يبدي المحللون الإستراتيجيون في الولايات المتحدة تخوفهم من احتمال قيام تحالف استراتيجي بين روسيا والصين، خاصة في أعقاب الحرب الروسية الجورجية الأخيرة والتوتر الحالي في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية حول عدد من القضايا أبرزها التوسع المتزايد لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في الجمهوريات السوفييتية السابقة المجاورة للأراضي الروسية والدرع الصاروخية المضادة للصواريخ التي تعتزم واشنطن نشرها في بلدان تقع في الفناء الخلفي لروسيا.
وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت تحسناً في العلاقات الثنائية بين روسيا والصين وصلت إلى درجة التطابق في بعض المواقف السياسية من القضايا الدولية، وهذا التحسن كان مدفوعاً بمصالح اقتصادية، حيث باتت الصين الشريك الثاني لروسيا بعد الاتحاد الأوروبي. وتعتمد الصين بصورة رئيسية على روسيا في وارداتها من الأسلحة في ضوء امتناع الولايات المتحدة والغرب عن تزويدها بالأسلحة وحصر العلاقة معها بالتبادل الاقتصادي. إن المتابع للشأن السياسي والإستراتيجي الروسي يدرك أن موسكو تحاول وضع منظومة أمنية جديدة ترتكز عناصرها على تأسيس تحالف إستراتيجي مع الصين، فجنرالات الجيش ومسؤولو الاستخبارات والخارجية الروس يشيرون باستمرار إلى حتمية قيام تحالف عالمي لتطويق القوة الأميركية ويستخدمون مصطلح «عالم متعدد الأقطاب» في إشارة إلى ضرورة ظهور قوى أخرى توازن القوة الأميركية للحيلولة دون انفرادها بقيادة العالم.
مؤشرات واضحة
هناك مؤشرات كثيرة واضحة على هذا التوجه الروسي ليس أقلها ما جرى في جورجيا عندما سارعت موسكو للرد على الهجوم الجورجي على أوسيتيا الجنوبية بقوة وحزم فأظهرت أنها قد عادت لتلعب دور القوة العظمى بعد أن غابت عن ذلك الدور طوال السنوات السابقة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي.
وكان قد سبق هذا الحدث خطوات أخرى قامت بها موسكو مثل التملص من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، بقرار الانسحاب من تلك المعاهدة الذي دخل حيز التنفيذ في ديسمبر من العام الماضي. واعتبر هذا القرار في حينه خطوة في اتجاه إعادة النظر في المشاركة الروسية في عدد من الاتفاقات، علما بأن موسكو لوّحت أخيرا باحتمال انسحابها من معاهدة الحد من الصواريخ القصيرة المدى والمتوسطة، وطالبت واشنطن ببدء حوار للتوصل إلى صيغة معدلة لمعاهدة الأسلحة النووية الإستراتيجية.
إن الانسحاب الروسي من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا لا يمكن تفسيره بعيدا عن مشروع الولايات المتحدة لنشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية. وبحسب سيرغي ميرونوف رئيس المجلس الأعلى للبرلمان الروسي فإن روسيا لم تتمكن بسبب هذه المعاهدة من تحريك عربة مدرعة واحدة على حدودها حتى لمهمات مكافحة الإرهاب، وأضاف أن «المعاهدة قيّدت أيدينا، خصوصا إذا أخذنا بالاعتبار خطط الولايات المتحدة لنشر الدرع الصاروخية».
وكانت روسيا والصين قد أدانتا المخطط الأميركي لإقامة درع صاروخية في أوروبا، واعتبرتا أنها تسيء إلى جهود نزع السلاح الدولية. وجاءت تلك الإدانة خلال زيارة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف إلى بكين في مايو الماضي ولقائه مع الرئيس الصيني هو جينتاو حيث أصدرا بيانا مشتركا يدين الدرع الصاروخية الأميركية ويؤكد على شراكتهما الإستراتيجية.
وجاء في البيان الروسي الصيني المشترك أن الطرفين يعتقدان أن بناء نظام صاروخي عالمي ووضع أجهزة رادار وصواريخ في مناطق معينة لا يساعد على خلق توازن استراتيجي ويؤذي الجهود الدولية الرامية إلى السيطرة على التسلح وعملية الحد من انتشار الأسلحة النووية، كما يؤدي إلى زعزعة الثقة.
وقد ظهرت فكرة تأسيس تحالف إستراتيجي بين روسيا والصين ومعهما الهند لأول مرة عندما طرحها رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف أثناء زيارته للهند في 1998، حيث صرح بريماكوف للصحافيين قائلا: «إن تأسيس مثل هذا التحالف هو الكفيل بتغيير موازين القوى العالمية لصالح السلام والأمن الدولي».
ولم يتعامل أحد مع هذا الطرح بجدية آنذاك، خصوصا أن العلاقات بين الهند والصين كانت سيئة للغاية بسبب الدعم الكبير الذي كانت تقدمه بكين لباكستان سياسيا وعسكريا. كما أن روسيا والصين كانتا عام 1998 تقريبا على العلاقات نفسها التي كانت بينهما في زمن الحرب الباردة، لا أصدقاء ولا أعداء.
في الوقت الذي نمت فيه العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة لأعلى المستويات وأصبحت الاستثمارات الصينية تحتل المرتبة الأولى في السوق الأميركية والأوروبية أيضا، ومنحت واشنطن الصين حق الدولة الأولى بالرعاية وفتحت لمنتجاتها الأسواق العالمية، في الوقت نفسه لم يكن هناك ما يغري الصين للتقارب مع روسيا الضعيفة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سوى أنها المورد الرئيسي للسلاح لها.
تقارب مصالح
شهدت العلاقات الروسية الصينية في السنوات القليلة الماضية تطورا ملحوظا بالفعل، خاصة في إطار منظمة شنغهاي للتعاون التي تضم البلدين مع أربع دول من آسيا الوسطى هي: كازاخستان، وأوزبكستان، وقيرقيزستان، وطاجيكستان، هذه المنظمة التي تحولت مؤخرا إلى مصدر قلق وخوف كبير لواشنطن، خصوصا بعد المناورات العسكرية الكبيرة التي اشتركت فيها دول المنظمة على الأراضي الروسية في صيف 2007، والتي طلبت الولايات المتحدة حضورها كمراقب ورفض طلبها.
بينما حضرها مراقبون من الهند وإيران. وكان أغسطس من عام 2005 قد شهد أول مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين في تاريخهما، وكان حدثا مثيرا للدهشة والاهتمام البالغ، لأنه لم يسبق لهاتين الدولتين الكبيرتين أن أجرتا أية مناورات عسكرية مشتركة رغم أنهما كانتا تقودان العالم الاشتراكي، ورغم أن الصين كانت تعتمد كثيرا على التقنيات العسكرية الروسية، فإن النشاط العسكري لكل من البلدين ظل سرا محجوباً عن الطرف الآخر بسبب العديد من الخلافات بينهما حول مسائل حدودية وقضايا سياسية وأيضا خلافات أيديولوجية.
وقد قدمت روسيا بادرة حسن نية للصين ستعزز بلا شك فرص إقامة تحالف بين الدولتين تمثلت بتوقيعها في يوليو الماضي على اتفاق يقضي بانسحاب قواتها من جزيرتين من سلسلة جزر أمور تبلغ مساحتهما 67 ميلاً مربعاً، وهما الجزيرتان اللتان نشبت حرب صينية سوفييتية محدودة بسببهما في العام 1969. وفي الواقع أن الولايات المتحدة تنظر إلى هذه البادرة بقلق بالغ لأنها تعني أن التحالف بين روسيا والصين بات أمراً ممكناً بعدما كان مستبعداً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يكفي التعاون العسكري والعلاقات الطيبة بين الدولتين لتأسيس تحالف إستراتيجي وربما عسكري؟
للوهلة الأولى قد تبدو الصين وروسيا شريكين طبيعيين، فالصين لديها اقتصاد تصنيعي مزدهر وروسيا لديها صادرات متنامية من المواد الخام وكلاهما يكمل الآخر. غير أن التاريخ والجغرافيا يقولان غير ذلك، فروسيا اقتطعت عبر تاريخها أراضي صينية قد تصل مساحتها إلى مليون ميل مربع واتسمت العلاقات بينهما بالعداء معظم الأحيان والبرود أحياناً. أما فترات التقارب، فلم تكن طويلة.
وتشير الجغرافيا إلى وجود تداخل في الحدود بين الدولتين، وهذا التداخل يعد خطيراً في العلاقات بين الدول لأنه قد يكون الشرارة التي تشعل نزاعاً حدودياً في أية لحظة. وإذا كان احتمال نشوب نزاع حدودي يعتبر قوياً في حال كانت إحدى الدول قوية والأخرى ضعيفة، فإن ذلك الاحتمال يصبح أقوى عندما تكون الدولتان قويتين في الوقت نفسه كما هو حال روسيا والصين حالياً.
لكن وجود قوة ثالثة، كالولايات المتحدة، تهدد من الناحية الاستراتيجية مصالح الدولتين سيدفع بهما إلى التحالف من أجل حماية تلك المصالح حتى وإن كان ذلك التحالف لفترة مؤقتة. وقد كان للمتغيرات والظروف الجديدة، التي ظهرت على الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، تأثيرها في تقريب مواقف البلدين وطرح فكرة التحالف الإستراتيجي بينهما. فقد ظهر خطر مشترك واضح لهاتين الدولتين تمثل في الوجود العسكري المكثف للولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو في القارة الآسيوية، وخصوصا في منطقة وسط آسيا الحيوية للطرفين، بذريعة مكافحة الإرهاب.
إضاءة
اتفاق 2001
في يوليو من العام 2001، قامت الصين وروسيا بتوقيع اتفاق تعاون ثنائي استهدف توثيق علاقات الدوليتين خلال العشرين عاماً المقبلة. وقد جاءت هذه الاتفاقية بديلا عن تلك التي تمّ توقيعها أيام ماوتسي تونغ وستالين والتي شكلت الحلف المشؤوم في العام 1950، وأصبحت غير واقعية فيما بعد في نهاية الستينات إثر التوتر الذي حصل بين البلدين وانفصال علاقاتهما الثنائية.
وقد جاءت هذه الاتفاقية الجديدة آنذاك لتدعم «الشراكة الإستراتيجية» بين البلدين، والقائمة منذ نهاية التسعينات خاصة من جانب قلق الدولتين من التحول في النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتّحدة وحلفاؤها الأوروبيون.
وعلى العموم، فقد ركزت هذه الاتفاقية المؤلفة من 25 بندا على ما يلي:
* معارضتهما المشتركة لبرنامج الدفاع الصاروخي الأميركي.
* رفضهما للمفهوم الغربي حول «التدخل الإنساني»، والذي تبناه حلف الناتو في العام 1999 في كوسوفو.
* معارضتهما للخطط الأميركية بالتوسع العسكري، والتي لا يمكنها إلا أن تضرّ بمصالح الأمن العالمي.
* الدعم الروسي لمفهوم «الصين الواحدة» والاعتراف بحق الصين في تايوان كجزء منها.
* تدعيم التعاون العسكري بين الطرفين.
حقائق
العلاقات العسكرية الروسية الصينية
شهدت العلاقات العسكرية الروسية-الصينية في الفترة الأخيرة تطوراً كبيراً خدم مصالح الدولتين اللتين تسعيان إلى تعزيز مكانتهما الدولية في عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة. فحتى فترة الثمانينات كانت المبيعات الروسية العسكرية للصين تكاد لا تذكر لصغر حجمها. أما اليوم، فتعد الصين المستورد الأول لصادرات الأسلحة الروسية، والتي تستأثر لوحدها بحوالي 45% من صادرات السلاح الروسي إلى الخارج.
ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي، قامت الصين بصرف مليارات الدولارات لشراء طائرات نفاثة، صورايخ، غواصات وكاسحات ألغام من روسيا. وقد أدى هذا إلى أن تصبح الصين الزبون الأول لصناعة السلاح الروسية التي كانت تعاني من مشكلات كبيرة بسبب تراجع مبيعاتها وتراجع مستوى إنتاجها بسبب الفساد الذي كان مستشرياً في البلاد في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي.
واستطاعت الصين أن تحصل على أسلحة من روسيا خلال السنوات الثلاث الماضية بما قيمته مليارات الدولارات، كان نصيب عام 2005 فقط ملياري دولار. وقد شملت تلك الصفقات: معدات، وصواريخ، وغواصات ديزل، ومقاتلات سوخوى 27 وسوخوي 30، ومعدات حربية متنوعة. وكانت قيادة القوات الجوية الروسية قد أعلنت بأنها تعتزم تزويد الصين بطائرات إستراتيجية قاذفة للقنابل من طرازي سوخوي 27 ام وسوخوي 29 ام، وقاذفات بعيدة المدى، وكذلك حاملات صواريخ من طراز تي يو.

