طرحت دعوة الشباب لتنظيم إضرابات شعبية في مصر عبر شبكة الانترنت ومواقع الفيس بوك سؤالاً تهربت أحزاب المعارضة والحكومة من الوقوف عنده أو الرد عليه. فهو سؤال يتعلق بجدوى وجود تلك الأحزاب من أساسه، بل ويفضح فشلها في التواصل مع أجيال الشباب منذ انطلاق قطار التعددية الحزبية.

فلقد اقتصرت رؤية الحكومة وحزبها للشباب على مجرد تجييشهم وحشدهم في مؤتمرات تأييد ومعسكرات يختار لها الذين حصلوا على شهادة براءة أمنية. وفي تلك المؤتمرات والمعسكرات المسماة بالشبابية يتلقى المشاركون أول دروس الإفساد وتضليل الوعي، حيث يتم تلقينهم هتافات وشعارات وأسئلة يطرحونها على المسؤولين أمام عدسات الفضائيات، لتبدو وكأنها تلقائية.

ولا تخرج تلك الأسئلة عن نطاق المسموح به والذي يدغدغ مشاعر الساخطين المحبطين، وينفس مشاعر الغضب، وفي ذات الوقت يرضي المسؤولين ويصورهم وكأنهم نماذج نادرة في الديمقراطية وطول البال والصبر على تساؤلات الصغار وربما سذاجتهم.

وعلى ضفة أحزاب المعارضة، فالصورة ليست بأفضل حالا بل اشد إثارة للسخرية المريرة. حيث يتنافس زعماء تلك الأحزاب في المناطق والأقاليم على حشد الشباب لإظهار الولاء لزعيم الحزب أو التشهير به إن كان الهدف هو إسقاطه. ويتم تلقين هؤلاء الضحايا هتافات وشعارات منمقة للتعبير عن مواقف القادة ولا علاقة للشباب بها سوى تردديها مثل الببغاوات.

والحال هكذا طيلة عقود من التعددية الحزبية، وجد الشباب نفسه ممزقا بين خيارين كلاهما أمر: اما الانسحاب تماما من العمل العام، والانخراط في غيبوبة المخدرات والجريمة وحياة الترف والملذات، بالنسبة للأثرياء، والبحث عن لقمة العيش بالنسبة للفقراء وهم الأغلبية. أو الانضمام للجماعات المحظورة التي تستخدم الدين غطاء لأنشطة إرهابية.

ومع التطور السريع والمتلاحق لتقنيات الاتصال الجماهيري عبر الشبكة العنكبوتية (الانترنت) بموازاة بروز حركات الاحتجاج غير الحزبية وأطرها البالية المهترئة، دخل الشباب ساحة المشاركة السياسية بثقل غير معهود.

فلقد تعرف هؤلاء لأول مرة على تجربة المشاركة دون وصاية أو تلقين، وعايشوا تجربة ان يقولوا ما يؤمنون به فعلا، وليس ترديد ما يملى عليهم من مقاولي الحشود الحزبية والحكومية، ولهذا جاءت مشاركتهم حقيقية وعنيفة في جرأتها ومخترقة لحواجز المحرمات السياسية التقليدية. واظهر هؤلاء الشباب قدرة هائلة على تحمل تبعات كلمتهم حتى لو قادتهم إلى السجن والملاحقة الأمنية، فلقد فتحت صفحة جديدة في العمل السياسي ولن يقدر احد على طيها قبل ان تؤتي ثمارها.

المثير للدهشة والسخرية معا ان أجهزة الحكومة لم تع رمزية هذا التحرك الايجابي، ولم تلتقط من رسالته سوى الجانب التآمري الأمني كعادتها ولم تتخل عن أسلوبها التقليدي، الذي ساهم في انتشار السلبية والتهميش وضياع الشباب في حفرة الإدمان والعنف. وغاب عن الحكومة والأحزاب معا أن يستفيدوا من تجربة شباب الانترنت والفيس بوك، وجعلها عنوانا على مرحلة جديدة من تفعيل الشباب، لأن مستقبل مصر لم يعد يحتمل المزيد من الهدر.

سيد زهران

zhran 73@yahoo.com