عكفت مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في الولايات المتحدة، خلال الأيام القليلة الماضية، على تحليل تبعات الحرب الروسية ـ الجورجية الأخيرة، خاصة من حيث التوجه الروسي الجديد بالعودة إلى الحلبة الدولية كقوة يحسب لها حساب في الكثير من القضايا التي تشغل بال العالم اليوم.

ولفت نظري في تلك التحليلات ما ذهب إليه بعض المحللين الاستراتيجيين الأميركيين من توقع نشوء تحالف استراتيجي بين روسيا والصين، وهو بالطبع احتمال كابوسي لا تتمنى الولايات المتحدة حدوثه خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها واشنطن من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. فالاقتصاد الأميركي يعاني من انكماش قد يكون الأصعب منذ عقود في ظل أزمة الديون الأميركية والعجز المتنامي في الموازنة وأزمة الرهون العقارية وانخفاض قيمة الدولار وما إلى ذلك من مشكلات تعصف بالاقتصاد الأميركي.

ومن الناحية العسكرية، تواجه الولايات المتحدة مأزقاً عسكرياً في العراق وأفغانستان، فلا هي قادرة على تحقيق الحسم العسكري بشكل يظهرها منتصرة في الحرب ولا هي في وضع يسمح لها بالحفاظ على ماء الوجه بحيث تنسحب من دون أن تبدو مهزومة.

وفي هذا الوضع، يثير الحديث عن تحالف محتمل بين روسيا والصين، وهما دولتان نوويتان تملكان أسلحة استراتيجية بعيدة المدى وقدرات اقتصادية هائلة، مخاوف أميركية حقيقية لأن هذا التحالف، إن حدث، سيعني نهاية التفرد الأميركي في قيادة العالم، وبروز قطب جديد يستطيع أن ينافس الولايات المتحدة ويعرّض مصالحها للخطر.

مما لا شك فيه أن واشنطن تملك الكثير من أوراق الضغط للحيلولة دون قيام مثل هذا التحالف. ومن أبرز تلك الأوراق ملف العلاقات التجارية مع الصين وملف التوجهات الانفصالية التي تهدد وحدة الأراضي الصينية وبالذات في تايوان والتيبت وشينجيانغ. وفيما يتعلق بروسيا، هناك أوراق ضغط أخرى تملكها واشنطن مثل نظام الدرع الصاروخي الذي تعتزم نشره في أوروبا الشرقية وتوسيع حلف الناتو ليشمل الجمهوريات السوفييتية السابقة المجاورة لروسيا.

غير أن هذا لا يعني أن الطرف الآخر لا يملك أوراق ضغط موجعة لواشنطن، فهناك الحرب في العراق وأفغانستان وقضية الملف النووي الإيراني والسودان والصراع العربي ـ الإسرائيلي.. كلها ملفات كفيلة بأن تقض مضاجع الأميركيين.

إذن، هل سنشهد عودة إلى أجواء الحرب الباردة؟ هناك شبه إجماع بين المراقبين على أن المواجهة العسكرية المباشرة هي أمر مستبعد لأن الجميع يعلم أنها ستكون مدمرة للطرفين ولوجود مصالح مترابطة بينهما. لكن المرجح هو أن العالم سيشهد من جديد عودة للاستقطاب الذي كان سائداً إبان الحرب الباردة ونشوب نزاعات تدار بالوكالة بين القطبين.

ضرار عمير

--+++++++++++++++++++++++++++18132642711537

Content-Disposition: form-data; name="template"

FullStyle3