمل لسنوات زميلا باحثا في مؤسسة بروكنغز الشهيرة للدراسات والبحوث إضافة إلى فترة عمله في المنتدى الاقتصادي العالمي التابع لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
* من مواليد الهند ، وتقول سيرته على غلاف الكتاب إنه تربى في أقطار شتى ما بين دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ألمانيا إلى الولايات المتحدة ، ثم تخرج في جامعة جورجتاون وتعلم الاقتصاد في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية.
* زار أكثر من 100 بلد في أنحاء العالم وشارك بالكتابة في كبريات الصحف البريطانية والأميركية، وبصفة خاصة «نيويورك تايمز» و«فاينانشال تايمز».
الصفحات: 256 (وسط)
الكتاب: العالم الثاني
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك ـ 2008



